المفاوضات قرار!

 
التصنيف : سياسة واخبار (:::)

د. ناجي شراب – فلنسطين المحتلة (:::)

المفاوضات في البداية والنهاية قرار سياسى ، فأن تقبل بالمفاوضات خيارا لتسوية صراع مركب ممتد مثل الصراع العربى الإسرائيليى يعنى أن المفاوضات هى الخيار الأفضل والأقصر لتحقيق الأهداف الوطنية، وفى الحالة الفلسطينية هذه الأهداف في حدها ألأدنى تتمثل في  قيام الدولة الفلسطينية المستقلة بحدود معروفة وصلاحيات سيادية لا تقبل التجزئة والإقتسام، وبالقدس عاصمة لها ، وإنهاء المفاوضات أيضا قرار بعد أن يصل المفاوض إلى قناعة أن المفاوضات كخيار لم تعد مجدية في تحقيق هذا الهدف. هذا القرار تحكمه عوامل كثيرة  ،،

وفى الحالة الفلسطينية العوامل التي تتحكم في القرارالفلسطينى كثيرة ومعقده ومتناقضه، وفى الكثير من ألأحيان غير متقابله، وتتفاوت هذه العوامل من العوامل الداخلية الفلسطينية التي أضعف الإنقسام السياسى من قدرة المفاوض الفلسطينى على المساومة والمناورة ، وعربيا التراجع واضح في اولوية القضية القضية الفلسطينية بإنشغال الدول العربية بقضاياهم الداخلية ، ومع ذلك يبقى الإلتزام القومى بالقضية ودعم السلطة قائما، ودوليا تزاحمت الملفات الدولية لدرجة أن القضية الفلسطينية لم تعد الملف الرئيس، والأكثر تأثيرا على القرار التفاوضى الفلسطينى الموقف الأمريكى وإنحيازه للموقف الإسرائيلى ، وحمايته من أى نقد، ولا ننسى هنا أيضا التاثير الإسرائيلى الذي يحاول إن يفرغ المفاوضات من مضامينها الفلسطينية ، ويخلق حالة من فقدان المصداقية بالسلطة وتصويرها وكأنها سلطة تابعة لها ، على اهمية هذه العوامل وأخذها في الإعتبار ،

فلا بد من تسجيل إن خصوصية الحالة الفلسطينية والقرار الفلسطينى تحول دون إستسلام المفاوض الفلسطينى للضغوطات التي تفرض عليه لما للقضية الفلسطينة من بعد وطنى وقومى ودينى ، وتخوفا من أن أى قيادة فلسطينية تنأى بنفسها عن حد الإتهام والتنازل عن الحقوق المشروعة الوطنية الفلسطينية ، يمكن للمفاوض أو لصانع القرار الفلسطينى أن يبدى قدرا من المرونة في العديد من القضايا، ولكنه لا يمكن أن يقدم تنازلا أو مرونة في موضوع الدولة الفلسطينية الذي اعتبره الموضوع أو القضية ألاساس في أى مفاوضات ،

وبدون قيام هذه الدولة الكاملة السيادة بحدودها المعروفة والمقبولة ، تسقط المعادلة التفاوضية . وقبل تحليل القرار الأخير بالذهاب إلى الخيار الدولى وتفعيل قرارات الشرعية الدولة لا بد من تسجيل بعض الملاحظات ، اول هذه الملاحظات أن قرار بد ء المفاوضات والذى أتخذ في سياق عربى في مؤتمر مدريد جاء في أعقاب تحولات عربية سلبية ، وفى أعقاب الغزو العراقى للكويت ، والموقف الفلسطينى منها والذى كلفها ثمنا سياسيا كبيرا ،واهم التداعيات السلبية التي ترتبت على ذلك أن إسرائيل أصبحت أكثر قبولا عربيا كدولة ،وهذا يعنى أن قرار المفاوضات تم في بيئة غير مواتية أفرزت العديد من ألإتفاقات غير المتوازنة ، والغير متكافئة ، ومنها إتفاق اوسلو ، وهو ما يفسر عدم إلتزام إسرائيل بها ، بل وظفتها غطاءا شرعيا لإستيطانها وتهويدها للأرض الفلسطينية ، وبدلا من أن يتم توظيف المفاوضات لتحقيق التسوية وظفت كآداة لتحقيق ما تريده إسرائيل،

