مصر بحاجة الى رئيس لم يفقد الذاكرة

 

التصنيف : اراء حرة (:::)
تميم منصور – فلسطين المحتلة (:::)
يصر العديد من كبار القادة والزعماء العرب حتى اليوم على تصديق وتأكيد ما قاله احد ثعالب السياسة الماكرين في امريكا “هنري كيسنجر”  الذي ردد اكثر من مرة بأن  العرب كالجمال لا يملكون ذاكرة  حية ، بل ذاكرتهم اشبه بالغربال يسقط منها كل شيء  ، أي انهم ينسون او يتناسون بسرعة ، وهذا بدوره يقلل من هيبتهم بين الشعوب في العالم .
وقد استغل المغرضون من مافيا الاعلام هذه المقولة وصدقها الكثيرون ، حتى تحولت الى ظاهرة معروفة ومتفق عليها خاصة داخل القيادات المصرية عسكريين ومدنيين .

اعتمد بعض الذين رددوا او صدقوا هذه المقولة على احداث تدل على النزعة الانفرادية لعدد من القادة المصريين ، وتدل اكثر على ضيق الذاكرة وحالات الجهل والغباء وعدم التواصل مع احداث التاريخ ، ذكر الباحث والمؤرخ واحد كبار الصحافيين العرب ” ناصر الدين النشاشيبي” في كتابه ( حبر اسود اسود )  بانه اثناء الاجتماعات التي عقدت للتوقيع على برتوكول اقامة جامعة الدول العربية عام 1945 وجه الزعيم المصري مصطفى النحاس سؤالا للزعيم اللبناني رياض الصلح : ليه يا رياض بيه لا يجري بين العرب واليهود في فلسطين ما يجري بين المسلمين والاقباط في مصر ، وفتح رياض الصلح فاه دهشة بعد سماعه هذا السؤال الذي يدل على فقدان الذاكرة والغباء وسأله : ماذا يجري بين المسلمين والاقباط في مصر يا رفعة الباشا ، اجاب النحاس :  سمن على عسل ، صلح وسلام ، تفاهم وتعاون ، بعد النحاس تجسد هذا الجهل والنكران والغباء في روح السادات  الذي فرط بكرامة مصر وثورتها وبحقوق الشعب الفلسطيني بعد ان زجه الامريكان داخل دهاليز العظمة واقنعوه بأن موقعه الحقيقي ما وراء الطبيعة فتحول الى شاهد زور على شرعية وجود اكبر كيان عدواني عرفه العصر الحديث ، كما فعل جيمس بلفور قبله .
بعد السادات تجسدت روح النسيان وعدم قراءة التاريخ في اكبر صنيعة بشرية قدمت كافة الخدمات لأمريكا واسرائيل وهو حسني مبارك وحاشيته من بسيوني الى عمر سليمان واحمد نظيف وابو الغيط وعيرهم ، واكمل هؤلاء مشروع السادات بتجريد مصر من دورها العروبي ومحاصرتها بالفقر والجهل والعشوائيات والتفريط بأمنها القومي حتى تطاولت الدول المجاورة عليها منها دولة اثيوبيا التي قامت ببناء  سد النهضة الذي سيسلب المياه من نهر النيل .

اربعة عقود كانت مصر خلالها تائهة في صحاري الفساد والتخبط والاذدناب وراء اذناب امريكا ، بعد هذا الضياع الطويل جاءت الصحوة من قبل اجيال جديدة وقالت كلمتها يوم 25يناير سنة 2011 ، آمن الكثيرون عقب ثورة 25 يناير بأن الشعب المصري قد عاد الى نفسه وبان اتحادات الشباب واتحادات القوى العاملة سوف تأخذ دورها في توجيه البوصلة السياسية في مصر ، لكن الشباب الثوري الذي قدم الآف الضحايا لم تتسنى له قيادة عجلة الثورة لأن ارادة هؤلاء صودرت من جديد ، ابعدوا عن قيادة الجماهير الكادحة لإسباب كثيرة لا مجال لذكرها الآن ، فعاد الفراغ القيادي والسياسي الى الشارع المصري .

استغل الاخوان المسلمون هذا الفراغ ونجحوا بالتسلل والوصول الى سدة السلطة ، وصلوا الى هذه السلطة باسم ديمقراطية الجوع والبطالة ، مما حدا بالكثيرين للتفريط بإرادتهم وخيارهم بإثمان بخسة عرضتها قيادات الاخوان .

كانت الخطوة الاولى التي اقدمت عليها قيادة الاخوان بعد وصولها الى سدة الحكم عقد تحالف مع امريكا لضمان استمرارهم بالحكم، بعد هذا التحالف تحولت السفيرة الامريكية في القاهرة الى مندوب سامي جديد لم تشهد مصر مثيلا له الا في زمن الاحتلال البريطاني لأرض الكنانة ، لكن قبل امعان الاخوان بتنفيذ سياسة الارض المحروقة ضد كافة المؤسسات المدنية في مصر ، من اعلام ومبدعين وفنانين وكادحين ومفكرين عادت القوى الثورة الثورية من جديد فحطمت القيود التي فرضها الرئيس المخلوع وجماعته ، واجبروه على الوقوف فوق ميزان العدالة كي تقول كلمتها بالأعمال التي قام بها مع جماعته   .

