زفاف على حافة الموت

 
التصنيف : القصة (:::)
بكر السباتين *(:::)
كان يذهله انه في نظر الآخرين عجوز خرف ومتصابي .. لذلك كانت تضحكه بلاهة ابن جيله الحاج عبد القادر، والذي اعتاد على نعته بالمستهتر الذي لا يحترم عمره..!
وكان يرى بأن الحاج عبد القادر يداري وهنه، إذ لا يصلح إلا مسكناً لأمراض الشيخوخة :-
” الحاج عبد القادر ..!!؟
فهل يقوى على العشق مثلي !؟ بل ستنهار مداميكه لو جرب ذلك !”
كاد يضحكه ذلك، لولا ارتعاش جسمه النحيل لنوبة ألم أصابته ..
فاستجمع إزاء ها كل ملامح وجهه المترهل بين عينيه الغائرتين في تقطيبة مخيفة .. ورغم ذلك .. تسللت إلى وجهه الشاحب بقية لضحكة مكبوتة ..
وذات يوم.. صادف العجوز معشوقته أمام بيتها .. فدبت فيه روح جديدة .. حتى كاد نظره الضعيف يصورها له كبقرة سمينة ، فيجاهد كي يستجلي طلعتها.. ثم يقترب منها أكثر، حتى تأكد منها ، لقد كانت معشوقته .. وازداد يقينه من ذلك، وهي توصد الباب في وجهه ببطء ودلال ، فتطلق ضحكة مجلجلة، فيما جعلت تسجل ذاكرته جذوة تلك اللحظة الملتهبة ..
” فها هي تخترق رأسه المتعب بجسدها المثير، فترمقه بطرفي عينيها الكحيلتين، وينجذب إليها، فتغلق الباب دونه، وكان رنين ضحكتها قاسياُ، فيشده ذلك إلى وهم الانتصار”.
أمسى رأسه المتعب نهباً لهواجس الحب والشباب، يتكيف بما لديه، ويسير متكئاً على بقاياه ..
كانت أفكاره مترنحة بين النشوة  والرعونة، وقلبه المريض الواهن يدق أبواب النهاية،و(الروماتزم ) يتسلل إلى عظام أنهكها وهو واقف إمام الباب منتظراً معشوقته .
هذه الأفكار الرعدية فجرتها تلك المعشوقة الصيادة في رأس العجوز، فيصاب بالصداع، ثم يشعر باقتحامها لذاكرته، فتتعملق بانسجام مع أحلامه، فيما أخذت ترقص بنشوة فوق إطلال ذاكرته المترهلة، فأحس بالانتعاش..!
ربما ثارت الذاكرة لنفسها معبرةً عمن فيها حينما استباحتها تلك المعشوقة ..وكأنها شيء ماثل بين يديه .. فيتصورها وهي تغلق الباب ، أو ترقص أمامه شبه عارية، فتماحك أحبابه الذين تداعت صورهم إلى ذاكرته المرهقة .. فيما هو ممسك رأسه بكلتي يديه .. وقد انتابه إحساس الضال الذي روعه هذا القتل لذاكرته؛ فينهكه السؤال:-
” امن اجلها .. تهشم وجوهاً أحبتك ، وماتت لأجلك “!؟
كانت حقاً وجوه مهشمة راحت تمطها ضحكات المعشوقة المجلجلة، مثل (الروماتزم)،كان صراع وجود في ذاكرة راحت تتوارى عنها الشمس ،إذ غطت المعشوقة كل الوجوه .. وسادت على الذاكرة .. فأخذت تمزقها موقدة نار اللحظات الملتهبة .. بالصور المتطايرة في رأسه الساخن ..
وتستمر معشوقته العانس بالتهام كل شيء ، حتى ترهل بطنها الممتليء، فاندلق وتدلى .. وتباطأت حركتها .. ثم أخذت تتلاشى صورتها في ذهن العجوز .. وساد بعد ذلك الظلام ..
حاول العجوز دفع كوب الماء .. لكنه فشل .. وخذله قلبه الذي تسارع في الخفقان .. ثم عاد إلى فراشه واهناً لا يقوى سوى على الزحف البطيء..
لم يشعر باليد التي غطته .. ولا بالراحة التي قاست حرارة جبينه المتفصد بالعرق الساخن ..
تحجرت الدموع في مقلتيه .. فأسبل الجفنين .. وسبح في الظلام .. ثم ارتاح على هشيم الذاكرة .. بعد ما غاب عنه المحيط المتلاشي .. كان الحاج عبد القادر إلى جواره .. متمتماً في سره .
“رحمة الله عليك .. لقد ارتحت من هم الدنيا”..
ثم غطى وجه الميت بالملاءة .. ساتراً عيب الموت في وجهٍ نحيل وجسد متجمد في صقيع النهاية.

_______________
*فلسطيني من(الأردن)
رابط المؤلف:
http://www.bakeralsabatean.com/cms/component/option,com_frontpage/Itemid,1/