التصنيف : اراء حرة :::::
طلال قديح * – السعودية :::::
باستعراضنا للتاريخ في كل زمان، نجد أن عزة العرب والإسلام مصدرها دائما، مصر والشام..وشواهد التاريخ تدلل على أنه لا عرب ولا مسلمون بلا مصروالشام مهد الحضارات، ومنزل الديانات، وملتقى القارات،وعنوان الانتصارات. ظل النصر عبر كل العصور ومع تتابع الدول ، يمر عبر مصر والشام لما يملكان من إمكانات هائلة تتحدى النوائب والملمات مهما بلغت.
ومن هنا ندرك أن الأعداء ظلوا يكيدون لهما في السر والعلن، ولا يدخرون جهداً في الكيد لهما ، والعمل بكل السبل ليظلا مسرحاً للقلقل والفتن، وإشغالهما بالداخل فلا يجدان وقتا يتفرغان فيه للبناء والإعمار ، والتطور والنماء..وهنا يتنفس الأعداء الصعداء ، ويمضون قدماً في مخططاتهم الخبيثة في إذكاء نار الفتنة والضرب على وتر الطائفية والمذهبية والعرقية ، فينخدع بها ضعاف النفوس، ومن سقطوا في أحابيل الأعداء ليصبحوا أدوات لهم لتنفيذ مؤامراتهم في تفتيت العالم العربي وإضعافه ليتسنى لهم السيطرة على مقدراته العظيمة.
وما الأوضاع الأخيرة التي تعصف بالعالم العربي في معظمه ، والمهددة بتفتته وانقسامه إلى دويلات وكيانات ، إلا خطوات متسارعة عل الطريق المؤدي إلى نفق مظلم ، لا أمل فيه ولا رجاء. حالة مأساوية حقاً، تنفطر لها قلوب كل الأحرار الغيورين من العرب والمسلمين بل وأحرار العالم.
إن مصر أم الدنيا، ومركز الثقل،وذات الوزن العلمي الهائل، وعدد السكان الأكبر، والجيش القوي- هي اليوم في حالة تشغلها بنفسها وتجبرها على الالتفات للداخل لإصلاح كل ما أفرزته الحوادث المتلاحقة التي عصفت بالبلاد والعباد وأصابت كل مواردها بضربات موجعة وانتكاسات شديدة.. لكن مصر الحضارة والتاريخ ستنهض من كبوتها وهي أكثر قوة واشد سطوة ، لتستأنف دورها القيادي ومسيرتها القوية.
وسوريا الشام ، لا يمكن أن ينال منها الأعداء مهما بلغت قوتهم ومهما ازداد بطشهم ، فعلى صخرة صمودها تتكسر كل المؤامرات وتتحطم كل المكائد.. ستبقى شامخة شموخ جبل قاسيون ، وستظل عصية على كل الخصوم..إن سوريا الأمويين التي انطلقت منها جيوش الفاتحين شرقا لتصل للصين وغربا حتى الأندلس، لا يمكن أن تخضع أو تستكين.. وتظل دمشق عنوان العزة والكرامة والنخوة والشهامة..” وعز الشرق أوله دمشق “.
ولولا دمشق لما كانت طليطلة ولا زهت ببني العباس بُغدان !
مصر والشام في القلب دائماً، تنبض بحبهما قلوب كل العرب والمسلمين ، إيماناً منهم بأهميتهما ودورهما الريادي، وتضحياتهما الجسيمة ضد كل الغزاة في كل الأزمنة.. كانت الانتصارات دائماً وأبداً، من صنعهما معاً ، بدءاً بالحروب الصليبية ووصولاً إلى حرب أكتوبر 1973م.. فيها اختلطت الدماء الزكية لتسجل ملحمة عظيمة تضاف إلى ملاحم البطولة والفداء التي يزهو بها تاريخنا.
مصر والشام هما جناحا العالم العربي، بهما يتحرك ويحلق في الفضاء ويواصل انطلاقته وعطاءه في التطور والنماء ، وتحدي كل الخصوم والأعداء.. ولهما القدرة معا، يساندهما كل الأشقاء للوقوف سداً منيعاً في وجه الطامعين المتربصين، وما اكثرهم!
