الإسراء بالحبيبِ صلى اللهُ عليه و سلم و العروج به إلى الملكوتِ الأعلى

التصنيف : كتابات و مواد دينية (:::)
مروة برهان – اسكندرية (:::)
الحمدُ للهِ و هو بالحمدِ جدير , نحمده سبحانه فليس له نظير , و نصلى و نسلم على خيرِ إنسانٍ عرفته الإنسانية , و على خيرِ رسولٍ جاءَ إلى البشرية محمد بن عبدِ اللهِ النبىِّ الأمىِّ و على آلِهِ و صحبِهِ و سلم , الصادق الصادوق , ناصر الحق بالحق ,
و بعد ..
فيقولُ اللهُ تبارك و تعالى { سبحان الذى أسرَى بعبدِهِ ليلاً من المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصى الذى باركنا حوله لنريه من آياتِنا إنه هو السميعُ البصير } الإسراء / 1 فهذه الآية الكريمة تأخذنا إلى الإسراءِ و المعراج .
يُقْصَدُ بالإسراءِ الرحلة العجيبة التى بدأت من المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصى و بالتحديدِ من بيتِ أم هانئ حيث خرجَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم منه إلى المسجدِ الأقصى .
يُقْصَدُ بالمعراجِ ما عَقِبَ هذه الرحلة من ارتفاعِ فى طبقاتِ السمواتِ حتى الوصولَ إلى مستوى تنقطع عنه علوم الخلائق ثم الرجوع بعد ذلك إلى المسجدِ الأقصى .
اختُلِفَ فى تحديدِ السنة و الشهر الذى حدثَ فيها الإسراء
فقيل : ليلة السابع و العشرين من شهرِ رجب سنة 10 من النبوة .
و قيل : أن الصلواتَ الخمس فُرِضَتْ ليلة الإسراء و أن السيدة خديجة رضى اللهُ عنها توفيت قبل أن تفرِضَ الصلوات الخمس , و أن وفاتها كانت فى رمضان سنة عشر من النبوة فإن الأقوالَ الراجحة أن الإسراءَ كان قبل الهجرةِ ب16 شهر أى فى رمضان سنة 12 من النبوة أو قبل الهجرة ب14 شهر أى فى المحرم سنة 13 من النبوة أو قبل الهجرة ب12 شهر أى فى ربيعِ الأولِ سنة 13 من النبوة واللهُ أعلم .
أُشيرَ إلى الإسراءِ فى سورةِ الإسراءِ آية رقم 1 , و إلى المعراجِ فى سورةِ النجمِ الآيات رقم 13 – 18 .
فقد أُسْرِىَ برسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم ليلاً من المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصى , الذى باركَ اللهُ حوله و قد افتُتِحَتْ الآية الكريمة الحديث عن رحلةِ الإسراءِ بتسبيحِهِ جلَّ شأنه .
لَمَّا كانت رحلة الإسراء تشريفاً و تكريماً لرسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم , فقد وصفه اللهُ تعالى { بعبدِه } فقد أدبه ربه فأحسن تأديبه و قالَ سبحانه { و إنط لعلى خُلُقٍ عظيم } و قد قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم : ” إنما بُعِثْتُ لأتمم مكارم الأخلاق ” .
و لقد كشفت الآية الكريمة الغرض من هذه الرحلة العظيمة و هى كمال قدرة اللهِ سبحانه و تعالى لأنه لم يكنْ فى ذلك الوقت لا طائرات و لا سفن فضاء , فكيف ينكر إنسان على مدبِّرِ السمواتِ و الأرض أن يسْرِىَ برسولِهِ صلى اللهُ عليه و سلم من المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصى ؟ ! .
ذهبَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم إلى جوارِ الكعبة , فمرَّ به أبو جهل , فقالَ له : هل من خبر ؟ فقالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم : نعم . قالَ و ما هو ؟ فقالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم : إنى أُسْرِىَ بى الليلة إلى بيتِ المقدس . فقال : إلى بيتِ المقدس ؟ قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم : نعم . قالَ أبو جهل : أرأيتَ أن أدعوَ قومك لتخبرهم بما أخبرتنى به ؟ فقالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم : نعم . فنادى أبو جهل : هيا يا معشر قريش فاجتمعوا , فقالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم : إنى أُسْرِىَ بى إلى بيتِ المقدس تلك الليلة ” فكذبوه , و قالوا لأبى بكر : ” إن صاحبكَ يقولُ كذا و كذا , فقالَ أبو بكر رضى اللهُ عنه : ” إنى أصدقه فيما هو أبعد من ذلك ” و أخذوا يسألون رسول الله صلى الله عليه و سلم عن بيتِ المقدس , و منهم من رآه فظنوا أنهم سيوقعوه فى الحرج , فقد وصفَ لهم بيت المقدس وصفاً دقيقاً إلا أنه التبسَ عليه بعض الشئ فأنزلَ اللهُ أمامه صورة المسحد الأقصى ثم أخذَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم ينظرُ إليه و ينعته لهم .
الحكمة فى كونِ الإسراءِ إلى بيتِ المقدس :
ربط رسالات السماء : فقد ظلَّ بيت المقدس فترات طويلة مهبطاً لوحى السماء , فلما نزلت الرسالة الخاتمة ,  فكانت رحلة إسرائه من المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصى ربطاً لرسالاتِ السماءِ السابقة .
بيان أن الإسلامَ هو الدينُ الخاتم : صلى رسولُ اللهِ صلى الله عليه و سلم بالأنبياءِ ركعتين إشارةً إلى أن الإسلامَ هو الدينُ الخاتمُ فقد قالَ تعالى { إن الدينَ عند اللهِ الإسلام } .
بيان أن محمدَ صلى اللهُ عليه و سلم هو الرسولُ الخاتم : فقد قالَ صلى اللهُ عليه و سلم : ” مَثلى و مَثل الأنبياء كمثلِ رجل بنى بيتاً , فأحسنه و جمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه , فجعلَ الناس يطوفون و يعجبون به و يقولون : هلا وضعت هذه اللبنة , فأنا اللبنة , و أنا خاتم النبيين ” أخرجه البخارى و مسلم .
لم تُذْكرْ قصة المعراج مع قصةِ الإسراء فى السياقِ القرآنىِّ الحكيم مع أنهما حدثتا فى ليلةٍ واحدة و ذلك فتحاً للأُفُقِ الفكرىِّ فيحدثهم القرآن الكريم عن بقيةِ الرحلةِ و عن المعراجِ فقد قالَ تعالى { و النجم إذا هوَى * ما ضلَّ صاحبكم و ما غوَى * و ما ينطِقُ عن الهوى * إن هو إلا وحىٌ يُوحَى * علمه شديدُ القُوَى * ذو مِرَّةٍ فاستوَى * و هو بالأُفُقِ الأعلى * ثم دنا فتدلَّى * فكان قابَ قوسَينِ أو أدنَى * فأوحَى إلى عبدِهِ ما أوحَى * ما كذبَ الفؤادُ ما رأى * أفتُمارونه على ما يرى * و لقد رآه نزلةً أخرى * عند سِدرةِ المنتهى * عندها جنةُ المأوى * إذ يغشَى السِدرةَ ما يغشَى * ما زاغَ البصرُ و ما طغَى * لقد رأى من آياتِ ربِّهِ الكبرى }
الإعداد الإلهىِّ للمعراج ” حادثة شق الصدر ” :
قد سبقَ المعراج إعداد إلهى لنفسِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم .
كانت هذه الحادثةُ فى السنةِ الرابعةِ أو الخامسةِ من مولِدِه .
روى مسلم عن أنس : أن رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم أتاهُ جبريلَ عليه السلام , و هو يلعبُ مع الغِلمان , شَقَّ صدره عن قلبِهِ فاستخرجَ القلب , فاستخرجَ منه علقة , فقال : هذا حظُّ الشيطان منك , ثم غسله فى طِستٍ من ذهبٍ بماءٍ من زمزم , ثم لأمه أى جمعه ثم أعاده إلى مكانِه .