اليوم تقف مصر امام مفترق طرق ، تساهم في تحديده الانتخابات لرئاسة الجمهورية التي ستتم في نهاية الشهر الحالي ، المرشحان الوحيدان لكسب سبق الرئاسة لا يملكان الاموال لشراء ذمم الفقراء والمحرومين من ابناء الشعب المصري ، عدتهم الحقيقة ورأس مال كل واحد منهم تاريخه النضالي واجندته السياسية والاجتماعية ومواقفه وحاضره وحضوره الشعبي ، لكن دعم السعودية وحليفاتها من مشيخات الخليج لأحد هؤلاء المرشحين وهو المشير عبد الفتاح السيسي يثير تساؤلات كثيرة ، ويساهم في تعكير اجواء الانتخابات ويبعدها عن محاورها وطهارتها ، كما ان هذا الدعم يلوث سمعة السيسي ويؤثر على استقلالية قراراته في المستقبل في حالة فوزه،  مع ان احدا لا يستطيع تجاهل دوره في تحرير المصريين من كابوس الاخوان ، اما المرشح الثاني حمدين صباحي فهو يتحدث ويتوجه الى المواطنين بخطاب شعبي يعبر عن تفهمه لكافة القضايا السياسية والاجتماعية التي تنبض بها افئدة المواطنين .

حتى الآن المشير السيسي  لم يتحدث كثيراً ، مع انه سقط في ” مطبات ” سوف تزيد من وعورة طريقه في العمل السياسي ، أكثر هذه المطبات اغاظة والتي تدل على عدم نباهته وضيق افق ذاكرته  ، اجابته غير المتوقعة على سؤال حول السلام مع اسرائيل ذكرتنا اجابته بإمراء التطبيع في عصر مبارك والذين كانوا بمثابة سفراء لتل ابيب في القاهرة ، امثال احمد نظيف وعمر سليمان واحمد ابو الغيط وغيرهم ، كانت اجابة السيسي لطمة في وجوه مؤيديه من التيار الناصري مثل محمد حسنين هيكل وابناء واحفاد الرئيس الخالد جمال عبد الناصر قال السيسي : السلام بين مصر واسرائيل متين وثابت لأنه مترسخ في قلوب جميع ابناء الشعب المصري ، هذه الاجابة تدل على فقدان الذاكرة واتباع خطاب السادات ومبارك بالتخلص من القضية الفلسطينية وقبول موقع مصر الحالي بكونها الوسيط وليس الشريك في حل الصراع .
حقيقة ان السلام لم يدخل في قلوب المصريين حتى يترسخ داخلها لان الشعب المصري يرفض هذا السلام – ليسأل الشارع المصري –  بسبب استمرار تنكر الحكومات الاسرائيلية لحقوق الشعب الفلسطيني ، كيف يمكن لهذا السلام ان يترسخ في ظل الاعتداءات اليومية على الاماكن المقدسة الاسلامية والمسيحية ، كيف يمكن لهذا السلام ان يصبح واقعا في ظل استماتة الحكومة الاسرائيلية واصرارها على اعتبار اسرائيل دولة الشعب اليهودي ، وهذا يعني تجريد حوالي مليون وربع فلسطيني من هويتهم الفلسطينية ، هل يعرف السيسي ذلك .على السيسي ان يضع خارطة طريق جديدة للسلام مع اسرائيل كي تكون عامل ضاغط على حكوماتها الفاشية لتغيير مواقفها ورفضها للسلام العادل ان الذي ينسى ماضيه يفقد حاضره ومستقبله .

كنا نتوقع من السيسي العسكري ان يطالب بفتح ملفات حرب  56 وحرب 67 وغيرها من حروب الاستنزاف التي راح ضحيتها الآف المصريين في صحراء سيناء ومدن القناة ومدرسة بحر البقر ومصنع ابو زعبل وغيرها ، أن يطالب بمحاكمة قادة وعساكر الاسرائيليين الذين ارتكبوا المذابح والمجازر بحق الشعب المصري مثل كتيبة ” شكيد ” الذي كان يقودها بنيامين بن اليعزر – فؤاد – الذي كان يحتضنه مبارك واطلق عليه رجل السلام . ان مصر مرهقة ومشبعة ومثخنة الجراح اذا لم تجد من يعيدها الى ذاتها والى سيادة وقيادة نفسها ،فانها سوف تبقى في مصاف الدول النامية سنين طويلة ، هذا وغيره يجعلها بحاجة الى زعيم وقائد تتناسخ به روح عبد الناصر الثورية