نيويورك .. بين السماء و الأرض

 
التصنيف : فن وثقافة (:::)

هديل قطناني (كاتبة فلسطينية تقيم بأمريكا )(:::)

وكأي زائرة لمدينة سمعت عنها طيلة حياتها وتخيلتها، بما تضمه من قصص عن الأثرياء أو المشاهير والمافيا والعنف، كان عندي فضول كبير بأن أمضي يوماً سياحياً فيها، تدخل مدينة نيويورك، وكأنك تدخل بقدمك اليمنى إلى عتبة المستقبل ومدينة الأضواء والسيارات، جرحها ينزف زيتا أسوداً ثرياً حتى في ألمه.
إذن هي ساعة الدوار التي أصبت بها عندما توقف القطار في (المحطة) الأولي، ثم الثانية، عندما حاولت أن أعانق بنظري تلك الناطحات التي حجبت الشمس بشقاوة طولها وضخامة أعمدتها ومنها مبنيا التجارة العالميين في منهاتن .
كنت أتلصص عبر نافذة سيارة الأجرة على المارة، الكل في عجلة من أمره، يركض ركضاً سريعاً، كأنه في سباق مع الزمن، والشوارع تعج بكل أشكال البشر من مختلف الألوان واللغات. في لحظة تقف فلا تدري إن تمضي من كثرة العابرين والمارين في هذة المدينة التي لا تنام، لا تغفو لتستيقظ، عيونها مفتوحة حتى وهي تعبة، وإن تعبت تضع رأسها على وسادة ضيعتها مع سباق الزمن لتحولك الى آلة بشرية !
إذن عليك ان تزيد من سرعة محركاتك لتجاري حركة السكان الآليين، علّك تتعلم كيف تتعايش معهم ولو ليوم سياحي واحد .
ولربما أردت الهرب من النظر الى السكان، فأرضخ لتلك الناطحات العملاقة التي أحاطت بي من كل مكان، وجعلتني كنملة أقف بين أرجل القدر، كم شعرت بهشاشة الأرض تحت قدماي أو بهشاشة قدماي في دوامة التقدم، التي -في لحظة- غيرت رأيي السلبي عن هذة المدينة عندما التقيت بالفن وكنوز المتاحف والمسارح،  ما بين (برودوي) وما بين تمثال الحرية أصبح الوهم حقيقة .

ولكن إلى أين ستأخذك كل هذة الهرولة؟
عندما لا تجد سيارة أجرة تقلك، وتستقل القطار الأرضي النيويوركي هرباً من من ايقاع السيارات وتزاحمها وعصبية سائقيها، وزعيق صفارات رجل المرور، وكأنك في مدينة يتسلى بها الشيطان بوسوسته، و كأني  أصبحت نملة بين السماء والأرض، وكأن جسدي ابتلع رأسي، فكيف أمسى وأصبح بهذة اللعنة المقررة ؟
كانت العودة الى مدينتي التي أقطنها (نيوجيرسي) هو الهرب بعينه على أمل أن أعيد هذة التجربة الجنونية بين تلك الآلات البشرية