التصنيف : فلسطين (:::)
تميم منصور – فلسطين المحتلة (:::)
اسرائيل رغم حداثتها في أعمال القمع والاحتلال ، لكنها سريعاً ما تعلمت كافة الفنون والطرق الماكرة لاستخدامها في التعامل مع ضحايا احتلالها من الفلسطينيين ، لقد تعلمت هذه الفنون وأخذتها من مدارس الدول الاستعمارية الاوروبية والامريكية ، فإسرائيل تحاول بين الحين والآخر تغيير وتبديل أقنعة وألوان احتلالها ، كما كانت تفعل الدول الاوروبية ، لقد نجحت في ذلك لما لديها من قابلية نابعة من طباع الصهيونية وحلمها في مصادرة ارادة الآخرين .
لم يذهب الاحتلال الاسرائيلي وممارساته القمعية بعيداً عن الأساليب والطرق التي استخدمتها بريطانيا في مصر ومشيخات عربان الخليج واليمن الجنوبي وامارة شرق الاردن ، كما انها لم تذهب بعيداً عن طرق الاحتلال الفرنسي لدول المغرب العربي .
الأسلوب الذي استخدمته بريطانيا بعد احتلالها لمصر بقوة السلاح سنة 1882 هو احتلال بالوكالة ، أي الاعتماد على سلطة محلية في ادارة شؤون البلاد تكون تحت سقف الاحتلال العسكري ، من اجل ذلك لم تغلق قوات الاحتلال البريطاني الطرق امام اسرة محمد علي باشا للبقاء في حكم البلاد وحكما محلياً ، ربما يساعد ذلك على امتصاص غضب المواطنين وكسب تعاون القيادات المحلية مع الاحتلال ، وزادت بريطانيا من مساحات هذه الرشوات السياسية بالسماح بصدور الصحف المحلية ، كما سمحت بإقامة بعض الاحزاب اضافة الى اقامة مجالس استشارية بين الحين والآخر ، بواسطة هذه التعددية المحدودة استطاعت اثارة النزاعات بين خديوي مصر وبين الأطر السياسية المختلفة لضمان استمرار سيطرتها على الطرفين المتنازعين .
هذا الاسلوب كررته بريطانيا خلال سيطرتها على ما كان يعرف باليمن الجنوبي ، فقد قامت بتقسيم البلاد الى مقاطعات معتمدة على شيوخ القبائل في حكمها وادارتها تحت سقف احتلالها وقوتها العسكرية .
الطريقة ذاتها نقلتها الى مشيخات الخليج منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى بعد استقلال هذه المشيخات الصوري بقي شيوخها يحكمون مشيخاتهم بالوكالة عن بريطانيا ومن ثم امريكا .
اما فرنسا فقد طورت اساليب استعمارها بما يخدم مصالحها ، فقد شعرت بانها ارتكبت حماقة بعد احتلالها للجزائر عام 1830م فقامت بعزل الزعماء المحليين من مناصبهم كي تحكم البلاد حكما مباشراً ، وقد سبب هذا الجشع والاستخفاف بالسكان المحليين الى اشتداد المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي ، وكان المجاهد عبد القادر الجزائري احد قادة هذه الثورات .
لم تكرر فرنسا هذا الاسلوب الذي كلفها ثمناً غالياً عقب سيطرتها على تونس عام 1881م وعلى المغرب فيما بعد ، فقد حذت حذو بريطانيا واعتمدت على الحكام المحليين في ضمان بسط نفوذها واطالة عمر احتلالها ، هذا بدوره ساعدها على الهدوء النسبي من قبل القوى المحلية الداخلية مما مهد امامها كافة الطرق لترسيخ الاحتلال وتغيير الهوية الثقافية للمواطنين .
اما اسرائيل صنيعة بريطانيا وحليفة فرنسا فقد قرأت كافة الخرائط الاستعمارية جيداً ، مما ساعدها على ان تكيّف ظروف احتلالها كي يتلاءم مع المناخ السياسي الدولي والعربي والفلسطيني ، قامت بهذه المحاولات منذ سيطرتها على المناطق الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة ، ولولا المقاومة العنيدة لما ولت هاربة من قطاع غزة كي تتفرغ لتنفيذ مشاريعها في تهويد القدس العربية .
استخدمت سلطات الاحتلال اكثر من اسلوب واحد لتثبيت احتلالها فبالإضافة الى القوة العسكرية بادرت الى اقامة ما عرف بالإدارة المدنية ، وهي في الحقيقة قناعا مكشوفا لوجه سيطرتها وحكمها العسكري، بعد ذلك حاولت تخفيف العبء عن قادتها العسكريين في ادارة شؤون الضفة الغربية من خلال السماح للفلسطينيين بانتخاب رؤساء للسلطات المحلية في المدن والقرى الفلسطينية .