رحم الله الشاعر الكبير علي الجارم الذي أبدع في تصوير العلاقة الأبدية بين القطرين الشقيقين ، فقال :
ولو بردى أنّت لخطب مياهه لسالت بوادي النيل للنيل أدمعُ
في 22 فبراير عام 1958م شهد العالم العربي تحقيق الوحدة بين مصر وسوريا بقيادة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، الذي قاد التيار الوحدوي حتى وفاته، وظل يناضل من أجل تحويل الحلم العربي الوحدوي إلى واقع ملموس.. وهنا تجدر الإشارة إلى الرئيس السوري آنذاك ، شكري القوتلي ، الذي سجل موقفاً قلما يصنعه الرجال في التاريخ ، فقد تنازل في سبيل تحقيق الحلم العربي عن منصبه مؤثراً أن يكون المواطن العربي الأول ليكون أنموذجاً للأجيال ، ومنارة تضيء لهم الطريق نحو العزة والكرامة ، وإنكار الذات ، وتغليب العام على الخاص ، مهما بلغت المغريات!.. وهكذا دخل التاريخ من أوسع أبوابه ليسجل اسمه بأحرف من نور في سجل العظماء الخالدين…
وكانت الجمهورية العربية المتحدة بإقليميها الشمالي والجنوبي، لتقوم قيامة إسرائيل والاستعمار الغربي، إذ رأوا في الوحدة خطراً فادحاً يهدد مخططاتهم فأرغدوا وأزبدوا ، ولوحوا وهددوا بالويل والثبور وعظائم الأمور، ووظفوا كل قواهم ضد الوحدة وهاجموها بكل الوسائل.. وكانت إسرائيل هي المتضرر الأكبر منها، فقد أصبحت محاصرة بين فكي كماشة من الشمال والجنوب، بين مصر وسوريا اللتين أصبحتا كيانا واحداً بجيش واحد قوي يملك كل مقومات الانتصار على إسرائيل ، وتحرير فلسطين. ولما أدرك الأعداء أنهم عاجزون عن تفتيت الوحدة بالقوة ، لجأوا إلى الكيد لها من خلال صنائعهم في الداخل ممن باعوا أنفسهم للشيطان،وضحوا لمآربهم بالأوطان.. ولم يهدأ للأعداء بال حتى تحقق الانفصال في 28سبتمبر/ أيلول عام 1961م، ليصاب الحلم العربي بضربة قاضية أقضت مضاجع الأجيال وأبكت الأمة كلها من المحيط إلى الخليج.
سعد الاستعمار بهذا الإنجاز ، وتنفست إسرائيل الصعداء، بعد أن تخلصت من الطوق الذي كان يحيط بعنقها ، ويكاد يكتم أنفاسها.. واستأنفت مكائدها ومخططاتها على طريق إلهاء العرب بمشكلاتهم الداخلية وإذكاء نار الخلافات في كل المجالات، ليخلو لها الجو، وتحلق فيه كيفما تشاء ووقتما تشاء! لا عزة ولا منعة للعرب إلا بوحدتهم ، فهم أمة واحدة ، أرضاً وتاريخاً ، وأصلاً ولغةً، وغاية وهدفاً.. قبلتهم واحدة ، ودمهم واحد.. توحدهم السراء والضراء، ويؤلّف بين قلوبهم، حبهم وإخلاصهم لأرض الأجداد والآباء .
إن ما نعيشه يومياً في معظم أقطارالعرب من محاولات للتقسيم والانفصال.. في ليبيا والسودان وسوريا واليمن .. أمر مؤلم ومحزن ومبك، حقاً! ما كنا نتخيل في يوم من الأيام أن يصبح حلم الوحدة خيالاً بعيد المنال وهي التي ناضل من أجلها كل الأجيال، وتحملوا في سبيلها كل الآلام ، وركبوا لأجلها كل الأخطار. فهلّا استيقظنا من سباتنا، وأدركنا واقعنا المعاش وما يحدق به من أخطار تهدد الوجود، وتصب في مصلحة العدو اللدود..لا مجال للنوم، ولا مكان للتقاعس والتسويف، ولا وقت لتبادل الاتهامات.. هذا أوان الشدِّ فاشتدّي زِيَم!
اليقظةَ.. اليقظةَ، والعملَ.. العملَ، والجدَ.. الجدَ، والله من وراء القصد. وأجدني هنا أردد بألم وغُصّة، تحذير وصرخة نصر بن سيار: أرى خلل الرماد وميض جمر ويوشك أن يكون له ضرام فإن النار بالعودين تُذكَى وإن الحرب أولها الكلام! فهل يعيد التاريخ نفسه؟!ً اللهم إني قد بلغت.. اللهم فاشهد.
•كاتب ومفكر عربي 17/2/2014م





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