و جاءَ الغلمانُ يسعَونَ إلى ظِئرِه – الظِئ هى المرأةُ التى أرضعتْ ولد غيرها .
ليست الحكمة من هذه الحادثة استئصال غدة الشر فى جسمِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم إذ لو كان الشر منعه غدة فى الجسمِ لأمكنَ أن يُصبِحَ الشرير خيِّراً بعمليةٍ جراحيةٍ و لكن الحكمة من ذلك هى إعلانُ أمر رسول اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم .
شق الصدر لتطهيرِ قلبِ النبىِّ صلى اللهُ عليه و سلم .. هناكَ من أنكرَ حادثة شق الصدر و الذى يثبتُ مسألة شق الصدر هى الآية { ألم نشرح لك صدرك * و وضعنا عنك وزرك * الذى أنقضَ ظهرك * و رفعنا لك ذكرك * فإن مع اليسرِ يسراً * إن مع اليسرِ يسراً } .
أخرجَ الإمام أحمد عن أنسِ بن مالك أن رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم قال : ” أتيت بالبراق , و هو دابةٌ بيضاء , فوق الحمار و دون البغل , فسارَ بى حتى أتيتَ بيت المقدس , فربطت الدابةَ بحلقةِ الباب , ثم دخلتُ فصليت فيه ركعتين ثم خرجت . فأتانى جبريل بإناءٍ من خمرٍ و إناءٍ من لبن , فاخترتُ اللبن . فقالَ جبريل : أصبتَ الفطرة . قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم : ثم عَرَجَ بى إلى السماءِ الدنيا , فاستفتحَ جبريل , فقيل له من أنت ؟ قالَ جبريل . قيل : و من معك ؟ قال : محمد . قيل : قد أُرسِلَ إليه ؟ قال : أُرسِلَ إليه . ففُتِحَ لنا , فإذا أنا بآدم , فرحَبَ بى و دعا لى بخير .
ثم عرجَ بى إلى السماءِ الثانية , فاستفتحَ جبريل , فقيل له من أنت ؟ قالَ جبريل . قيل : و من معك ؟ قال : محمد . قيل : قد أُرسِلَ إليه ؟ قال : أُرسِلَ إليه . ففُتِحَ لنا , فإذا أنا بيحى و عيسى بن مريم ” الإثنين ولاد خالة ” , فرحبا بى و دعا لى بخير .
ثم عرجَ بى إلى السماءِ الثالثة , فاستفتحَ جبريل , فقيل له من أنت ؟ قالَ جبريل . قيل : و من معك ؟ قال : محمد . قيل : قد أُرسِلَ إليه ؟ قال : أُرسِلَ إليه . ففُتِحَ لنا , فإذا أنا بيوسف عليه السلام , و إذا هو قد أُعطَى شطر الحُسن , فرحَبَ بى و دعا لى بخير .
ثم عرجَ بى إلى السماءِ الرابعة , فاستفتحَ جبريل , فقيل له من أنت ؟ قالَ جبريل . قيل : و من معك ؟ قال : محمد . قيل : قد أُرسِلَ إليه ؟ قال : أُرسِلَ إليه . ففُتِحَ لنا , فإذا أنا بإدريس , فرحَبَ بى و دعا لى بخير . يقولُ اللهُ تعالى { و رفعناهُ مكاناً عليَّاً } مريم / 57
ثم عرج بى إلى السماءِ الخامسة , فاستفتحَ جبريل , فقيل له من أنت ؟ قالَ جبريل . قيل : و من معك ؟ قال : محمد . قيل : قد أُرسِلَ إليه ؟ قال : أُرسِلَ إليه . ففُتِحَ لنا , فإذا أنا بهارون , فرحَبَ بى و دعا لى بخير .
ثم عرجَ بى إلى السماءِ السادسة , فاستفتحَ جبريل , فقيل له من أنت ؟ قالَ جبريل . قيل : و من معك ؟ قال : محمد . قيل : قد أُرسِلَ إليه ؟ قال : أُرسِلَ إليه . ففُتِحَ لنا , فإذا أنا بموسى عليه السلام , فرحَبَ بى و دعا لى بخير .
