منظمة ، سلطة ، دولة

 
التصنيف : سياسة واخبار (:::)
ابراهيم ابو عتيله – الاردن (:::)
استمعت أول أمس لخطاب الرئيس محمود عباس أمام المجلس المركزي وعاهدت نفسي بأن أصبر وأتحمل حتى النهاية .. فالسمع المباشر افضل ألف مرة مما قد تتناقله وكالات الأنباء.. ها هو الرئيس محمود عباس ” ابو مازن ” يلقي كلمته أمام المجلس المركزي ، استمعت لكلام بسيط بلفظه عميق مستتر بمحتواه ، وكأنه يخفي بين طياته أشياء وأشياء ، لم أصل لنتيجة محددة بل تهت فيما قيل وفيما قال ، لامفاوضات بغير القدس ، لم يتم التنازل عن حق العودة ، لا أحد يملك الحق بالتوقيع عن الشعب الفلسطيني ، أي اتفاق يتم التوصل إليه سيخضع للاستفتاء من قبل الشعب الفلسطيني من هم في الأرض المحتلة ومن هم في الشتات ، المنظمة هي التي تقوم بعملية التفاوض وليس الحكومة ، الحكومة تأتمر بأمري ، قبول الأمم المتحدة فلسطين كعضو مراقب يعني الاعتراف بفلسطين بحدودها كما كانت 1967 وعاصمتها القدس ….

أمعنت التفكير ودرت في متاهة لها أول وليس لها آخر ، تساؤلات كثيرة برزت في ذهني بل وكادت تفجر عقلي ، هل فعلاً لم يقم الرئيس بالتنازل عن حق العودة وهو من قال ( في قضية اللاجئين الدعاية والبروباغندا تقول ان ابو مازن يريد ان يعيد إلى إسرائيل 5 مليون لاجئ ليدمر اسرائيل هذا لم يحدث ، اطلاقاً ، إطلاقاً  ، ” إننا لن نغرق إسرائيل باللاجئين الفلسطينيين لتغيير الهوية الديموغرافية لإسرائيل” وان هذا كلام هراء )  ، وأن من حقه أن يعود إلى صفد ولكن كسائح فقط ، “فهل السياحة عودة “.. فاوضتم في أوسلو باسم منظمة التحرير الفلسطيني واعترفتم باسرائيل وحقها في الوجود بحدود 1967 ، فهل تم استفتاء للشعب الفلسطيني حينذاك أم أن الهدف كان وانحصر بإقامة سلطة تكون بديل عن الاحتلال بتوفير الخدمات وتوفر بذلك على سلطات الاحتلال التكاليف الباهظة علاوة على كونها حافظة أمن وسلام وتنسق بشؤون الأمن مع سلطات الاحتلال ، ولو تم الاستفتاء مستقبلاً فما هي شروط وآلية إجراء هذا الاستفتاء، وهل يمكن استفتاء من بقي من الشعب الفلسطيني على ارض فلسطين بعد عام 1948 ، قال ابو مازن بأن لامفاوضات بغير القدس فلربما سيستمر طرح قضية القدس في المفاوضات ولكن ماهي شروط السلطة في ذلك وما هو الحد الذي تقبل به أليس الأصل أن تكون قضية القدس كعاصمة للدولة الفلسطينية قضية غير قابلة للتفاوض، وقال الرئيس أن المنظمة هي المعنية بالمفاوضات .. فهل هناك منظمة أم بقايا واشلاء منظمة تم توظيف ما بقي منها لتكون ذراعاً للسلطة وحكومة السلطة في استغلال الشرعية التي حصلت عليها المنظمة كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني وفيماعدا عن ذلك فلا وجود حقيقي لتلك المنظمة ، حكومة .. تابعة لمحمود عباس وتحت أمره وتأتمر بأمره .. كلام معروف ومسلم به بأمر الواقع بعد رحيل عرفات ، في الوقت التي جندت فيه أمريكا وأوروبا نفوذهما للنيل من سلطة عرفات ومنح جزء أساسي من تلك السلطة لرئيس الحكومة ، فهل الحكومة التي شكلها أبومازن حينذاك تختلف عن الحكومات التي شكلت في عهد رئاسته …

