*أغرب مساجلة وأكثر من سؤال!! الدوران بالمقلوب بين (غندور) و(هباش)

 

التصنيف : سياسة واخبار (:::)

بقلم بكر السباتين  * (:::::)

هذا ما جرى بين الصحفي العربي (صبحي غندور) مدير مركز العلاقات العربية الأمريكية في واشنطن، ووزير الأوقاف في السلطة الوطنية الفلسطينية (محمود هباش) في مساجلة طريفة على الفضائية الملتزمة “الميادين” في برنامج (خلف الجدار) الذي تقدمه (لانا مدور)، حلقة الإثنين الموافق 17/3/2014. وكان موضوع الحلقة يتعلق بزيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى الولايات المتحدة الأمريكية وتداعياتها في المشهد السياسي الفلسطيني.   ولكن المثير في هذه الحلقة هي تلك السقطات الصادمة في ردود شخصية فلسطينية تتبوأ موقعاً قيادياً في السلطة الوطنية، على مداخلات الصحفي الملتزم صبحي غندور التي جاءت برمتها متوافقة مع الحقوق الفلسطينية وفق مبادئ تعلمناها مذ كنا صغاراً ودافعنا عنها ونحن كبار؛ لنجد مذهولين من يتنكر لها بسذاجة غير معهودة. كانت غلطة (غندور) بالنسبة للوزير (هباش) مردها التنويه إلى ضرورة امتلاك عباس لخيارات أخرى غير السلام، كاستعادة نهج المقاومة مثلاً كخيار ألغته معاهدة أوسلو قبل واحدٍ وعشرين عاماً ؛ فالزمن يستنزف مجاناً فيما القضية الفلسطينية تراوح مكانها. بمعنى أن معاهدة السلام الفلسطينية مع الكيان الصهيوني أدت إلى تنازلات مخيفة. ولعل أخطرها موافقة السلطة على إلغاء خيار المقاومة الإستراتيجي؛ الأمر الذي جعل الموقف الفلسطيني متقهقراً دون تقدم يذكر، بل توالت الفرص التي كانت سانحة إبان زمني الانتفاضتين الأولى والثانية بالضياع، فأغلقت على إثر ذلك سبل الوصول إلى الحقوق الفلسطينية المشروعة: كحق العودة ،وإزالة المستوطنات في الضفة الغربية، وملفي القدس واللاجئين. لكن المماطلة الإسرائيلية تحولت بالمفاوضات إلى أطر مغايرة تماماً لاستحقاقات أوسلو باتجاه مطالبة الطرف الفلسطيني بالاعتراف بيهودية الدولة والتنازل عن بند إزالة المستوطنات. وكأن الوصول إلى الحل النهائي بات مرهوناً بهذه الشروط الجديدة؛ مما يعني بأن الحل النهائي أمسى في علم الغيب.    وأضاف غندور أيضاً في مداخلته الذكية بأن منطقة السلطة الفلسطينية تحولت إلى سجن كبير بينما الأطر التي بدأت بها أوسلو قد تغيرت إلى أطر أخرى. وفي مكان آخر من السجال أصر غندور على أن حركة التحرير الفلسطينية فتح هي التي تبنت خيار المقاومة الذي عزز من الموقف الفلسطيني عبر التاريخ النضالي الطويل. وتجربة المقاومة في لبنان حينما تكللت بالانتصار مؤدية إلى طرد العدو الصهيوني من جنوب لبنان، هي نفسها التي حصنت الموقف الفلسطيني في غزة وأطالت من أمد صموده، وهو أيضاً ذات النهج المطلوب لاستعادة الحقوق الفلسطينية في وقت نضبت فيه كل الرهانات على الحل السلمي العقيم. لكن المخجل في رد (الهباش) هو ارتباكه في الرد بدايةً. ثم وكأنه اكتشف فجأة بأن الكرة الأرضية تدور عكس عقارب الساعة، حينما أجاب السؤالَ بسؤالٍ ساذج، مؤدياً الرد بحركة مسرحية من باب الدهشة والاستغراب: ” ماذا! إذن أنت تدعوني كفلسطيني إلى الكفاح المسلح!؟ عجبي! اذهب إذاً بنفسك وقاوم”. ويردف هباش بحنكة المحاور الهمام:” ليذهب العرب جميعاً لمحاربة إسرائيل إذا وافق القادة وحركوا شعوبهم لتحرير فلسطين! وسنكون كفلسطينيين من ورائهم”. فكرر العبارة عدة مرات بينما محاوره في الطرف الآخر، غندور يحاول جاهداً تصويب منطق العبارة منوهاً:” أستاذ هباش أنتم الفلسطينيون الأحق بأن تكونوا في المقدمة، فهي قضيتكم!”.

