مقايضة تاريخية باطلة

 

التصنيف : اراء حرة (:::)

تميم منصور  – فلسطين المحتلة (:::)

من بين الشروط التي وضعها جون كيري في وثيقته التي سوف يودعها على طاولة المتفاوضين الفلسطينيين والاسرائيليين وجوب تعويض اليهود الذين قدموا من الاقطار العربية الى اسرائيل قبل النكبة وبعدها ، ولمجرد الاشارة الى هذا البند في وسائل الاعلام تحركت مياه الانتهازين الراكدة السياسة والمادية بين مئات الاسر اليهودية ، وسارعوا الى نصب حلقات الردح على املاكهم التي تركوها وراءهم قبل قدومهم الى البلاد وفتحوا دفاتر الحسابات  .

الملفت للنظر في هذه الصحوة المفاجئة محاولة الربط والمقارنة بين  مشكلة القادمين اليهود المذكورين وبين مأساة اللاجئين الفلسطينيين على أمل ان تكون هناك  مقايضة سياسية تتجاوزكل المعاني المادية والانسانية ، لكن المنطق وكل الحقائق على ارض الواقع يؤكدان بأنه لا تجوز وضع هاتين القضيتين فوق قبان تاريخي او تفاوضي واحد  وفي ساحات المقايضة ، لما بينهما من تناقض وتفاوت واختلاف ويمكن حصر هذا الاختلاف بالنقاط التالية :

– لا يمكن تحميل الانظمة التي كانت تسيطر على الاقطار العربية عبء ومسؤولية ترحيل اليهود من أقطارهم ، لأن عدداً لا بأس به من هذه الاقطار لم يكن قد نال استقلاله من الاستعمار الفرنسي والبريطاني ، خاصة الاقطار العربية في شمال افريقيا وفي مقدمة هذه الاقطار المغرب وتليها تونس والجزائر ، فقد قدم غالبية اليهود من هذه الاقطار الى فلسطين بعد النكبة مباشرة ، وكانت لا تزال خاضعة للحكم الفرنسي المباشر .

أما بالنسبة لبقية الاقطار العربية مثل مصر والعراق وليبيا واليمن فلم يسجل صدور قرار من حكوماتها يلزم المواطنين اليهود على الرحيل الى بلد آخر في العالم ، كانت الهجرة اختيارية ، العكس الصحيح فقد تعاملت حكومات هذه الاقطار مع مواطنيها من اليهود بكل شفافية ، حيث كانوا يتمتعون بكافة الحقوق التي تمتع بها بقية المواطنين من الطوائف الاخرى هذا باعتراف اليهود انفسهم في مذكراتهم .

اذن كيف يمكن ان تحمل مسؤولية ترك اوطانهم الى الشعوب العربية او حكامها ؟ وقد كشفت ارشيفات الحركة الصهيونية بأن هذه المنظمة العنصرية بذلت كل ما بوسعها لتوفير كافة السبل والقنوات لترحيل اليهود من اوطانهم داخل الاقطار العربية ، اعترفت جهات صهيونية الى حد التفاخر بأن عملاءها في كل من بغداد والقاهرة وطرابلس وبيروت ودمشق وغيرها من العواصم العربية لجأوا الى الارهاب باستخدام العبوات الناسفة لقتل اليهود انفسهم لترهيبهم واجبارهم على ترك اوطانهم والقدوم الى اسرائيل ، على اعتبار ان المواطنين العرب هم من اقدم على القيام بهذه الاعمال الاجرامية .

من بين الذين اعترفوا بمشاركتهم بهذه الاعمال الارهابية وزير الشرطة السابق شلومو هليل ، فقد كان عضواً في منظمة يهودية ارهابية في بغداد ، كما اعترف عددا من اليهود الذين عاشوا في مصر وليبيا والمغرب واليمن بانهم كانوا اعضاءً في خلايا ارهابية اقامها الموساد بالتعاون مع الحركة الصهيونية ، كان هدف هذه الخلايا الاعتداء على دور العبادة اليهودية وضرب المؤسسات التجارية واتهام العرب بالقيام بذلك ، وقد تم القبض على بعض هذه الخلايا الارهابية في كل من القاهرة وبغداد وقدموا للقضاء . نذكر من هذه الخلايا وتداعياتها ما عرف بفضيحة لافون عام 1954 ، وهي تعتبر من اشهر عمليات المخابرات على المستوى الاسرائيلي وعرفت ايضا بعملية سوزانا ، تمت هذه العملية الفاشلة في زمن حكومة موشه شاريت التي اعقبت حكومة بن غوريون ، وقد شغل فيها بنحاس لافون وزيراً للدفاع ، كانت العملية تهدف الى الاعتداء على دور السينما في القاهرة والاسكندرية ، والاعتداء ايضا على المؤسسات الامريكية والبريطانية في مصر ، لإقناع المسؤولين في هاتين الدولتين بان حكومة الثورة التي اقامها الضباط الاحرار غير قادرة على حماية مؤسسات الاجانب ، كما كانت تهدف الى حدوث توتر في العلاقات بين مصر من جهة وكل من امريكا وبريطانيا من جهة ثانية ، وهذا من شأنه يعيق ويمنع بريطانيا من جلاء قواتها عن مصر كما ارادت الثورة .

