التصنيف : فضاءات عربية (:::)
بقلم : حمزه شباب – الاردن (:::)
في ذكرى وفاته الرابعة ، و رغم قلة سيره و ومضات حواره ، ينطلق في هذا الفضاء الرحب محدثاً أسلوباً فتياً في نقد الواقع ، و رفض المعاني المموجة التي تهيم صاحبها فيتوهم أنه يقول شعراً ، يصف دونما استطراد ، و يقف لقيم الفساد بالمرصاد ، يواسي تارة ، و يثور تارة أخرى ، نراه في بوتقة التشاؤم لا يتمنى السلام ، و نجده في قمم التفاؤل يحلم بجنين كطاقات ورد ، توضع في سلات تين ، يغطيها العسل و الشهد ، ريحها حب و دين ، يرى إبريق الزيت من ماء الحياة الذي يغذي أطفاله فيستكين الجد في عبادته ، ذاك هو أيوب في ملفه الأحمر ، و أمين الطفل اليتيم الذي رضع زهور الياسمين في مخيم جنين ، أو الشاعر الفلسطيني عبد الوهاب زاهدة .
لم ألتق به لو لمرة واحدة ، و لم يجالسني بعض أبنائه الذين هم من صلبه ، و لا تلاميذه الذين تخرجوا من بين أسطره الشعرية ، فحملوا مبادئه الإنسانية ، و سنوا الموازين الشعرية بناء على معتقدات شيخهم ، و لم يكلمني أحدهم من وراء حجاب ليحدثني عن ذوق هذا الشاعر كيف كان ينكب على أوراقه فينتقي ألفاظه ، وكيف كان يمسك سلاحه فيغذيه بمداد ثائر يرسم به موسيقاه الشعرية بصورة نابضة بقضيته العادلة ، و كيف راح يعزفها على جراح الأمل ينشد أناشيد القدس حين تلبس طرحتها ، فيعم السعد و يفرحنا فرحتها ، و الحقيقة أن كثيرنا لا يعلم عنه القليل ، و لكن سأحاول التعبير عن شخصية زاهدة من خلال نفسه الشعري ، و السبل التي شقت له طريقاً في الكتابة بناء على نقد ثقافي يهتم باستكشاف الأنساق الثقافية المضمرة و دراستها في سياقها الثقافي و السياسي و الاجتماعي و التاريخي ، وذلك للكشف عن هذا القلم الثائر المهمش في مقابل الأقلام الساقطة المهيمنة على كثرتها .
إن من أبرز ما ينتمي إليه شعره هو بعده السياسي ، فالأدب السياسي أدب لا يقيده الزمان ، أو يحدده المكان ، لأنه يتحدث عن معاناة الإنسان و يموت بموت المشكلة كما يراه عبدالله الطنطاوي في تعريفه للأدب السياسي ، فهو إذن لسان حال الإنسانية المسحوقة فوق كل أرض و تحت كل سماء في أنسانية وئدت منذ عشرات السنين ، فإن كان أحمد مطر هو متنبي هذا اللون فزاهدة هو نابغهم الذي يقرأ الوجدان ، و لكنه للأسف الغائب الوحيد و ليس الموت الذي خاطب وداعة تلك الطفلة ، و أسرعهم رحيلاً إلى عالم النسيان ، لأنه لم يعط نصيباً من التبجيل الذي ناله غيره ، و لم يكرم بأحدى جوائز الفنون و الآداب العربية الراقية .
تبرز لدى زاهدة بعض الشخصيات في شعره التي جسدت واقعه المرير ، و هذه الشخصيات تختلف في دورها الاجتماعي و الثقافي و السياسي ، لكنها سرعان ما تجتمع في بوتقة واحدة لتعبر عن قضية واحدة هي ذاك الألم الإنساني المشع بهالات الدماء ، و المفعم بعبير الأحزان ، و منها : ولدتُ على رصيفِ الموتْ / وكانتْ دايَـتي دمعة / على الأشواكِ سرتُ حَبَوتْ / بدربي لم أجدْ شمعة / وأوّلُ ما نطقتُ رَجَوتْ / أسمي في الورى أيوبْ / أنا أيوبْ ، فهو وريث أبيه في الصبر و شريكه في الألم ، تستقبله الدموع ، يمشي في مقدمة حياته ككل الأطفال حبواً ، لكنه يحبو على الشوك ، في طريقه آلاف الأشواك مذ كان رضيعاً لا يجد من يعطيه أدنى حقوقه في الإنسانية المقيتة ، فهو لم يكن حراً في تسميته حتى حمل اسم أبيه ليمضي في زمن التيه .
