التصنيف : دراسات (:::)
د. الطيب بيتي العلوي – باريس (:::)
” الثقافة ليست صدمة كهربية ننتشي بها مثل الحشاشين ، بل هي معول هدم للتفاهة والنرجسة والزيف الإيديولوجي” فيديل كاسترو
زئبقية مصطلحي “الثقافة “و” المثقف”:
لا بد من التذكير بأن كلمتي “ثقافة”و”مثقف”المتداولتين ، هما من المعاني العديدة المتزئبقة ذات الدلالات المتغيرة ،اللتان تطرحان الكثيرمن التساؤلات،وتثيران أشكالا كثيرة من سوء الفهم ،الى الحد الذي يدفع ببعض اللغويين الأكاديميين-في الغرب-الى محاولة إقصائهما من اللغة”العلمية”،لعدم وضوحهما- إصطلاحا-،و لكونهما يسمحان بتفريغ رغبات وطموحات وشحنات نفسية، هي من العمق، بقدرما هما غير دقيقتان،
كما أن مصطلحي”المثقف والثقافة “– كترجمتين غيردقيقتين للمفردتين :الفرنسية والانجليزية-” Culture وIntellectuelيزيد من التشويش الذهني لهاتين المفردتين في ” الثقافة” العربية ، حيث يعتبر الكثيرون بأن “الثقافة” أو L’intellect هي ملكة “منتجة” Productive، بينما هي في الواقع تلك القدرة الحساسة على التلقي Récéptive ، وملكة الإيصال إلى ألآخرين ،وبالتالي فليس كل متعلم بمثقف وليس كل ” كادرمتعلم” بفاعل ،وإضافة كلمة “مثقف” السحرية ” للمتعلم او “الكادر” لن تحوله الى “سوبرمان مفكر”، وعبقري فاعل مغواردونكيشوطي،يتازل الأشباح ويدور مع الطواحين والنواعير،
ولذا ،فإن التعريف الذي إقترحته أعلاه على رأس المبحث –هو الأقرب إلى حالتنا العربية- تعارف عليه بعض الإختصاصيين الأنثروبولوجيين مثل”جون زيغلر” جون روبير”و ج.ب. دوبوى (1) لكي يكون منطلقنا الى توضيح زيف عزوف المثقف العربي عن الممارسة السياسية او محاولة إبعاد الثقافة عن السياسة أو العكس(فالسياسة أما ان تمارسها في حياتك المعيشية اليومية او يستغفلك تجار السياسة وسماسرتها فيمارسونها عليك)
والتعريف الأنثروبولوجي الذي إقترحته –في بداية هذا المبحث : هو أن “الثقافة ذلك البرنامج المتكامل الذي يمكن النظر إليه على نسق متسق من الرموز(اللغة ،الفن، الأساطير، الدين ،الطقوس،أسلوب العيش وأسلوب التفكير، وممارسة التقاليد) تلك الرموز التي تسمح للبشر بعقد صلات ذات مغزى فيما بينهم ومع محيطهم الخاص ، ولمساعدتهم على العثور على معنى لبيئتهم ولحياتهم، من أجل توطيد الإحساس بالأمان الهش والمهدد دوما، امام مرور الزمان ،و المساعدة على مواجهة استفهامات الموت والصمود أمام مهاجمة الأغيار….،
.ومن هذه الزاوية أيضا ،فلا بد أن نعرف أولا عن أي مثقف ومجتمع وحضارة نتحدث،مما يرغمنا على مساءلة وزارات تعليمنا وثقافاتنا ومدراء جامعاتنا ومجامعينا العلمية، ومراكز أبحاثنا في مختلف علوم الأناسة بالعالم العربي،-للاجابة على هذا التساؤل – بدل أن تستمر الحكومات العربية الأركية و”الربيعية” في الإصرار على لجم الألسنة وتكميم الأفواه، ليوضحوا لنا ما أعدوا وما سيعدون لحماية شبابنا من عدة. لأن أي متعلم عربي –كيفما كان تخصصه- لايمكنه أن يسمي”مثقفا”-بالاصطلاح- اذا لم يكن مطلعا على المستجدات الجديدة محليا وإقليميا ودوليا- ومتابعة الوافد منها او المحملة من الخارج ،-والتي هي ليست من قبيل الصدف…،-من أجل الدفع بالفكر العربي الى مراقي