تم تشكيل الخلية الجاسوسية لتنفيذ المهام التي اوكلت اليها وقد اطلق عليها الرمز 131 ، وعين الضابط مردخاي بن تسور مسؤولاً عنها بعد أن تسلل من اسرائيل الى مصر بجواز سفر بريطاني – غالبية اعضاء الخلية من اليهود المصريين ، ونذكر منهم فيكتور ليفي ، روبير نسيم ، مرسيل يوسف زعفران ، ايلي جاكوب، سيزار يوسف ، وموسى مرزوق وآخرون –  لقد تمكنت المخابرات المصرية من وضع يدها على هذه الخلية الخطيرة وقدم اعضاؤها للقضاء ، هذا نموذج من دور الصهيونية واجهزة الموساد في زرع الارهاب داخل الاقطار العربية لدفع اليهود على الهجرة الى اسرائيل .

– بالإضافة الى الارهاب استعملت الصهيونية طرق اخرى للضغط على المواطنين اليهود بالانتقال الى اسرائيل ، من بين هذه الطرق تنظيم حملات منظمة من الدعاية وتزييف التاريخ وطرح الوعود الكاذبة بوطن الآباء والاجداد الذي ينتظرهم ويتدفق منه السمن والعسل ، لقد تأثر الكثير من اليهود القاطنون في الاقطار العربية وسارعوا بالمجيء الى اسرائيل ، وقد تنازلوا عن تراثهم ولغتهم وثقافتهم واملاكهم في سبيل تحقيق احلام الصهيونية ، وقد اعترف بهذه الحقيقة الكثير من هؤلاء المخدوعين الذين كانوا يتحدثون بصراحة ، اذكر منهم عشرات المعلمين اليهود من اصل عراقي ومصري كانوا يعملون بالمدارس العربية . – من بين الطرق والوسائل التي استخدمها رجال الموساد ومكاتب الهجرة اصطياد اطفال اليهود وخطفهم بهدف ترحيلهم الى فلسطين دون علم ذويهم ، وقد حدثت مثل عمليات الخطف هذه في اكثر من مدينة ساحلية خاصة في المغرب وتونس وطرابلس وبيروت كما ورد في الموسوعة الصهيونية – الجزء الثاني –  حيث عمل رجال الموساد على ادخال هؤلاء الاطفال الى مراكب كانوا يستأجرونها ومن ثم يقومون بنقلهم الى اسرائيل ، بعد استقرار هؤلاء الاطفال في البلاد كانت الوكالة اليهودية تقوم بإبلاغ ذويهم الذين كانوا يتهمون العرب بإخفائهم او قتلهم ، وكثيرا ما اضطر ذويهم اللحاق بهم والهجرة الى اسرائيل .

هذا غيض من فيض من الطرق والاساليب التي استخدمتها الحركة الصهيونية في خداع وجر مئات الالوف من يهود الاقطار العربية ، قدموا الى اسرائيل ونالوا المواطنة الكاملة رغم كونهم غرباء ودخلاء في هذا الوطن ، في حين اصبح سكانه الاصليون غرباء ومشردين خارج وطنهم .

السؤال الذي يطرح : هل هناك مصداقية لوضع هؤلاء الغزاة الذين زحفوا وجاءوا لاغتصاب اراض وبيوت  واملاك شعب آخر وهو الشعب الفلسطيني في اية خانة تفاوضية ومقايضة مع مئات الالوف من اللاجئين الفلسطينيين الذين وضعتهم عصابات البلماخ والهاغاناة امام خيارين اما الموت واما التشريد ، وكانت النتيجة انتزاع ما يقارب المليون مواطن من بيوتهم واصبحوا جزءا من مأساة عالمية وما يحدث في مخيم اليرموك وغيرها من المخيمات في سوريا واللجوء والتشرد في دول العالم ما هو الا صورة واحدة من صور هذه المعاناة اليوم .

يمثل اللاجئون الفلسطينيون التهجير القسري الاكبر من حيث العدد ومن حيث الاطول زمناً على مستوى العالم ، تبين المعطيات ان اثنين من بين كل خمسة لاجئين في العالم فلسطينيين .

نرد على المدعو كيري بقول جمال الدين الافغاني بالضغط والتضييق تلتحم الاجزاء المبعثرة والازمة تلد الهمة .