ثم عرجَ بى إلى السماءِ السابعة , فاستفتحَ جبريل , فقيل له من أنت ؟ قالَ جبريل . قيل : و من معك ؟ قال : محمد . قيل : قد أُرسِلَ إليه ؟ قال : أُرسِلَ إليه . ففُتِحَ لنا , فإذا أنا بإبراهيم عليه السلام , و إذا هو مسند ظهره إلى البيتِ المعمور , و إذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملَك , ثم لا يعودون إليه .
ثم رُفعتُ إلى سِدرةِ المنتهى , فإذا أوراقها كآذانِ الفيلة و غشيها من أمرِ اللهِ ما غشيها .. ثم عرجَ بى إلى الجبارِ جل جلاله , فدنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى , فأوحَى إلى عبدِهِ ما أوحَى , و فرضَ عليه خمسين صلاة , فرجعَ حتى مرَّ على موسى فقالَ له : ما فرضَ ربك على أمتك ؟ قلت : خمسين صلاة فى كلِّ يومٍ و ليلة . قال : ارجع إلى ربك , فاسأله التخفيف لأمتِك , فإن أمتك لا تطيق ذلك . قال : فرجعت إلى ربى فقلت : أى رب خفف عن أمتى . فحط عنى خمساً . فنزلت حتى انتهيتَ إلى موسى . فقالَ موسى ما فعلت ؟ فقلت : حطَّ عنى خمساً . قال : إن أمتك لا تطيق ذلك , فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك . قال : فلم أزل أرجع بين ربى و موسى , و يحط عنى خمساً خمساً . و قالَ سبحانه و تعالى : ” يا محمد هن خمس صلوات كل يوم و ليلة , بكل صلاة عشر , فتلك خمسون صلاة , و من هَمَّ بحسنةٍ فلم يعملها , كُتِبَتْ له حسنة , فإن عملها كُتِبَتْ له عشر . و من هَمَّ بسيئةٍ فلم يعملها , لم تُكتَب , فإن عملها كُتِبَتْ له سيئة واحدة ” . فنزلت حتى انتهيت إلى موسى , فأخبرته فقال : ارجع إلى ربك , فاسأله التخفيف لأمتِك , فإنها لا تُطيق ذلك . قالَ صلى اللهُ عليه و سلم : ” لقد رجعت إلى ربى حتى استحييتَ منه ” رواه مسلم .
عن أنس أن رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم قال : ” ليلة أُسْرِىَ بى مررتُ بناسٍ تقرض شفاهم بمقاريضٍ من نار , كلما قرضت عادت , فقلت من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء خطباء أمتك , يقولون ما لا يفعلون ” .
و عن ابن عباس عن أبى كعب عن رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم قال : ” ليلة أُسْرِىَ بى وجدت ريحاً طيبة , فقلت يا جبريل ما هذا ؟ قال هذه ماشطة ابنة فرعون و زوجها و بنتها , بينما هى تُمَشِّطُ ابنة فرعون , إذ سقطَ المشط من يدِها , فقالت تعس فرعون , فأخبرت ابنة فرعون أباها تقول الماشطة , فقتلها ” .
عن ابن مسعود رضى اللهُ عنها قال : قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم : لقيت إبارهيم عليه السلام , ليلة أُسْرِىَ بى , فقال : يا محمد اقرئ أمتك منى السلام , و أخبرهم أن الجنة طيبة , عذبة الماء , و أن غراسها سبحان الله و الحمدُ لله و لا إله إلا الله واللهُ أكبر و لا حولَ و لا قوة إلا باللهِ العلىِّ العظيم ” .
هل رأى رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم ربه ؟
أخرجَ أحمد بسندٍ صحيحٍ عن ابنِ عباسِ رضى اللهُ عنهما قال : قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم : ” رأيتُ ربى عز و جل ” .
أخرجَ الطبرانى بسندٍ صحيحٍ عن ابن عباس رضى اللهُ عنهما أنه كان يقول : أن محمداً صلى اللهُ عليه و سلم رأى ربه مرتين : مرة ببصرِهِ و مرة بفؤادِه ” .
