كم أفتقد أقدام أمي ..!

 

التصنيف : فن وثقافة (:::)

عدنان الروسان – الاردن (:::)

نكتب في السياسة دائما و نشعر اننا نجتر كما يجتر البعير ، فالسياسة في العالم العربي مزيج من الرياء والإنتحار والنجاسة ولا بد من الوضوء بعد كتابة كل مقال مهما طهرت مقاصده او التيمم في بعض الجغرافيا العربية لأن الماء لا يسقط الحدثين الأكبر والأصغر فالحدثان أكثر طهارة من ماء السلطان الذي يصلي الجمعة في حشد يجمعه له ناديه و يخطب في منبر السلطان أحد الزبانية الذي يذكر السلطان أكثر مما يذكر الله و يصلي عليه أكثر مما يصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يصلي السلطان الجمعة  بعد أن يكون قد توضأ بدم الشعب و تعطر من أموال الأيتام و وصل المسجد على أكتاف الحراس الذين يحفون به حول العرش لا يعصون السلطان ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون .

اليوم و أنا ارى كل الدنيا تتحدث عن عيد الأم ، تذكرت أمي ، و أنا لا أعتقد بضرورة هذا العيد ، عيد الأم فكل الأيام أعياد لها  لمن كان يدرك قيمة أمه ، و لكنني تذكرت أمي التي غادرت هذه الدنيا قبل عامين على حين غرة ، مرضت مرضا سريعا الزمها الفراش أياما ،ثم غادرتنا بسرعة كأنها لا تريد ان تثقل علينا ،  كنت الازمها وأتحدث اليها و أرى في عينيها حرقة وألم لأنها تشعر انها تسبب لنا ازعاجا بمرضها بينما كنا نتبرك بخدمتها و نتمزق الما لألمها ، كنت أتمنى أن أكون انا المريض لا هي الا ان الحب لا يشفي من المرض والتمني لا يقلب الحقائق كما نريد نحن . كانت أيام مرضها أياما يمكن أن أكتب عنها الكثير لولا أنني لا أريد ان اقحم القراء في وجدانيات شخصية قد لا يكون من العدل أن اقحم فيها غيري غير انني اكتب اليوم عن الأم ، كل أم و أرى في أمي كل امهات الناس ، كانت تنظر الينا و كأنها تستعيد كل شريط حياتها الذي مر بها او مرت به ، و كنا لا نألوا جهدا إخواني وأنا و هذا من فضل الله في ارضائها والنزول عند رغباتها مهما كانت ، و ذلك فضل لا فضل لنا فيه ، فهو منحة من السماء و حينما رأيت أنها تعيش أخر ايامها كنت أتمنى لو أن بيدي شيئا ما لأفعله ، غير أنني حينها أدركت معنى العجز .. فجثوت على ركبتي و نظرت اليها و أنا اغالب دموعي بابتسامة و أنظر في عينيها ثم أقبلت على قدميها اقبلهما بكل حب من أعماق قلبي ، و رأيت في عينيها نظرة عتاب كأنها لا تريدني أن اضعف لهذا الحد ، غير انها لم تكن لحظة ضعف بل لحظة حب صادق مخلص من أعماق قلبي .

يا ألله ما أعظم و أروع أن ترى في عيني امك ذلك الرضا الذي يكاد يغمرك بل يلفك برداء سرمدي من الحب و اللوعة عن قرب و تشعر بها وكأنها و قد ضعف جسمها تريد أن تضمك برموش عينيها او تحملك بمئاقي عيونها ، كأنها لا تريد ان تغمض عينيها الا على صورتك ولا تريد أن تغادر هذه الدنيا حتى تطمئن على راحتك .

من حديث لرسول الله ” … خاب وخسر خاب وخسر خاب وخسر من ادرك ابوية احدهما اوكلاهما ولم يغفر له ” ، من كان له أب او ام و قد كبرا  في كنفه فإنه ليس هناك متعة أكبر ولا أعظم من أن يستمتع بهما ، يستمتع في ارضائهما ، و التذلل لهما و اشعارهما بكل الحب الذي يحتاجان اليه فقد أعطيا كل الحب الذي في الدنيا لأبنائهما و هم صغارا ، أ فنضن عليهم بشيء من الحب و التذلل في كبرهما . رحمة الله عليك يا أمي ، و رحم الله أبي الذي سبقها الى الرفيق الأعلى ، و أشعر بغصة كبيرة لفراقهما ، ولكن بسعادة كبيرة لا حدود لها أنني كنت من المحظوظين برضا الوالدين في حياتيهما .

كم أنا ممتن لأمي أن أعطتني تلك الفرصة كي اقبل قدميها ، كم أفتقد قدما أمي اليوم …

adnanrusan@yahoo.com