الطرح والتنظير العالمي والإبداع الكوني، لكي نتخلص من تلك الكتابات المليئة بالدعاوى الإسترزاقية التبريرية لمداراة شراهة نرسيسية نخب المثقفين ،والحد من باطولوجية اولائك الكتبة والشاعرين ، الذين تحولوا إلى سماسرة وديوتيين ، عبر ضخ الآلاف من الإنتاج الثقافي الهابط ، والإبداع الممسوخ المقزز”وفي روع كل أحد منهم أنه تحول إلى”محفوظ” و”بالزاك “أو”زولا” و”مورافيا” العرب “، الذي يتخمنا به طارحو القص الشعر، والمذكرات الإستعراضية المرضية،والخواطرالخنوعة ، من معتلي النفوس الخائري الشخصية ،الذين تهاربوا من مواجهة صروف الحياة وضغوط المجتمع،ومناكفة أعداء الأمة من بني صهيون والصليبيين الجدد ورعاة البقر
بمعنى ..، أن يلتزم المثقف العربي بضرورة إستيعابه لكل معاني أنساق ثقافته (العربية- الّإسلامية) والمحلية، ورموزها الضاربة جذورها في أرضية كل قطر عربي على حدة ، المتسقة مع محيط المثقف المحلي والإقليمي مع إحترام خصوصية كل بلد عربي، إلا فيما يدخل في إطار التبادل الثقافي والإقتصادي ، والتعارف البشري والروحي ،ورفض “ثقافة الخنا” التي أشاعها مشايخ الرفث الخليجيين مع فجر السبعينات -من القاهرة الى طنجة-إستباحوا فيها أجساد صبية حرائر العرب وحولوا بناتنا الى مبولات ،
وإن إستيعاب كل مثقف قطر عربي لمقاصد إستيعاب معاني الأنساق الثقافية (العربية- الإسلامية) بعيدا عن الشوفينيات المقيتة، هي من الضرورويات والأوليات الحياتية لكل عربي مخلص لبلده وقيمه ، لكي لا يحدث شرخا وإنفصاما وعنصرية نثنة ، ما بين الموريطاني والمغربي والجزائري والتونسي والعراقي والشامي والمصري،-عبر العمل المنهجي والعقلاني، من أجل فرزالأصيل من الدخيل،-التي هي من خصائص مقومات أية ثقافة وحضارة ، لكي لا تطال”خصوصية “الثقافة الخليجية” (التي من حق الخليجيين التنظير لها والدفاع عنها وذاك شأنهم-) المتمثلة في ذلك”الخليط العجيب الغريب “لأطروحات الجاهلية الأولى والدعوة الى تبجيل “شعب الله المختارالتكفيري(التيمي-الوهابي) الذي أخذ ينتشر في سائر الأمصار العربية منذ السبعينات ،ووصل الى أوجه في الربيع العربي عبر تدمير ليبيا ومشروع تخريب سوريا وزرع الفتن والفوضى في مصرولبنان والعراق والجزائر والسودان واليمن والبحرين ،ويتم التلويح بها اليوم كورقة حمراء للجزائريين،( التي سنشاهد بوادرها مع الإنتخابات الجزائرية وما بعيدها) بل وامام كل من يخرج عن الطاعة “التيمية” الهادفة الى إستنعاج سكان المنطقة من أجل الزج بهم كخدم وحشم وعبيد في المشروع الإمبراطوري –المتجدد – الذي سيصل الى نهايته مباشرة بعد “تغيير” موزاييك المنطقة كلها – بعد تقسيم كل بلد عربي إلى ولايات، ولكل ولاية ثقافتها “الفوكلورية”، وتفتيت الجغرافية العربية الى”دويلات” لتنضوي تحت جناح الامم المتحدة وحماية ” المجتمع الدولي” لصالح المشروع (التوراتي الجديد المسمى ب”حكومة العالم الجديدة – وعاصمتها القدس الشريف – حيث تضاف الى هذه “الثقافة الخليجية العجيبة- تناقضات التطبيع التدريجي –في السلوكيات اليومية مع كل قذارت الأمركة بالّإستهلاك الفج للكادجيات والمقتنيات مثل الأطفال وذاك هو المطلوب من شعار ” “التغيير الربيعي”( والباقي كله تجديف وتهريف)–