أخرجَ البيهقى فى ” كتاب الرؤيا ” بلفظ : ” أتعجبونَ أن تكونَ الخِلَّة لإبراهيم , و الكلام لموسى , و الرؤيا لمحمدٍ صلى اللهُ عليه و سلم ” .
فى هذه الرحلة المباركة , و فى لقاءِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم بالأنبياءِ أثنوا على ربِّهِم :
فقالَ إبراهيمُ عليه السلام : الحمدُ للهِ الذى اتخذنى خليلاً , وجعلنى أمة يؤتم بى , و أنقذنى من النار , و جعلها علىَّ برداً و سلاماً .
قالَ موسى عليه السلام : الحمدُ للهِ الذى كلَّمَنى تكليماً , و جعلَ هلاك فرعون و نجاة بنى إسرائيل على يدى , و جعلَ من أمتى قوماً يهدونَ بالحقِّ و به يعدلون .
قالَ داودُ عليه السلام : الحمدُ للهِ الذى علَّمنى الزبور , و ألانَ لى الحديد , و سخرَّ لى الجبال يُسبِّحنَ و الطير , و أعطانى الحكمة و فصل الخطاب .
قالَ سليمانُ عليه السلام : الحمدُ للهِ الذى سخَّرَ لى الرياح , و سخَّرَ لى الشياطين يعملون ما شئت من محاريبٍ و تماثيل و جفانٍ كالجواب , و قدورٍ راسيات , و علَّمَنى منطق الطير , و أتانى مُلكاً عظيماً لا ينبغى لأحدٍ من بعدى .
قالَ عيسى عليه السلام : الحمدُ للهِ الذى جعلنى كلمته , و جعلَ مَثَلى كمثَلِ آدم , و خلقه من ترابٍ ثم قالَ له كن فيكون , و علَّمَنى الكتاب و الحكمة و التوراة و الإنجيل , و جعلنى أخلقُ من الطينِ كهيئةِ الطير فأنفُخُ فيه فيكونُ طيراً بإذنِ الله , و جعلنى أُبرئُ الأكمهَ و الأبرصَ و أُحى الموتى بإذنِ الله , و أعاذنى و أمى من الشيطانِ الرجيم .
و قالَ محمدٌ صلى اللهُ عليه و سلم : الحمدُ للهِ الذى أرسلنى رحمةً للعالمين , بشيراً و نذيراً و و جعلَ أمتى أمةً وسطاً , و شرحَ لى صدرى , و وضعَ عنى وِزرى , و رفعَ لى ذكرى جعلنى خاتماً .
مَرَّ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم فى رحلتِهِ على قومٍ يزرعون و يحصدون . فقالَ لجبريلُ عليه السلام : ” ما هذا ؟ قال : هؤلاء المجاهدون فى سبيلِ الله , تضاعفُ لهم الحسنة إلى سبعمائةِ ضِعف .
هل كانت معجزة الإسراء و المعراج يقظة بالروحِ و الجسدِ معاً ؟
كانت معجزةُ الإسراءِ و المعراجِ يقظة بالروحِ و الجسدِ معاً . فإن الثابتَ أن معجزةَ الإسراءِ و المعراجِ تمت فى مكة قبل الهجرة . و أما ما أُسيرَ حول كونِ الإسراءِ و المعراجِ رؤية منامية فذلكإدِّعاءٌ باطل إذ لو كانت المسألة مسألة رؤيا ليه سألت قريش سيدنا محمد صلى اللهُ عليه و سلم عن صفاتِ بيتِ المقدس و أبوابه و سواريه بقصدِ التحدِّى .
لماذا لم تكن المعجزة على مرأى من الناس ؟
شاءَ اللهُ الحكيمُ أن تحدثَ المعجزة ليلاً , و على غيرِ مرأى من الناس , و كان من اليسيرِ أن تحدثَ أمامهم , و لكن حكمته اقتضت أن تكونَ على غيرِ مرأى من الناسِ لعدةِ أسبابٍ منها :
أنها لو حدثت أمامهم لرموها بالسحر كإنشقاقِ القمر .