و أيوب هذا ليس بأحسن حالاً من أمين الذي يروي قصته و كأنه يمليها على صحفي في قنوات السبق ، فيقول : أنَا مِن جِنِين / اسْمِي أمِين / في البَارحَة / عبَرت وحُوشٌ كالِحة / ذاتَ الشّمَال مَعَ اليَمين قتلتْ أبِي في لحْظة / سَحقتْ زُهورَ اليَاسمين ، و تطوف بنا هذه الكلمات لنتحاور معها في محورين رئيسين ، الأول : قتل الأب ، و هو قتل في لحظة عابرة ، و مشهد يتسلسل يومياً ، و السبب تلك الكتل الدموية التي هاجت على والد أمين ، فالقسمة خاسرة ، وحوش لها ميمنة و ميسرة تقاتل رجلاً واحداً هو والد أمين ، إضافة إلى قتله على مرأى و مسمع منه الأمر الذي قد يسبب لأمين العقد النفسية التي يعجز العطار عن إصلاحها ، و هذا الأمر له بعده التاريخي و الاجتماعي لكثير من الأطفال الذين شاهدوا جرائم الحرب تفتك بذويهم ، و الثاني هو سحق زهور الياسمين التي تمثل حمامة السلام البيضاء التي ترفرف في سماء كثيفة الغيوم ، لكن هذه التراجيديا التي رسمها زاهدة لم تكتمل لأن هناك بوادر ولادة طفل مستنسخ عن والد أمين ، فبعد الجزر يأتي المد ، تماماً كما جاء رمضان و الصوم بينهم معسكِر لا يبرح أمعاءهم ، و بابا نويل الذي لم يجد أحداً أو لن يلقى في الناس مسرة حتى يوزع هداياه ، هذه بعض النماذج الإنسانية في شعر زاهدة ، يغلب عليها الحزن و القهر و اليتم في صدى وطن مكبل بالجراح ، فينطلق من قضيته العادلة في فلسطين ببعدها الديني الإسلامي و المسيحي ، لينسج أغاني الجراح لكل مسحوق مخذول في الإنسانية جمعاء .
و يبرز عنصر المكان في شعر عبدالوهاب ليبوح ببعض أسرار التاريخ التي تضرب بجذورها في وطننا العربي ، فالمكان هو ملهم الشعراء لطالما باحوا به صراحة ، و وقفوا و استوقفوا فيه ، و الآن و قد أصبحت تلك الأماكن عنواناً للفداء ، ليقول :
فـي كـفِّـهـا بَـغـدادُ سَـيـفٌ صَـارمٌ *** مُـتحـرّق شـوْقـاً لـسَـاحَـات الـفِـداءِ
يا ابْنَ الفـُراتِ لديْك بابـِلُ وحدَها *** أعـْجُـوبـةُ الـدّنـيـَا و إبـداعُ الـذّكــاءِ
و ينطلق من المكان الذي يحب – و هو وطنه – جامعاً بين الديانات السماوية إلى السماء و هي وطن كل حر يأبى العيش بين الحفر : عِنْدي هُنا الأقـْصَى و باحَاتُ المسَاجد / عندِي الكنائِس إنّ من حَقي أزايِد / فهُنا أقامَ الأنْبيَاء و هنَا تلامسْنا السّماء ، فـنرى شاعرنا قد أعرب عن فخره بنفسه ببعده التاريخي و الديني ، يضفي هالات القداسة على العاصمة المقدسة فهي أقرب مسافة بين الأرض و السماء .
و أخيراً يعلو صوت ( الأنا ) في شعره و قد تعزز بالظهور في نتاج شعر طفح به الكيل ليرفض الكويت رفضه للوطن البديل ، قائلا : حتّى مُقابِلَ بئْر زيْت أنَا لنْ أعُودَ إلى الكويْت / فلدَيَّ قوتٌ و سِلالُ تُوت / و كَرامَة أبداً تَظلُّ و لنْ تَمُوتْ / أنا مِن بلادٍ عطْرُها في كلِّ بيْتْ أنا بلدتِي هِي ( بير زَيت ) ، و نراه متحرراً من سلطة الجد حاملاً لنبوءة الشعراء ، فيقرأ طالع الأيام بشغف ، و يتنبأ بواقع الإنسان و مستقبله ، و ينصح و يحذر ، فهو يواسي الأوطان بأن الجرح في الكف ، فلم يجد الوطن غير عبد الوهاب كي يواسيه و يلهم ذائقته الشعرية ، فيعقد مؤتمراً صحفياً ليعلن عن قدوم السلام الذي يبحث عنه أهله و خاصته فيبشرهم بأنه سيأتي حتماً ، لكنه سيأتي في المنام و إذا رأينا الشمس في غسق الظلام ، ثم يتنبأ بما سيأتي به العام الجديد ، و هي تنبؤات معسولة بالتشاؤم ، لأنه كما الشعوب المقهورة لا تنال إلا المشمش .
هكذا يظهر شاعرنا عبدالوهاب زاهدة فم مكبوت في زمن القهر ، و قلب أشرب الذل على واقع مر ، وعقل احتار به الفكر ، يصف فيوجز ، يقترب من ألفاظ العامة فيعبر عن خواطرهم ، لسان حال المقهورين ، و سفير الحزن إلى جراح الإنسانية ، غاب و لكن قلمه بقي حاضراً لا يرمش أبداً





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