ومما هو مبعث للتفجع والتقزز-فى آن -أن معظم تجليات الفكر العربى الحديث ، يترجم تخلفنا “الانسانى المعنوى”البغيض قبل التخلف الحضارى المادى الشنيع ،فلا عجب والحالة هذه أن يمطرنا القاصون الواقعيون المنحلون ، والشاعرون” المتحللون، بالقناطير المقنطرة من الكتابات الرخيصة،- وللغرابة يرمون كلهم عبرها النجومية والعالمية – لابداع سافل منحط ، وإيروتيكيات وردية ” غليظة” يمكن تصنيفها بلغة التحليل النفسي الإكلنيكي بأنها بمثابة حمام تركي و”صونا فيلاندية” وإستطباب نفسي لهؤلاء النوعية من الكتاب ) ،أبطالها ذووالعاهات الخلقية والخلقية من شواذ وسكارى وحشاشين وبغايا ومعاطيب، وذوى المسغبات ذكورا واناثا،ديكورها “العبثى”مدن الصفيح والزقاق النثنة، والأماكن الموبوؤة ، ،والأعراض المنتهكة والتنذر والفخار بالموبقات والمحرمات ،والدم المهراق ،والبطالة الكاسحة والنجاسة والفظاظة والبؤس والغلاظة والذمامة ، يحشذ لوصف هاته الموبقات الهمجية الصحف العربية الديماغوجية والملحقات الأدبية والثقافية والمواقع الرخيصة من المحيط الى الخليج ، ولم يطلع هؤلاء على الأدب الصهيوني المكتوب بالعبرية الذي تترجمه كل الدول الأوربية الكبرى / ويحظى في المعارض الدولية الغربية كل سنة بالإهتمام والتحليل ، ولا تجد في الأدب العبري المترجم أية إشارة لنشر الغسيل الصهيوني الداخلي ، بل يتناول هذا الأدب عشق المثقفين والمبدعين الصهاينة خوض الحروب تلو الحروب ضد الإعداء الفلسطينيين و العرب حفاظا على “الدولة الصهيونية” اللامة” لشتات اليهود الصهاينة المطرودين من رحمة الله في العالمين
.
.. أما عندنا فقد تحولت الكتابة فى موبقات المساكين والمستضعفين ،مادة الإرتزاق الإبداعى والسياسى والإشهارالأدباتى،المكتفية فقط بالوقوف عند القشور الخارجية وتصويرها”بدون التفكير فيها”– وحتى التصوير الحسي المرافق لهذه الكتابات -وإن كان دقيقا وأحيانا مبالغا فيه -فهو لمجرد اشباع نهم باتولوجي خفي – دون التغلغل في الجذور الإجتماعية والتركيبة النفسية التى جعلت من هِؤلاء عابثين وأفاقين ونصابين وسفلة ومستهترين ومومسات ومتسكعين ومهمشين.. وكون كل نموذج من هؤلاء هوإناء من الإثم وخطأ من أخطاء المجتمع ، .وتناسوا أن دور المثقف و المبدع في عالمنا العربي المتخلف ،هو اشراك قرائه وخلانه ومحبيه بالمساهمة في توضيح موقفه كإنسان من هذه القضايا من زاوية انفعاله بها وتفاعله معها..ولو أنها- منهجيا- من إختصاص المذاهب الاجتماعية وعلم الأخلاق
وبمعنى آخر فإن “المثقف العربي– أيا كان جيله وإنتماؤه -، مطالب بعقد صلات عميقة ذات مغزى فيما بينه وبين شباب بلده من ناحية أولى ، لكي يفهم هو نفسه أولا ، ثم أناسه وخلانه وعالمه وبيئة الشباب ولغة تواصلهم ورموزهم الجديدة وأحلامهم وتطلعاتهم
