الانزلاق إلى القاع

 

التصنيف : اراء حرة (:::)

بقلم : محمود حسونه (:::)

وطن مجروح نازف ، لا هو محتل ولا هو مستقل ، بلا حاضر أو مستقبل ، بلا حدود ولا معابر ولا ثقوب ، وبلا ميناء ولا مطار ، بحره مفتوح لسفن الغرباء الحربية ، ومغلق أمام سفن الأصدقاء التجارية ، سماؤه مستباحة وأرضه مصادرة.

في بداية الحلم  كنّا نطمع بمطالب وأحلام كثيرة : وطن بقانون يحكم الكبير قبل الصغير ، يتساوى أمامه الجميع ( وأيم الله لو فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ) وشفافية ونزاهة عالية تحفظ الحقوق ، وتصون المال العام ، وحياة تليق بالبشر فيها الكرامة و الأمن والعدل ، وطن عزيز وكريم بإدارة حكيمة واعية ، وتنمية ومستقبل و بداهة الحياة ، وإذا بالأيام والسنين تمضي ، ولم يتحقق ولو اليسير من بديهيات الحياة البشرية للشعوب ، و من الآمال والوعود ، لتجد نفسك مهانا ومهملا ، و مجرّد من الفرح والأمل ، ومغمور باليأس والبؤس !!!

شعب أمضى أكثر من ستين عاما يسعى للعثور على وطن  ، بنى آمالا على تجارب الماضي ، وأوهاما على بطولات الحاضر ، ولكي تعرف سوء ما نحن فيه وفداحته تأمّل الخصم ، وفي الأصل كان ينبغي أن نتأمل أنفسنا جيّدا ومليّا ، نتفقّد حالنا ، نقف في مواجهة أنفسنا بأخلاق الفارس الشجاع .

بالأمس كان  الانزلاق في الانقسام  بين الفصائل ( ربّ عدو لك ولدته أمك ) فصرنا شعبين بحكومتين ، وللوزارة وزيرين ، وللسفر جوازين ، سرنا في الاتجاه العكسي ، حيث لا سيادة للعقل ولا القانون ولا التجربة ولا أمل في شيء .

تحتار في الأمثولة التي أمامك ، أيهما تختار ؟؟!! أيهما الصواب ؟؟!! مدارس فكرية متعددة والكل ينظّر عليك ، بمناظير دينية أوطنية أو قومية متعددة !!! كل واحد يدّعي الصواب ، بمراجع وتفاسير مختلفة ، كل طرف مُصرّ على صياغة الحاضر على هواه ، وأنت تحولت لكائن باهت بلا قيمة ولا صوت يُسمع !!! كائن فاشل حتى في إدارة أمورك اليومية البسيطة ، كائن غريب في وطنك وغير مرغوب فيك في غيره ، كائن قلق خائف وخائب باهت بلا لون ، لا تجد سوى الإهمال و التجني والخداع !!!… تبحث عن العيش بين ركام النظريات المكدسة ، تطارد الفرح بين ازدحامات الأحزان و الخيبات ، إلى أن وصلت لقناعة أنه لا فائدة من الانتظار ، مللنا الانتظار والتهريج والتلفيق من الجميع ، اللعنة على الفقر والانقسام والخوف واليأس .

العناوين المرفوعة مُستهلكة ، والعناوين المستقبلية مخيفة ، أصبحنا قطعة شطرنج في ملاعب الكبار ، ننتظر حلولا إقليمية صعبة وطويلة ، لأننا رضينا بالتبع في ربيع الخوف والغور في الجهل ، ومثل هذا الطريق يؤدّي حتما إلى الضياع والهلاك ، لا حكمة ولا دبلوماسية ولا ورؤية ولا وفاق !!!

الكل باع واشترى ، وانقسم لضرورة المصلحة الوطنية ، الكل قبَض ثمناً من عمرك ومعاناتك ومستقبل أبنائك ، درّبونا على الطاعة ، أدخلونا عملية الترويض ، وجردونا من الكرامة في سبيل المصلحة الوطنية الغرّاء ، وقالوا :عليك أن تفهم بالذوق أو بالعصا أن المصلحة الوطنية فوق الجميع ، فوق المصالح الشخصية والفصائلية ، وإلا فأنت ضدها !! وبالتالي تستحق الشبح والإهانة لأنك ضد مصلحة الوطن !! وجاهل وتافه لأنك لا تفهم معاني المصالح الوطنية السامية !!! وافقنا على ذلك ، وساقونا خلْفهم كالقطيع ، يُعطونا كذباً ونعطيهم رياء ( ضحك على الذقون ).   أليست هذه البلاد المقدسة التي باركها الله ، مسرى محمد صلى الله عليه وسلم ومهد المسيح ؟؟!! ماذا يقال عنها اليوم ؟؟ أيليق بنا كشعب صابر ومرابط ومقهور أن تُسمى بلادنا بلاد الانقسام ؟؟!!

