جلد الخاروف

 

التصنيف : القصة (:::)

بقلم : بكر السباتين – الاردن (:::)

كانت الرياح العاتية تتناوح في الخارج …والغرفة قاربٌ تتحاذ فه الأمواجُ الهادرة فتجرفه السيول الى جليد الفقر ومنحدرات الألم … ومسعودٌ ذلك العليل يصرخ من شدة الجوع إلى السكينة ..

كان الهواء البارد يتسرب من شقوق النافذة الخشبية ، والمواجهة لصفع الرياح العاتية ، فيمتزح مع الأنفاس الحزينة والمنبعثة من أفواه لا تعرف سوى عادة التذمر والابتهال إلى الله أو التوجع والألم…في حين كانت الرطوبة تنخر عظامي .. فألجأ هاربا بأطراف جسدي إلى مكامن الدفء المتلاشي تحت الغطاء ، متقوقعاً مثل الحلزونة المتقلصة داخل الصدفة الدافئة ، والمتدحرجة إلى قيعان بحر متجمد…

يئن مسعود من جديد.. وتعود إليه نوبات السعال أشد وأقوى ، فيما تتشنج أطرافي المتخاذلة التي أهلكها اليأس ألماً إزاء ما نابه .. بينما يتحسّسُ البردُ القارصِ رؤوسَ أصابعي ، ثم يتسلل كالفقر المدقع إلى ظهري المكشوف… وهذا صوت أم مسعود تتبسمل.. وتقرأ المعوذات .. وتدعو الله بأن يستر ضعفنا..فيكاد قلبي النابض يسمعني أنينه .. في حين كان الأمل ينبلج من الأدعية التي راحت تتمتم بها أم مسعود ، فيشيع ذلك بعض الدفء في أوصالي…       أنحسر الغطاء عني بينما كنت أتقلب في الفراش ، فصار هنالك متسعاً  لرؤية جلد الخاروف المملح مفروشا في مكانه المعتاد .. وقد انحسرت عنه الأغطية المتسخة بالقيء المتراشق هنا وهناك.

كانت أم مسعود قد أخذت ابننا العليل إلى ركن الغرفة ، فاغرو رقت عيناها بالدموع وهي تبكي بصمت “عله يتقيأ الألم المعتمل في أحشائه الملتهبة ” فعجزت مهزوماً عن فعل شيء إزاء ما يجري.

وكان ثمة شيء يثير استفزازي كلما نظرت إلى جلد الخاروف المملح! ربما مرد ذلك إلى ما جرى قبل أيام ، حينما بكى مسعود مثل هذا البكاء!.. إذْ قذف بالخبز المجفف في وجه أمه ، ثم اندفع إلى الخاروف  يشده بعيدا. ولكن يد الجزار كانت أقوى من غضب الصغير ، إذ شدّتِ الخاروفَ المرتعد من الصوف الطويل الذي يغطي رقبته ، آخذة إياه إلى مصيرهِ المحتوم ، وكان يغطي الجزارُ بصوته الأجش مأمأة الخاروف المفزوع .. وأنين قلبي .. وصراخ مسعود .. وهديل أمه المبتهل إلى الله …

كنت يومها حزينا ، لأن ثمة حب جارف كان يجمع بين مسعود والخروف، لذلك عجزت عن إقناع مسعود بأن هذا الخروف سيذبح نذراً عنه ، وقد استدنت ثمنه لذلك .. ولكن الصغير هاله أن يذبح خليله ، لذلك استدار إليّ شاداً معطفي البالي بقوة ..ثم غمر وجهه في بطني الخاوي ، مطوقاً فخذيَّ بساعديه الطريين .. صارخاً بهلعٍ شديدٍ .. وباكياً بحرقةٍ وانكسار:-

”  إنه يذبح خاروفي .. لا يا أبي .. فالخاروف يريد أن يأكل الخبز”

تركني مسعودٌ مخذولاً .. وراح يتحاذفه الهلعُ إلى حيث كان الجزار يثبت الخروف على ظهره استعداداً لذبحه ، وهو يدوس بطنه بحذائه الثقيل ، ثانياً بيديه القويتين رأسه المتشنج ، استعداداً لذبحه!

أراد مسعودٌ أن يفعل شيئاً لإنقاذ أليفه، فضربَ الجزارَ بقبضتيْ يديه، ولكن! عبثاً! إذ لم يعره الجزار انتباهاً، لا بل نعته بقلة الأدب والتهور.. فأخذتُ الولدَ الشقيَّ بعيداً والغضبُ يتملكني، ثم واريته خلف قنّ الدجاج ، إذ كان منظر السكين الحاد وهو يحز رقبة الخاروف قاسياً ، فارتفع الدم في نافورةٍ عالية .. متراشقاً على دفعاتٍ هنا وهناك .. فتخضبت به ملابسنا .

لم يفلحْ مسعودٌ من تغيير العالم في لحظةِ الموت الذي جعل يخيم على رأس ذلك الذبيح وفي رمقه الأخير ،إذ انتفض بكل ما تبقى لديه من قوة ، إلى أن خار لافظاً أنفاسه المتحشرجة في خوار مؤلم… وكأنه يدين الجناة بعينيه الشاخصتين الجاحظتين…

بكى مسعودٌ يومها .. وأذكر أنه بكى مرة أخرى حينما شاهد جلد الخاروف المملح معلقا على حبل الغسيل ، فغمر وجهه الوديع في صوفه الممشط.

وبعد أيام!  كان جلدُ الخاروفِ هو الفراش المفضل لدى مسعودٍ في مثل هذه الليالي الباردة والتي راح يسعل فيها مثل الخوار! وكأنه يتودع من الحياة! فيتفطر قلبي ألماً عليه…

*فلسطيني من(الأردن)

رابط المؤلف:

http://www.bakeralsabatean.com/cms/component/option,com_frontpage/Itemid,1/