بين عنترة منير النمر وعنترة نزار واقع زمني فرض التغيير بالنصيين

 

التصنيف : فن وثقافة (:::)

سلمى البردوني – اليمن (:::)

استوقفتني قصيدة “عنترة”، التي حاكى فيها الشاعر والإعلامي منير النمر قصيدة  الشاعر الراحل نزار قباني “يوميات شقة مفروشة”، التي قال فيها:

هـذي البـلادُ شـقَّـةٌ مَفـروشـةٌ ، يملُكُها شخصٌ يُسَمّى عَنترَهْ …

يسـكَرُ طوالَ الليل عنـدَ بابهـا ، و يجمَعُ الإيجـارَ من سُكّـانهـا ..

وَ يَطلُبُ الزواجَ من نسـوانهـا ، وَ يُطلقُ النـارَ على الأشجـار

و الأطفـال … و العيـون … و الأثـداء …والضفـائر المُعَطّـرَهْ …

هـذي البـلادُ كلُّهـا مَزرَعَـةٌ شخصيّـةٌ لعَنـترَهْ …

سـماؤهـا .. هَواؤهـا … نسـاؤها … حُقولُهـا المُخضَوضَرَهْ …

كلُّ البنايـات – هنـا – يَسـكُنُ فيها عَـنتَرَهْ …

كلُّ الشـبابيك علَيـها صـورَةٌ لعَـنتَرَهْ …

كلُّ الميـادين هُنـا ، تحمـلُ اسـمَ عَــنتَرَهْ …

عَــنتَرَةٌ يُقـيمُ فـي ثيـابنـا … فـي ربطـة الخـبز …

و فـي زجـاجـة الكُولا ، وَ فـي أحـلامنـا المُحتَضـرَهْ …

مـدينـةٌ مَهـجورَةٌ مُهَجّـرَهْ …

إلى بقية الأبيات في القصيدة ذائعة الصيت. بعد كل هذه العقود كان عنترة ولا يزال يهيمن على الحكم العربي، بيد أن المتغيرات السياسية التي أدركها شارعنا منير النمر في الوقت الحالي، ومنها بطبيعة الحال ما حصل من سلسلة أحداث أصطلح على تسميتها بـ”الربيع العربي” حيث تمت الاطاحة بعنتريات في بعض الدول العربية فتحت الباب مجددا أمام استكمال قصيدة “شقة عنترة المفروشة” التي تدل على امتلاك عنترة للشعب، شاعرنا هنا قام بلفتة مهمة تستكمل درب القصيدة، وهي أن عنترة العراق صدام حسين كان فعلا عنترة قصيدة نزار، بيد أنه وبعد تحرر الشعب العراقي من الخوف من عنترة إبان المتغيرات نستطيع أن ننتقل لحال عنترة اليوم، إذ أن الشاعر منير النمر أراد القول بأن عنترة الدكتاتوري أصبح من الماضي بعد تحرك الشعوب، وهو عكس قصيدة نزار، ففي مرحلتها كان دور الاستعباد للشعب بكل شيء بما في ذلك النفس. يقول شاعرنا في عنترة الحالي، ما هو نقيض الفكرة الموجودة في الستينيات حيث كان الجميع يعبد عنترة من دون الله:

يا عنترهْ.

يا عنترهْ.

مُتْ فوقنا أو تحتنا، فكلّ أسم شارعٍ لن تعبُرَه

وكلّ حارةٍ حاصرتها.. قتلتها.. شرّدتها

تبقى جحيمَ عنتره

فشعبنا يسأم وجهَ البقره

ويكره “الكولا”..، ويشتم الكره

ولم يعدْ يستطعم الماءَ، وموتاهُ صفوفاً عابره

إن المحاكاة الجميلة والموفقة في القصيدة أوقفتني، فنزار يفترض أن علاقة عنترة مع “زجاجة الكولا” التي يستهلكا الشعب يوميا كبيرة لحد أنهم يرونه يقيم فيها، فيدخل أمعاءهم، أما شاعرنا النمر فرأة أن الزمن تغير، وتلك قفزة نوعية في الوعي العربي، حيث شدد على أن الشعب يكره “الكولا” لناحية تعلقها بتاريخ عنترة الدكتاتوري، وهنا توظيف مثالي أخذ بعدين، الأول رفض كل ما يمت بصلة للدكتاتور، والثاني الاستفادة من تاريخية قصيدة قباني.    وتسير القصيدة في مفارقات متنوعة، حيث نلحظ أن شاعرنا النمر أخذ يلجأ للاقتباس المطول الذي قد لا أحبذه شخصيا، بيد أن الاقتباس كان لهدف تمهيدي، إذ يبدو أن الشاعر مؤيد لسابقه نزار، يقول:

عنترةٌ ما زال عند بابنا، وجارنا، وحارةٍ، وكل نسمةٍ مُعطَّره

يطاردُ النساءَ والأحلامَ والأعشابَ والنخيلَ والكره

ثم يقتبس:

“يسكر طول الليل عند بابها

ويجمع الإيجـار من سكـانها

و يطلب الزواج من نسـوانها

و يطلق النـار على الأشجـار …

و الأطفـال … و العيـون … و الأثـداء …والضفـائر المعطـره”

نجد شاعرنا النمر مقتبسا المقطع كاملا، بيد أنه يضيف العلامة الفارقة، بعد التوطئة، يقول:

وعنتره

وعنتره

وعنتره

يحلم بالكره وهنا استمرار للتأكيد على نفسية عنترة الذي تغير كل ما حوله من أمور وهو لا يزال يعتقد أنه المسيطر، وهنا صورة درامية تماما كما شهدناها في الرئيس الليبي المخلوع معمر القذافي..، يبدأ الواقع يتغير ليصدم عنترة، يقول شاعرنا:

لكن صبح جارتي أعدمَ شكلَ عنتره

قرّرْ أن يمحو نجومَ عنتره

يسأم من حضوره المسكونِ بالمؤامره

وعنتره

يحلمُ في مماته بمقبره

بتُربِنَا القابع تحت الشجرهْ

في موتهِ يحلم بالكره

وبالضفائر المعطَّرَه

وبالنساء والأطفال والإيجار والمدينة المهجرّه

ما زالَ في ترابه يحلم أنْ يَبِعَنا، كأيِّ سلعةٍ

بسوقه المُعَمَّرَه

بعد ذلك يعيدنا الشاعر إلى نفسية عنترة، ويتشبث مرة أخرى “بزجاجة الكولا” التي تعني لعنترة الكثير، يقول:

وعنتره

أغمض عينيه على زجاجة الكولا ولم ينمْ

لكنه فكّر ألف مرّةٍ بمجزه

ومات عنتره

ما أفجره

ويختم القصيدة بكلمة “ما أفجره”.

إن قصيدة عنترة الجديدة أعادتني لواقع الوطن العربي، وتغير مزاج الشعوب فيه، إذ أن من أبسط الأمور التي تحققت هي كسر حاجز الخوف في أقوى البلدان العربية من ناحية القمع.

شكرا لشاعرينا الكبيرين الراحل الكبير نزار قباني، الشاعر الكبير منير النمر.