في الماضي استخدم السياسيون الحذّاق مصطلح البلقنة ، كنموذج للفتنة والاحتراب ، ثم تحولوا إلى مصطلح اللبننة ، وبعدها الصوملة ، واليوم يستخدموا مصطلح العرقنة ، صراع الطوائف والممالك والمسالك ، صراع ابتدأ في الأندلس ، صراع ملوك الطوائف ، وانتهى بضياعها لنتذكرها في مرثيات الفردوس المفقود ، واليوم في معلقات وبكائيات الشام والعراق والصومال وليبيا وفلسطين .

ولكن ما زلنا صامدين أمام الانهيار التام ، سنوات وسنوات من المماحكة ، دون جرأة ومسؤولية في قرار شجاع وتاريخي بإنهاء التشرذم ، ليطّلع علينا جديد حزين مخزي وموجع ، من التطاول على الوطن والمواطنين باجترار خلافات شخصية تنقلب لخلافات على حساب وسمعة الوطن والضعفاء . انقسامات جديدة ، ألا يكفي ما نحن فيه ؟؟!! إنّ فض الخلافات لا يكون بالشتم والإهانات والتجريح والاتهامات على الملأ ، فهذا فعل الصغار المراهقين !! لا يليق بنا أن نبقى منحدرين لهذه الدرجة المتدنية ، لأننا في النهاية سنقف في مواجهة أنفسنا لوحدنا والباقي متفرج وشامت ، صياغة التاريخ والمستقبل تحتاج للواعي الرزين السامي ، لا يكون السياسي فظّا أوعدائيا ، يجب أن يتهذّب أمام الوطن والشعب ، كأنكم  في بلد هباء وفراغ !! انتبهوا ، أنتم أمام شعب الشهداء والأسرى والجرحى والمشردين ،  وطننا ليس طارئا ، أو مُستجدا ، فهو عميق عريق فينا وبنا جميعا ، اعرضوا علينا نياتكم وبرامجكم ، ماذا تعرضون علينا أيها الكبار ؟؟!! من وماذا تمثلون ؟؟!! ، نحن المقهورين و المهمشين وأنتم من تُمثلون يا كبار ؟؟!!  تحركنا بكل الشعب ، وحليفنا كل الناس ، لا مع هذا ولا ضدّ ذاك ، علاقتنا مع الجميع وليس تبعا لأجندة لا ناقة لنا فيها ، ننأى بالوطن عن الفتن ، حربنا ضد الجهل والعوز ، وطن رأس ماله الأول الإنسان الكريم ، بلا بطانة ولا محسوبية ولا مراكز قوى بمنافع ومواقع ، المساومة على الكرامة تحوّلنا لعبيد في سوق الرقيق !! نريد أن نبقى في وطننا مهما تعثر ، وسياجه من الاندثار .

إنّ وحدة الدم والمصير والقضية هي القاعدة ، علينا أن ندرك أنّه لا عودة للحياة الطبيعية إلا بالشراكة  في صنع القرار ، وأن صوت الشعب يجب أن يعلو ويُسمع من الجميع ، لأن في النهاية المصير واحد للجميع  .

هناك فرح خجول يطل من بين أنياب الانقسام  ، في استدراك التمادي في التفتت الذي فاقمه السياسيون لنسترد الوطن من وادي الفرقة ، ونعيق الانقسام ، وننأى به عن الجراح وعن الأوبئة المحيطة به ،  ممكن أن نصبر ونحتمل في سبيل الألفة والوحدة ، وليس في غير ذلك ، فالوطن مقرنا لا ممرنا ، نسترده من العبث إلى الوحدة والحياة ، صحيح أنها أحلام صعبة ، لكنّها  تحتاج لوقفة ضد الخداع والمداهنة والخوف وقذارة السياسة ، ووضاعة المتآمرين ، ووصوليات المتسلقين ونفعيات المتربصين ، وقفة لا تُجيّر لفصيل ولا لسياسي ، ولا ضد أحد ، وقفة تُجيّر للوطن فقط ، لقد أرهقتنا وأضْنَتنا الفرقة والمؤامرات والتشرد منذ ستين عاماً . إذا كانت الوحدة صعبة فالرحمة على الأقل ، نتوسل أهل السياسة ، ألّا تقبضوا وتجهضوا أحلامنا ، لا تعمقوا جراحنا كفى ، التزموا بسمعة وكرامة الخلق والوطن ، وقبل ذلك نتضرع إلى الله  ، نريد حياة كريمة لائقة ، لا نطلب أكثر !!! فهي فرحتنا الكبرى ، ولا نجرؤ القول أكثر من ذلك ، ومن يريدون أكثر من ذلك  واهمون  !!.   بقلم : محمود حسونة ( أبو فيصل )