أن معجزةَ الإسراءِ و المعراجِ كانت لتكريمِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم .
الغاية من هذه الرحلة :
1 – { لنريه من آياتِنا إنه هو السميعُ البصير } الإسراء / 1 .
2 – شرف المسجدين , المسجد الحرام و المسجد الأقصى .
الدروس المستفادة :
1 – قدسية بيت المقدس و مكانته عند المولَى عز و جل .
2 – أهمية الصلاة , الفريضة التى فرضها المولَى عز و جل على عبادِهِ من فوقِ سبعِ سماوات .
قصيدة فى ذكرى الإسراء و المعراج للشاعرِ محمد خضر عرابى
سبحان مَن أسرَى بخيرِ ضِياءٍ           أسرى بنورِ مُحمَّدِ الوَضَّاءِ
أسرى به فى ليلةٍ قُدسيةٍ                عِطريةُ الأنسامِ و الأضواءِ
أسرَى به ليلاً ليشهدَ موكباً              من أعظمِ الآياتِ و الأنباءِ
ركبَ البراقُ بإذنِهِ من مسجدٍ           من مسجد الأقصى إلى الجوزاءِ
و هناك صلَّى بالنبيينَ                  صلَّى إماماً سيدُ الشفعاءِ
عرجت به الأقدار فى كنفِ الدُجَى   للسدرةِ العظمى و للعلياءِ
فرأى لأصنافِ العذابِ عجائباً      صوراً لكلِّ جريمةٍ نكراءِ
يتساءلون و كيف أُسْرِىَ يا تُرى ؟ بل كذبوه رموه بالخُيلاءِ
بل كيف يعرجُ ثم يرجعُ كيف ذا ؟  هذا يفوقُ مقالةُ الشعراءِ
يستنكرونَ من الرسولِ حديثِهِ   يستهزءونَ كعادةِ السفهاءِ
أو ينكرون على الإلهِ صنيعِهِ ؟   حاشا له من نظرةٍ عمياءِ
إن الذى خلقَ الوجودِ لقادرٍ     أن يذهبَ الدنيا بغيرِ عناءِ
فالكون فى كَفَّيهِ رهن إشارةٍ   هل يستحيلُ عليه فى الإسراءِ ؟
ربَّاه قد ظهرَ الفسادُ فى عصرِنا  و بدا يخيمُ فوق كلِّ رِداءِ
ربَّاه إنى قد دعوتُكَ منقذى      ربَّاه إنى قد شكَوتُ بلائى
هى دمعةٌ ذرفتْ و على أَشْتُفِى  من لوعتى و مرارتى و عنائى
هل نتركَ الصهيونَ يفعلُ ما يشا ؟ و نَتيه فى الكلماتِ و الآراءِ
هل نتركَ الصهيونَ يعبثُ فى الثَرَى ؟ و يعبثُ فى الدنيا بلا استحياءِ
هل نتركَ القدسَ السليبَ فريسةً      للظالمين و نرعوى لوراءِ ؟
أبكى على وطنٍ تثاقلَ همُّه           و غذا يضمدُ جرخُهُ برجاءِ
أبكى على قدسٍ سليبٍ ضائعٍ       لعبتْ به الأعداءُ فى استهزاءِ
آه على جرحى و آه للذى        يجرى على المرأَى بغيرِ حياءِ
هل تنفعُ الشكوى أنينٌ معذَّبٌ   هل يشتفى جرخٌ بغيرِ دواءِ ؟
إن التَأوُّه لن يفيدْ قضيةً        بل لن يفيدْ تَرَحُّمِى و بكائى
إن لم نَفِقْ من كَبوةٍ من نَومِنا  إن لم نَعُدْ من فِرقةِ الأهواءِ
فلسوفَ يبقَى كلَّ شئٍ ضائعاً   و لسوفَ تبقَى حالة البؤساءِ
و لسوفَ يبقَى حالُنا مُتَمَزِّقاً   فى قبضةِ الأنواءِ و الأعداءِ