تونس تجربة فريدة ودرس للتأمل

 

التصنيف : سياسة واخبار (:::)

أحمد عمر زعبار – لندن (::::)

لا يختلف اثنان على أن الوضع التونسي يختلف جذريا عما عرفته البلاد في تاريخها السياسي القريب والبعيد، تونس التي عرف تاريخها المعاصر ثورات وانتفاضات تكاد تتكرر كل عشرين سنة، لم تعرف تجربة سياسية كالتي تعيشها الآن، تجربة ديمقراطية حقيقية يتنافس فيها المتنافسون بأدوات ديمقراطية ومن خلال مؤسسات ديمقراطية، هذه التجربة الجديدة لم تكن مثالية ولا يمكنها أن تكون مثالية، نظرا لقصر التجربة وقلة خبرة الممارسة الديمقراطية، خصوصا على مستوى الانتقال السلمي للسلطة عبر الحوار او من خلال صناديق الاقتراع، ومع ذلك تبقى التجربة التونسية ذات خصوصية متميزة ضمن تجارب دول الربيع العربي، من حيث نضجها النسبي ومن حيث قدرة كل الأطراف السياسية المتنافسة على التعامل بذكاء ومسؤولية مع قواعد اللعبة الديمقراطية، خصوصا من حيث النتائج التي حققتها.

منذ إعلان نتائج الانتخابات وانتصار حركة النهضة الإسلامية بأغلبية مقاعد المجلس التأسيسي تشكل فريقان سياسيان في البلاد، الأول أفرزته المفاوضات بين الأحزاب المنتصرة، وعلى رأسها حركة النهضة. بينما ضمّ الثاني الأحزاب التي لم تتمكن من الحصول إلا على نسبة اقل من أصوات الناخبين. وقد كان من الواضح أن نتائج الانتخابات عكست إلى درجة كبيرة تأثير الاستقطاب السياسي والأيديولوجي الذي بلغ ذروته قبل الانتخابات، كما عكس توجهات شعبية صادقة بحكم طبيعة الشعب التونسي التي تميل إلى الإسلام المعتدل. ما حدث بعد ذلك هو أن المعارضة قصرت دورها تقريبا على إثبات فشل الحكومة منذ اللحظات الاولى في السلطة، ورغم تشتت أحزاب المعارضة فكريا وأيديولوجيا بين يسار ويمين وليبيراليين وغير ذلك، إلا أن ما جمعها هو عداؤها لحركة النهضة ورغبتها في إسقاط الحكومة، في المقابل قامت الترويكا باتهام المعارضة بمحاولات تعطيل عمل الحكومة وتعطيل برامجها الإصلاحية، رغم أن الترويكا الحاكمة أثبتت أكثر من مرة أنها تدرك أن الديمقراطية ليست هي حكم الأغلبية بالمطلق، بل تعني في ما تعني المحافظة على حقوق الأقلية وحقوق من لم يحالفهم النصر في الانتخابات.

الإيجابي في سياق الأزمة التونسية التي طالت أكثر مما كان متوقعا تمثل في تواصل الحوار وعدم انقطاعه، تعثر ولكنه لم ينقطع وهذا يعني إدراكا من قبل جميع الأطراف في الحكومة والمعارضة لحجم المسؤولية الملقاة على عواتقهم. أدرك الجميع أن الأزمة طالت أكثر مما يجب وأن الوضع الاقتصادي لا يمكن أن يتحمل المزيد من الضعف وربما الانهيار وان المواطن العادي تعب من الانتظار.

في السابع والعشرين من يناير/كانون الثاني الفارط تمت المصادقة على الدستور التونسي الجديد بأغلبية تكاد تكون إجماعا 200 موافق، 12 رفض،4 تحفظ، بعدها بيومين تسلمت حكومة مهدي بن جمعة مهامها وخلفت حكومة علي العريض. انتقال ديقراطي سلس نتج عن ممارسة ديمقراطية حضارية فريدة من نوعها في عالمنا العربي، وحقق التونسيون بذلك احد أهم الخطوات في مسار ثورتهم، من خلال إرساء أول ديمقراطية تشاركية في المنطقة، ديمقراطية تنقل البلاد من مرحلة الزخم الثوري الشعبي إلى واقع الاستقرار السياسي المبني على مطالب الثورة والشعب، ولعله ليس من الغريب أن ينجح التونسيون في ذلك، في حين تعثرت دول الربيع العربي الأخرى. يشترك المجتمع التونسي مع بقية المجتمعات العربية في خصائص تشمل الجميع لعل أهمها على المستوى السياسي أن الدولة العربية لم تكن دولة بالمعنى الحقيقي للكلمة وأن استعمال مصطلح الدولة فيه الكثير من المجاز والتجاوز، فالاستقرار الخادع الذي أوهم الجميع بوجود مؤسسة الدولة لم يكن استقرارا قائما على مؤسسات تقتضيها وظائف الدولة، فكلنا يعرف أنه استقرار بني على الخوف والرعب وتأجيل الحلول إلى ما لانهاية، هكذا ظهرت هشاشة هذه الدول مع سقوط أول أحجار جدار الخوف، فاتضح الفراغ المؤسساتي وظهرت على السطح كل تناقضات المجتمع التي كانت مدفونة ومخفية تحت واقع الرعب .