فرد (هباش) بتحذلق ودهاء:” نحن لا نسمح للعرب باستغلالنا لقتل شعبنا من أجل عيونهم ومصالحهم”. مردفاً” لقد أسقطت السلطة خيار المقاومة لأنه لم يعد يجدي نفعاً وصار يتعارض مع مصالح الشعب الفلسطيني!!”ما هذا الذكاء و(هباش) يريد من الفلسطينيين التمترس خلف العرب لمصلحته كقيادي فلسطيني بينما ينكر ذلك عليهم!! هذا هو العجب العجاب. فالسجال ازداد سخونة حينما ذكر (غندور) محاوره (هباش) معلقاً على الموقف بحرج شديد: “لكن فلسطين أرضكم، والمفاوضات المستمرة منذ واحدٍ وعشرين عاماً لم تجلب للفلسطينيين إلا التنازلات. فأين الحل النهائي!؟ أليس الأولى إستراتيجيا تبني خيار المقاومة من جديد لتحرير فلسطين، أسوة بالمقاومة في جنوب لبنان، أو كخيار ضاغط لصالح الموقف التفاوضي المستمر عبثاً، على أقل تقدير كما كان الوضع عليه سابقاً!!. فكانت رد هباش استكشافياً حينما ذكر غندور بأن السلطة تمارس مقاومة البقاء والصمود، والملفات الفلسطينية مستأمنة لدى الرئيس عباس الذي يُجمِعُ عليه جميعُ الفلسطينيين في الداخل والشتات، فعباس رفض يهودية الدولة وأجل الحديث عن المستوطنات إلى ما بعد التسعة أشهر حتى يتم إخراج دفعة أخرى من الأسرى وطالب بحل عادل لعودة اللاجئين إلى ديارهم. فتدارك (غندور) ما قاله (هباش) منوهاً إلى أن السلطة ما هي إلا نتاج مفاوضات لم تكتمل؛ بل أن الضفة الغربية برمتها تحولت بفعل أوسلو إلى سجن كبير، فيما قادتُها وعلى رأسهم الرئيس عباس لا يستطيعون التحركَ إلا وفق مشيئة الكيان الإسرائيلي. ومتسائلاً أردف غندور مستهجناً ردود هباش المتناقضة: كيف بالسلطة تسمح لنفسها العبثَ بملفٍ إستراتيجيٍّ خطير كالمستوطنات! أمن أجل ملف الأسرى الفلسطينيين في سجون الكيان الصهيوني! والمجزأ من أصله! وهم النخبة من المناضلين الذين تحملوا وزرَ القضية وأعبائها. ألم يحتم عليهم واجبهم النضالي مزيداً من الصبر والصمود كما علمونا!؟. وزد على ما قاله (غندور) تعقيباً على تنكر (هباش) لفسيفسائية المشهد الفلسطيني السياسي لصالح الجاذبية القيادية الباهتة نسبياً لعباس في الوسط الفلسطيني؛ مُقِراً- بما حباه الله من إلهام وحنكة!!- بأن كل الشعب الفلسطيني يؤيده، متناسياً بأن الفلسطينيين يمتلكون عدة خيارات تتعارض مع توجهات عباس السياسية، كخياري الكفاح المسلح وثنائية القومية وآخرها خيار السلام الذي ساهم في تعليب الحقوق الفلسطينية دون جدوى.

وكانت مديرة الحوار الصحفية ( لانا مدور) قد ذكرت الوزير ( هباش) بالانشقاق الفلسطيني في غزة والانشقاقات العمودية في صفوف فتح بين مسئول الأمن السابق محمد دحلان والرئيس عباس. لكن (هباش) خطف الحديث من لسانها مستهتراً في تعليقه من حَمَلَةِ مثل هذه الأفكار التي تروج لها إسرائيل!! عمَّأ يسمى (التصدعات في الصف الفلسطيني) وما شابه ذلك، مؤكداً على الإجماع الفلسطيني شبه المطلق خلف الرئيس عباس.    وأخيراً.. ليطمئن المحاور الرائع ( غندور) ومقدمة البرنامج ( لانا مدور) بالاَ إزاء ما دار في الحوار؛ متوافقاً معهما في أن فلسطين لا يحررها إلا فرسانها خلافاً لما تشدق به وزير الأوقاف في السلطة ( هباش).  وإذا ما طمعنا بدعم عربي فليكن لوجستياً أو بمجاميع قتالية تساهم في معركة يتصدرها الفلسطينيون أنفسهم وفق كل الخيارات. فقضيتنا قانونية وسياسية قبل أن تكون إنسانية لذلك لا يهم الشعب الفلسطيني بأن تقطع عنه الكهرباء، ويزج به في سجون لاحتلال، أو يلقى ربه شهيداً؛ لأنه بكل بساطة يأنف تسوّل الدعم على حساب الحقوق التاريخية المشروعة؛ فلا يجوز مقايضة الضغوطات المعيشية التي يتعرض لها جزء من الشعب الفلسطيني بالتنازلات المتوالية عن حقوق كل الشعب الفلسطيني. ولنتذكر بأنه لا يضيع حق وراءه مُطالِبٌ!! فالقضية الفلسطينية أمست في عهدة الأجيال القادمة.   *فلسطيني من(الأردن)

رابط المؤلف:

http://www.bakeralsabatean.com/cms/component/option,com_frontpage/Itemid,1/