ورغم سلبيات هذه المرحلة فلا يمكن أن ننكر إن المفاوض الفلسطينى إنتزع حقه في الوجود السياسى على ألأرض الذي لا يمكن تجاهله، وربط بين وجوده السياسى الكامل وبين أمن وبقا إسرئيل. والملاحظة الثالثة وتتعلق بمرحلة ألإستمرار في المفاوضات ، وهى مرحلة طويلة لم ينجح فيها المفاوض الفلسطينيى في تغيير معادلة التفاوض فبقيت المفاوضات تدو رفى حلقة مفرغة ، وهذا هو الخطأ الكبير الذي وقع فيه المفاوض الفلسطينى .إلى أن وصلت المفاوضات إلي مرحلتها الثالثة وهى مرحلة حتمية إتخاذ القرار السياسى الذي يضع حدا لهذا المفاوضات اللامتناهية دون هدف او مرجعية ، وكما اشرت الهدف من المفاوضات التسوية ، وإذا فشلت هذه التسوية لا بد من البحث عن الخيارات ألأخرى ألأكثر إحتمالا ، وتاثيرا ، وقابلية للتنفيذ والتي تعكس خصوصية الحالة الفلسطينية ،ولعل الخطا الجسيم الذي وقع فيه المفاوض الفلسطينيى الإعتماد المطلق على خيار التفاوض، فهذا الخيار يحتاج إلى دعم من الخيارات ألأخرى وخصوصا الخيارات الدولية والمقاومة الشعبية ، في هذا السياق قد ياتى القرار الأخير الذي أتخذه الرئيس بتوجيه رسالة قوية أنه حان الوقت لإعادة النظر في المفاوضات ليس كخيار يبقى خيار إستراتيجيا ولكن كخيار احادى ،

وتعطيل الخيارات ألأخرى . وهنا تاتى قراءة القرار الأخير، وبصرف النظر عن ردود الفعل المتباينة ، والتي يفسرها كل طرف كما يريد، وللمفارقة الفلسطينية الغائبة عن العقلانية حتى هذا القرار خضع لحسابات ألإنقسام الذي يهدف إلى إجهاضه فلسطينيا  وليس إسرئيليا.فأى قرار له أهدافا تكتيكية وإستراتيجية ، لكن أفضل ما في هذه القرار الرسالة التي يتضمنها وهى إن السلطة الفلسطينية والرئيس عباس ورغم كل الضغوطات التي تفرض عليها ورغم حالة الضعف قادرة على إتخاذ المبادرة والقدرة علي الفعل ، وهذا هو المطلوب في هذه المرحلة ، القدرة علي تحرير القرار الفلسطيني من المؤثرات الخارجية السلبية ، هذه هى النقطة التي ينبغى التركيز عليها التحرر من عقدة الخوف من إتخاذ القرار ،

هذا اولا ، وثانيا ضرورة الذهاب إلى رزمة متكاملة من الخيارات التي تتراوح بتفعيل المقاومة المدنية الشعبية ، وتفعيل دور المجتمع الدولى ومسؤوليته في نشؤ القضية الفلسطينية وإستمراراها ، والتركيز على البعد الإنسانى الغائب عن هذا الصراع، وتحويل مؤسسات السلطة كلها إلى مؤسسات كفاحية ، والعمل الجاد على التعامل مع ألإنقسام بكل الوسائل لوضع حد له، واإنتهاج إستراتيجية متكاملة بين الخيارات الفلسطينية ، والعمل على التوغل داخل إسرائيل وتوصيل رسالة قوية للمواطن الإسرئيلى ، ولكل القوى السياسية إن السبب في فشل المفاوضات هى الحكومة الإسرائيلية القائمة ، وتوضيح المرونة الكبيرة التي قدمها الفلسطينيون من اجل إنجاح المفاوضات لقيام دولة فلسطينة إلى جانب إسرائيل. إنهاء المفاوضات ليس بالقرار السهل إنها بداية لإدارة الصراع بطرق وخيارات جديدة تجاهلناه بسبب المفاوضات ، وألأن لا بد من رسالة سياسية واضحة أو رؤية إستراتيجية تكون محور العمل البلوماسى والسياسى والإعلامى إن من حق الشعب الفلسطينى في قيام دولته المستقلة ، وكما ساهمت وعملت الأمم المتحدة على قيام إسرائيل كدولة ،

فعليها تقع المسؤولية الكبرى في قيام الدولة الفلسطينية ، وإلزام إسرائيل بإنهاء إحتلالها للأراضى الفسطينية ، ومعاملتها كأى عضو لا يحترم ميثاق الأمم المتحدة بتطبيق بنوده عليها ، هذا هو الذي يقلق إسرئيل كثيرا ، ويزعزع مصداقية المقولات التي أقامت عليها دولتها ، هذا هو الخيار الجديد في المواجهة وليس الذهاب إلى الخيارات التي تفيدإسرائيل . إوأذكر أخيرا بمقولة لألبرت أينشتاين تنطبق على الحالة الفلسطينية:” لا أفهم كيف يعيد شخص نفس التصرف بنفس التفكير في نفس الظروف ثم يتوقع نتائج مختلفة” . نحتاج إلى تغيير نمط تفكيرنا في زمن التحولات العقلانية الكبرى.

دكتور ناجى صادق شراب

drnagish@gmail.com