هناك خصائص يتمتع وينفرد بها المجتمع التونسي ساهمت الى حد كبير في تجاوز الازمات التي أعقبت ثورته، تاريخيا عرف التونسيون وثيقة عهد الأمان سنة 1857 التي تحولت سنة 1861 إلى ما يشبه الدستور، وقد اعتبر الكثير من المؤرخين والمحللين السياسيين تلك الوثيقة أول دستور عرفه العالم العربي قام بتقنين جوانب كثيرة من المؤسسات والمعاملات والممارسات السياسية التونسية في اواسط القرن التاسع عشر، كما عُرف التونسيون باعتدالهم وحبهم للحياة وللسلم الاجتماعي فلم تعرف البلاد انتشار السلاح فيها بعكس ما عليه الوضع في العديد من الدول العربية، حيث يفضل التونسيون حل مشاكلهم بالحوار وليس بالسلاح، فثقافة امتلاك السلاح لا يعرفها التونسي ولا يستسيغها، وربما يتجلى هذا أيضا في حياد الجيش التونسي، فعلى مدى تاريخ البلاد المعاصر لم يكن للجيش أي حضور في الحياة السياسية، ولم يتدخل لا بالسلاح ولا بالانقلاب ولم يخض أي حروب لا ضد جيرانه ولا ضد شعبه وبقي دوره مقتصرا على مر السنين على ضمان سلامة حدود البلاد وفق القرارات السياسية العليا، وهو ما لا ينطبق على جــــيوش أغلب الدول العربية، خاصة مصر التي يمثل الجيش أهم ركيزة سياسية فيها. فالجيش المصري صانع للقرار السياسي، في حين أن الجيش التونسي خاضع للقرار السياسي .

عدم تدخل الجيش في الشأن السياسي التونسي تقابله قوة المجتمع المدني وصلابته وتماسكه وقدرته على التأثير، وقد كان دور المرأة التونسية واضحا ومؤثرا في مختلف فترات الثورة وبعد نجاحها، المرأة التونسية متعلمة ومثقفة ومنفتحة على العالم ومشاركة في الحياة الاجتماعية والسياسية منذ عقود، وساهمت كما غيرها من قوى المجتمع في نبذ التطرف والحفاظ على مكتسبات المجتمع المدني، وطبعا لا يمكننا ان نتجاهل دور المركزية النقابية (الاتحاد العام التونسي للشغل) الذي قاد الحوار بين الفرقاء السياسيين كان إلى جانبه الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والهيئة الوطنية للمحامين والرابطة التونسية لحقوق الإنسان، هذه العوامل ساهمت مجتمعة في إنقاذ الثورة التونسية من نفسها ومن المتربصين بها.

مازالت امام التجربة التونسية محطات كثيرة واستحقاقات متعددة سياسية واقتصادية وأمنية تبدأ بضرورة تحسين الوضع الأمني واحتواء المجموعات المتشددة وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطن التونسي، ولا تنتهي بالانتخابات الرئاسية والتشريعية المقررة قبل نهاية العام الجاري، ولكن يبقى التفاؤل بنجاح هذه التجربة قائما نظرا لما أثبتته القوى السياسية التونسية من قدرة على ضبط النفس والتعاطي مع الأزمات ومرونة وتميز في ممارسة عمليات الشد والجذب والتنازل وقت الضرورة، كما أن حركة النهضة أدركت مبكرا أن ممارسة السياسة تحتاج إلى المرونة والقدرة على فهم الواقع والتمسك بنهج الاعتدال والاستعداد للتنازل وحتى التضحية عند الضرورة، وأن شعار الإسلام هو الحل ليس شعارا سحريا، وأنه غير كاف من دون قراءة حقيقية وفهم معمق لواقع الناس والمجتمع، وهي صفات تميز النهضة عن الحركات الإسلامية في العالم العربي. وإذا كان البعض يذكّر ويؤكد دائما أن الحركة أجبرت على التنازل عن السلطة نتيجة للضغط الداخلي ونتيجة لقراءة صائبة للحدث المصري وإبعاد الإسلاميين عن الحكم وعزل مرسي، فإن مثل هذا الأمر يجب أن يؤخذ على محمل الإيجاب وليس على محمل السلب، إذ ان هذا يعني ان الحركة قرأت الواقع بشكل جيد وتعاملت معه بطريقة سياسية جنبت البلاد ويلات كثيرة وحقنت الدماء، وهذا أمر يحسب لها وليس عليها وهذا يعنى أيضا أن المعارضة قامت بما هو مفروض ان يكون دورها وأن الترويكا الحاكمة قامت بدورها وانتهى الأمر بلا غالب ولا مغلوب، وبرابح وحيد هو الشعب التونسي، خصوصا أن جميع الفرقاء أكدوا ويؤكدون على الدوام رفض عقلية الإقصاء وعلى أن تونس لا يمكن أن يحكمها حزب واحد أو فريق واحد مهما كبر ومهما عظمت تجربته وتعمق تاريخه نظرا لتنوع المجتمع التونسي وتفتحه وانفتاحه.

‘ شاعر وإعلامي تونسي مقيم في لندن