، ومن جهة ثانية للتمكين من العثورعلى معنى مشترك بين المثقف وبين هؤلاء الشباب، ومدى فهمهم لبيئتهم العربية ولمحيطهم التقليدي، قصد توطيد الإحساس لديهم بالأمان الهش الذي يعيشونه( بموجب ما سقناه أعلاه من تعريف للثقافة بالمنظور الإنثروبولوجي) تصديا للهجمات الشرسة والخبيثة المسترسلة –بعنف شديد- في سائر وسائل الاعلام “العولمي” عبر شبكات التواصل” الإجتماعية” المجانية التي من مهامها إقتناص الأضعف نفوسا والأوهى عزيمة والأضعف إدراكا و الأكثر إستعدادا “للقوادة السياسية والعهر الثقافي” – وما أكثرهم في الربيع العربي- ( والذئب لا يأكل من الغنم إلا القاصيةأو العاثرة -كما ورد في لأثر الشريف ) حيث يتم تسيير الجميع عن بعد من طرف المخابرات الغربية – المتعملقة والمتغولة،-الجلي منهاوالخفي- الموجهة لثقافات العولمة الداعية الى”وحدة وواحدية”الإنسانية المزعومة والمزيفة ( التي تحولت في زمن ” الأنا الأمريكية” إلى “ربوبية”عن طريق”المثاقفات”الداعية الى توحيد الشباب العولمي”بتدمير كل الثقافات والأعراف المحلية ، بغية إستنساخ نماذج من الشباب المنحرف الغربي السقيم ، وبهدف جعل الشريحة الأوسع من شبابنا (الفيسبوكي- التويتري )”مصفرا”( من الصفروالإصفرار) من كل عناصر المقاومة الوجودية،والمناعة الروحية،و الحصانة العصبية والروحية ،وحرمانه من التـأهل الثقافي، والكفاءة العلمية، لمغالبة تحديات “التغريب” و”التهميش” و”الاقصاء”لكون شبيبتنا اليوم هم ضحايا جيلنا -نحن جيل ما بعد النكبة والنكسة- وضحايا واقعنا الحضاري العربي المزيف ، وخوائنا الروحي والثقافي، الذي لا يدل على أننا لسنا صفرا فقط من حيث الابتداع العلمي والإعتراك الحضاري ، وعطاءات الخلق والابداع ،وانما كذلك اضحت أوساطنا العائلية والإجتماعية،مقفرة من الأخلاق والفضائل والمعايير الدينية السليمة، والمثل العليا(فهل من التحضر أن تجتمع أسرة بكاملها من الجد والجدة والآباء والامهات والأحفاد لمشاهدة “ستاراكاديمي” والمسلسلات السمجة العربية والتركية والمكسيكية والـأوروبية والأمريكية ؟ والردح على الموسيقى الهابطة وتشنيف الأسماع بالمغنى الساقط؟)و نحن الذين صدعنا البشرية خلال أحقاب وأحقاب بفضائلنا ووهجنا الحضاري المشرقي..والعربي والإسلامي؟..، فنكون بذلك قد ضيعنا الآخرة بعد الدنيا(أي الأخلاق والعلم)
.فماذا يملك شبابنا اليوم من إهتمامات، خارج هواجس الشبق والخنا والتدخين والحشيش والرقص العاهر،والمغنى البائرو”هموم الكرة”؟ لاشيء سوى المزيد من اللاهتمام واللامبالاة والإحباط والفراغ والتسيب، وهي سمات لا يمكنها الا أن تولد في النسق الاجتماعي العربي، المزيد من مظاهر الإنحراف الأخلاقي، والهبوط الاقتصادي، والنشاز الديموغرافي، والبوارالثقافي، والضمور الروحي، والإنحطاط الحضاري
وأن حدوث الربيع العربي بتلك الهبات الإنفعالية وذلك الإرتجال بدون خطاب سياسي واضح أومشروع محدد، أو قيادات كاريزمية وطنية ملتزمة ، ليدل على أننا لا نملك ثقافة محددة ، وليس لدينا مثقفون بالإصطلاح ، حيث ان الكوادرالمتعلمة التي تسمي نفسها– إستهبالا ب”المثقفة” لا تملك أصلا لنفسها حلولا، إما بسبب الخوف والتخارس –هروبا من القمع السياسي والملاحقات البوليسية – وهي أسباب متعارف عليها في عالمنا العربي،- أوبسبب إنشغال الفئات المتعلمة بذواتها ونرجسياتها، مكتفية بالقبوع في عليائها مثل آلهة الأولمب…..، وتلك مهزلتنا نحن العرب في سيرك الحضارة العالمية
للموضوع صلة…..
baiti@hotmail.fr





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

