اليمن : غياب الدولة

 

. التصنيف : سياسة واخبار :::::::::

بقلم : نبيل الهتاري – اليمن ::::::::

يظن المتابع لخطابات الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي منذ توليه السلطة في 27/فبراير/2012 أن الرجل يتجه باليمن الى دولة مدنية حديثة تتسع لجميع اليمنيين على اختلاف مذاهبهم الدينية وانتماءاتهم السياسية ، وقد أيقن الرئيس هادي أن الطريق الأمثل أمامه كي ينقذ البلاد هو مؤتمر الحوار الوطني وحده. وفعلاً نجح الرجل في الوصول بمؤتمر الحوار إلى نهايته حتى تم اختتام جلسته النهائية في 25/ يناير/ 2014، ولكن يبدو أن دور الرئيس هادي قد غاب بشكل شبه تام عما يجري على أرض الواقع من حروب ونزاعات وأزمات اقتصادية وغيرها من المشاكل التي تعصف بالبلاد وتهدد حياة المواطنين.

الرئيس وسياسة التفاؤل

يتعامل الرئيس هادي مع الأزمة الشديدة التي تمر بها اليمن ببرودة سياسية غامضة قد لا يكون هناك من تفسير لها سوى وجود قوى ضغط خارجيه تدعم بدورها أجندات داخلية  لتحقيق مكاسب مشتركه، وهنا نأخذ الحوثيين كمثال على ذلك.

منذ تولي هادي للسلطة وهو يظهر حالة من الاستسلام والرضوخ أمام جماعة الحوثيين( أنصار الله)ويظهر ذلك من خلال قبوله بكافة الشروط التي وضعتها الجماعة للمشاركة في مؤتمر الحوار الوطني والسكوت عما يقومون به من أعمال مثيره للرعب الاجتماعي من عمليات استهداف وتصفيه لبعض الخصوم السياسيين والدينيين وتنكشف سياسة الاستسلام هذه في حرب دماج التي مورس فيها أبشع صور القتل والتهجير القسري لأسر بأكملها، حيث ظهر هادي في أفضل حالاته خلال الحرب كوسيط سياسي لا كرئيس دوله. ونتيجة لمثل هذه السياسات التي تبنتها الحكومة الانتقالية أصبحت دبابات الحوثي تخوض المعارك في عمران وقريبة كل القرب من العاصمة صنعاء.

هادي يظن أن نصوص المعاهدات والتوقيعات وحدها كفيلة للخروج باليمن من الأزمة إلى الدولة المدنية، حيث يبدو وكأنه يسبح بعيداً في عالم الخيال يخطط لبناء اليمن الجديد على آمال وتفاؤلات يبرهن الواقع حتى الآن أنها بعيدة كل البعد عن التحقيق. نعم قد يذكر التاريخ أن عبدربه منصور هادي قد لعب دور المنقذ ونجح في الحفاظ على البلد خلال المرحلة الانتقالية ولكن السؤال هنا أليس من المحتمل أن  تسفر سياسات هادي الخجولة  مثلاً من استئثار جماعة الحوثيين بالحكم دون غيرها والرجوع باليمن إلى ما قبل 1962م – أي عهد الإمامة-  خصوصاً في ظل توفر التأييد لجماعة الحوثي من عدة قوى دولية وإقليميه.

الحوثي واللعب على الحبلين

بينما تعيش جميع التنظيمات والأحزاب السياسية حالة من الفوضى  نجد أن جماعة الحوثيين هي التنظيم الوحيد الذي يسير وفق خطوات مدروسة ونحو هدف معين مستغلاً حالة عدم الاستقرار في الاطياف السياسية الأخرى. ويكمن السبب هنا أن الأحزاب السياسية كحزب المؤتمر الشعبي العام (حزب النظام السابق) وحزب التجمع اليمني للإصلاح(الإخوان المسلمون) والأحزاب الممثلة للقضية الجنوبية وغيرها تحاول الحصول على أكبر نسبة تمثيل في السلطة الجديدة بينما نجد جماعة الحوثي تسعى لأن تكون هي الممثل الوحيد للسلطة.

وقد أتقن الحوثيين اللعب على الحبلين بمهارة عالية  حيث شاركوا في مؤتمر الحوار وبنفس الوقت يثيرون الحروب في كل من صعدة وعمران وأرحب والعديد من الجبهات القتالية بهدف توسيع نفوذهم إلى أقصى حد ممكن قبل إعلان حدود الأقاليم التي ستكون شكل الدولة الفدرالية الجديدة. وأخيراً رغم مشاركتهم في الحوار الوطني إلا أنهم لم يحضروا الجلسة الختامية بما يوحى بأنهم قد يقدمون مستقبلياً باتخاذ خطوات مخالفة لمخرجات الحوار الوطني محتجين بعدم توقيعهم على وثيقته النهائية الأمر الذي يسقط  لزومية تنفيذهم لبنودها.

الغياب الكامل لدور الدولة

وبما أن اليمن تمر بمرحلة انتقالية تحتاج الى هدوء نوعي  لضمان نجاح العملية الانتقالية إلا أن الأمن يكاد يكون معدوماً وذلك بسبب الغياب شبه الكامل لدور الدولة والمؤسسة العسكرية في تحقيق الأمن العام للمواطنين.

التفجيرات الإرهابية تطال الأبرياء من المواطنين في كل مستشفى ومسجد وشارع  والدولة تبدي حالة عدم اكتراث بما يجري وكأنها تتجنب إلى حد كبير أي احتكاك بسيط مع منفذي الهجمات الإرهابية مما يدفع هؤلاء المخربين إلى تكثيف هجماتهم على المنشآت العامة والخاصة التي يذهب ضحيتها العشرات.

والغريب من هذا هو لزوم الدولة لحالة الحياد التام تجاه الحروب التي خاضها الحوثيين مع السلفيين في دماج ومع القبائل في عمران وغيرها من المناطق التي تشكل طوقاً محكماً على العاصمة صنعاء، حيث أصبحت قوات الحوثي الآن محيطة بأمانة العاصمة من جميع الجهات تقريباً.

قد يفسر غياب دور المؤسسة العسكرية في الحفاظ على الأمن بجود اختلافات غير معلنة بين رئيس الجمهورية عبدربه منصور هادي وبين وزير الدفاع  محمد ناصر أحمد حيث يتهم بالتواطؤ مع جماعة الحوثي ولقاءاته السرية بقيادات كبيرة منهم وتعيينه لأكثر من 20 قائداً عسكرياً  يعرف عنهم ولائهم التام للنظام السابق. الرئيس هادي يطمح لأن يكون رجل اليمن الناجح الذي قاد البلاد في فترات حرجه في تاريخها والحوثيون يفاوضون في جانب ويقاتلون على الجانب الآخر ووزير الدفاع يجمد دور المؤسسة العسكرية في الحفاظ على الأمن العام وإيقاف الحروب وهكذا يبدو المشهد معقداً جدا ولكن المستقبل كفيل على أن يظهر كل امرئ على حقيقته.

(كاتب وباحث يمني)

alhitari93@yahoo.com