ولا أحد يستطيع الانكار بأنه منذ ان تولى هؤلاء الرؤساء قسما كبيرا من ادارة شؤون مدنهم ، اعتبره الكثيرون بأنه تعاونا مع الاحتلال ساهم في تخفيف الضغط عنه اداريا ومادياً ، ولا يختلف اثنان بان الموافقة على اجراء أي انتخابات تحت سقف الاحتلال يزيد من صلفه وغروره ويكون خطوة هامة على طريق شرعنة هذا الاحتلال. بعد نجاح هذه الاساليب حاولت السلطات الاسرائيلية ادخال عناصر من الطابور الخامس من الفلسطينيين المتعاونين معها في ادارة الحكم ، فأقامت روابط القرى فكان رد الشعب الفلسطيني حاسما وحازما بإشعال فتيل الانتفاضة الاولى عام 1987 ، وضعت هذه الانتفاضة حداً لكل احلام الاحتلال لأنها انطلقت دون تدخل ومشورة القيادات التقليدية المحلية ولم تكن خاضعة لها ، كما حدث في ثورة واضراب سنة 1936 – 1939 ، اذا كان هناك تدخلاً من قبل قوى وعناصر في الداخل او في الخارج فهو من قبل منظمة التحرير الفلسطينية .
ساهمت الانتفاضة في خلق فراغ وفجوة الى حد القطيعة بين غالبية العناصر والقيادات الداخلية التقليدية وغير التقليدية وبين ادارة الاحتلال العسكرية والمدنية ، خاصة بعد ان سيطر الملثمون على الموقف في الارياف والمدن ومخيمات اللاجئين ، لم تجد السلطات المحتلة افضل من اتفاق اوسلو لإطفاء شعلة هذه الثورة الشعبية المميزة ، خاصة وانها حظيت بتأييد شعبي عربي وعالمي .
وجدت سلطات الاحتلال في اتفاق اوسلو متنفساً لها ، سوف تستثمره لتعبئة قواها والانتقال الى مرحلة جديد تستطيع بواسطتها المحافظة على الاحتلال بمشاركته وبالتعاون مع قوى وعناصر من ضحايا الاحتلال ، التزمت في البداية بأهم بنوده خاصة تلك التي تسمح بعودة قيادات الفصائل الفلسطينية من الخارج الى ارض الوطن لإقامة سلطة مرحلية انتقالية لإدارة الشؤون الداخلية لأجزاء من الضفة الغربية خاصة ما عرف بالمنطقة ( أ ) والمنطقة ( ب) باستثناء مدينة القدس العربية وضواحيها . لقد اعادت هذه الخطوة الاحتلال الى صورته العسكرية بعد ان انزل عن كاهله الشؤون الحياتية للفلسطينيين ،وتفرغ للقمع كما يريد وللاستيطان أينما يريد ، ساعد اتفاق أوسلو سلطات الاحتلال على التخلص من الانتفاضة الشعبية الأولى ، كما وجد نفسه مكملآ لقوة سياسية ادارية فلسطينية مدعومة بقوات الأمن الوطني الفلسطيني مهمتها ردع أي تحرك شعبي ضد الاحتلال ، مهمة هذه القوات لا تختلف عن مهمة قوات الخديوي توفيق في مصر في تصديها لثورة عرابي التي قامت لتحرير مصر من الفساد ومن التدخل الاجنبي في ارض الكنانة ، هذا ما قام به الامير عبد الله عندما نصبته بريطانيا على شرق الاردن فقد قامت قواته المدعومة من بريطانيا بقمع الثورة التي قام بها الاردنيون في منطقة عجلون واربد وعرفت بثورة ” الكورة ” من اجل اعادة اللحمة الى سوريا الكبرى ورفض ما قامت به بريطانيا بفصل الاردن عن الأم سوريا. اذا تواجدت في مصر او الاردن حكومة واحدة رديفا للاحتلال البريطاني فان اسرائيل تنعم بوجود حكومتين فلسطينيتين في آن واحد ، احداهما في رام الله والثانية في غزة ، كلتا الحكومتين تلجمان كل الحركات الشعبية ضد ممارستهما القمعية بحق المواطنين الفلسطينيين وضد أي تحرك لمقاومة الاحتلال بشتى الطرق السلمية منها وغير السلمية ، كل هذا يصب في مصلحة الاحتلال الذي اصبح ينعم بالهدوء والاستقرار بسبب وجود من يحكم مكانه بالوكالة .





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