دولة ما زالت حلماً ومنظمة تعاني من مؤسسات عفا عليها الزمن ، ترهلت وأضحت وسيلة بيد سلطة لا أدري إن كانت صلاحيتها منزوعة أم محدودة في دولة موجودة على الورق فقط ، مجلس وطني معطل وربما لا يعرف بعض ممن يفترض أن يكون عضواً فيه إن كان المجلس قائماً أم لا ..
ثلاثة أجسام نسمع بها كثيراً ولكن الظاهر منها للعيان هي السلطة الوطنية الفلسطينية وحكومتها فقط ، ألا تقتضي المؤسسية تحديد حدود لكل منها وأن يكون لتلك المؤسسات هيكلية واضحة ومهام وصلاحيات معروفة ، أليس من المسلم به أن يكون لكل جسم منها رئاسة منفصلة عن الأخرى منعاً لتغليب إحداها على الأخرى في الوقت الذي لم يعد واضحاً فيه الفرق بين الحكومة وقيادة المنظمة ورئاسة الدولة مع وجود رئاسة واحدة للأجسام الثلاثة “رئيس ثلاثي”  أليس في ذلك تجسيد حقيقي للدكتاتورية .. خاصة مع غياب و/أو تغييب المؤسسات الأخرى فلا مجلس وطني ولا مجلس تشريعي ، وبإختصار لا رقابة ولا محاسبة ، خلل واضح يستدعي المعالجة ، لا أدري ان كان ذلك في حساب من وقع اتفاق المصالحة العتيدة بين فتح وحماس ويسعى لتشكيل حكومة لتسيير الأعمال لحين إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية ، أم أن الاتفاق ما هو إلا تقسيم للمصالح ودرء للشر، فعباس يريد تقوية نفسه أمام العدو الاسرائيلي وحماس حوصرت حتى كادت أن تختنق كما هو حال قطاع غزة الذي طالب وشدد الرئيس عباس على إغلاق الأنفاق ووعد بالعمل على فك الحصار بدون أن يبين لنا كيف فحصار اسرائيل للقطاع أمر واقع رغم انه يتنافى مع كافة الشرائع التي تنص على حقوق الانسان ولكن حصار مصر للقطاع غير مبرر فالشعب الفلسطيني في غزة ليس له ذنب في توتر العلاقة بين النظام الحاكم في مصر  وبين حماس وحركة الإخوان المسلمين ، مما يستدعي من الرئاسة أو القيادة أو الزعامة الفلسطينية التحرك فوراً مع مصر لفك الحصار وربما كان ذلك يستدعي اجتماعاً على مستوى وزراء الخارجية العرب لوضع الآلية المناسبة لفتح معبر رفح بصورة دائمة وبموافقة مصر على ذلك .

تتأزم الأوضاع العربية ويتأزم معها وقبلها وبعدها الوضع الفلسطيني فالصورة قاتمة بعد مفاوضات ماراثونية عبثية استمرت عشرين عاماً وبعد ان خيرت اسرائيل القيادة الفلسطينية بين الاستسلام لها أو انجاز الاتفاق مع حماس وكأن العلاقة بين الأخوة تقارن بالعلاقة مع العدو .. فالصهاينة يهدفون إلى تمزيق الشعب الفلسطيني وتمرير مشاريعهم بأسهل الطرق ، وأمريكا تقول بأن على أي حكومة فلسطينية يتم تشكيلها الاعتراف بإسرائيل وحماس تعلق على خطاب عباس بقولها أنه خطاب ايجابي نافيةً في ذات الوقت استعدادها للإعتراف باسرائيل .. فيما السلطة تحاول استرضاء وخطب ود الجانب الاسرائيلي فبعد أن ساوى وزير الأوقاف في سلطة رام الله بين الدم الفلسطيني والدم الاسرائيلي يخرج علينا ودون مبرر الرئيس عباس بالقول إن ما حدث لليهود في ‘الهولوكوست’، هو أبشع جريمة عرفتها البشرية في العصر الحديث، معربا عن تعاطفه مع عائلات الضحايا والعديد من الأبرياء الآخرين الذين سقطوا على أيدي النازيين، ومع تشكيكي وتشكيك الكثيرين بعدد ضحايا الهولوكوست وكيف تم استغلالها اعلامياً لتعويض اليهود وإقامة دولة لهم على ارض شعب أعزل مسالم بجريمة لم يعرف التاريخ لها مثيلاً ، فأين تقع الجريمة التي وقعت بحق الشعب الفلسطيني في قاموس قيادته .. أليست تلك الجريمة بأبشع من “الهولوكوست” .. سؤال اضعه أمام قيادة المنظمة والسلطة والدولة ولو أني عدت لا أميز بين هذه وتلك فما يجري على الساحة الفلسطينية بسلطتها ومنظمتها وحكومتها ودولتها أشبه بالقول أنه  ” سمك ، لبن ، تمر هندي “.

ابراهيم ابوعتيله
عمان – الأردن