عمي أوسكار يقترب من عمر

 

التصنيف : فن وثقافة (:::)

شوقية عروق منصور  – فلسطين المحتلة  (:::)

يقال عندما قرروا وضع جائزة لأحسن فلم سينمائي اصطدموا بشكل الجائزة ورمزها وكان التساؤل كيف سيكون الشكل ؟؟ وبعد عدة عروض كان القرار أن تكون الجائزة على هيئة رجل ذهبي ، ولكن اسم الجائزة ظل غائباً حتى كانت المصادفة .

دخل احد العاملين الى الاستديو ووجد التمثال الذهبي فقال ببراءة انه يشبه عمي اوسكار .. ولم يكن يعلم هذا العامل ان كلماته العابرة قد سجلت عنوانا هاماً ،سيتحول مع الزمن الى تظاهرة فنية ضخمة ينتظرها المجتمع الفني بتعطش وقلق وشغف ، وأيضاً سستتحول الجائزة الى مؤسسة اشبه بالعصابة تحركها اصابع الساسة والسياسيين وتحوم حولها الشكوك ، حيث تذكرنا انه لا يوجد في هذا العالم الفن النقي النظيف الخالي من العبث السياسي والحق المجرد ، بل هناك الضيق في الرؤية طالما ان الفن يصاحبه الاشارة الى المستنقعات السياسية العفنة ووجهات النظر التي تؤدي الى الاتهام ، وأن الفن قد يباع ويشترى أيضاً .

في جوائز الاوسكار هناك الدهاليز والخفايا والخبايا ، ولطالما نحن في هذا العالم لا بد أن نخترق هذه الدهاليز او الممرات الاسفنجية لأنها تمتص القدرات الفنية وتحاول تهميش الكثير من القضايا الوطنية للشعوب التي تعاني من الاستعمار والاحتلال والقمع وتحطيم الحريات ، وتاريخ هذه الجائزة وعبر الافلام التي حصلت على جوائز اوسكار كان للصهيونية دوراً كبيراً في ترسيخ فكرة اليهودي المعذب الذي يعاني ويناضل من أجل بقاءه حياً وقوياً – لا ننسى فلم – قائمة شندلر للمخرج سبيلبرغ الذي كان موضوعه عن الكارثة .

اليهودي في نظر الفن قاوم الفترة النازية بإصراره وانسانيته حتى استطاع الخروج من أزماته التاريخية متفوقاً مقيماً دولته . لكن رغم معرفتنا أن جائزة الاوسكار مثل الشبكة مليئة بالثقوب الا انها ما زالت تحمل الكثير من الثروات الفنية التي تمنح الفنانين والمخرجين وكل من له باع في عمل الافلام الشهرة والتألق والامتياز والوصول الى هذه القمة قيمة فنية كبيرة .

ووصول أي فلم عربي الى جائزة الاوسكار  يشعرنا أننا نملك القدرة على صنع الافلام وان مسيرة المئة عام في السينما المصرية والعربية  لم تضع هباء . اذا كنا نفرح للفلم العربي فكيف لا نفرح للفلم الفلسطيني الذي يعاني من الحصار وقلة الأموال المخصصة له ومن اختفاء دور السينما ، وتهميش الدور الفني أمام الدور المقاوم للاحتلال !! كيف لا نفرح ونحن نرى الفلم السينمائي الفلسطيني هو بطاقة المعاناة التي توزع على العالم لكي يرى بأم عينيه حقيقة الاحتلال وكيف يحيا الانسان الفلسطيني داخل جحيم المقاومة اليومية والفقر والاستيطان والجدار وسلب الاراضي وتحطيم اشجار الزيتون وحرق المزروعات والبطالة والسجون والزنازين والحواجز ..الخ ، والفلم الفلسطيني اليوم في العالم يوسع الدوائر ويخلق نوافذ  ويفتح الأبواب لكي تزداد العيون التي تطل على الوجع والجرح الفلسطيني ، الفلم الفلسطيني هو عبارة عن سفير واقترح ان تخصص السلطة الفلسطينية ميزانيات لنشر الافلام الفلسطينية لأن هذه الافلام  تؤدي دورها أفضل من عشرات السفارات الفلسطينية المنتشرة في أكثر الدول ولا نسمع عن عملها شيئاً رغم كل الدماء والاوجاع .

وها هو الفلم الفلسطيني يصل الى أعتاب جائزة الاوسكار ويدق ابواب النجاح ، المخرج الفلسطيني ” هاني أبو أسعد ” القادم من مدينة الناصرة يدق ابواب الاوسكار للمرة الثانية فقد وصل أول مرة حين ترشح فلمه الجريء ( الجنة الآن ) لكن الطغمة الجالسة على قمة اولمب هوليود نجحت في حجبه ، اذ لم يتعرض فلم عبر تاريخ الاوسكار لردة فعل قاسية مثلما جرى مع فلم ( الجنة الآن ) .

أطلقوا سراح التهديدات والكلمات والعناوين الدموية ، لقد اعتبروا فوز الفلم  آنذاك كأنه نجاح للمقاومة الفلسطينية وسيدمر دولة اسرائيل ، وصوروا ” هاني أبو أسعد كأنه بن لادن جديد لكن بدون لحية ويرتدي بدلة ” السموكن ” ويتحدث بطلاقة وثقة ، أنه سينسف هوليود ويحولها الى حارة فلسطينية تنبض بالحجارة والمتفجرات . عندما ترشح فلم ” الجنة الآن ” لجائزة  ” الغلوب الذهبي ” والتي هي الطريق المؤدي الى الاوسكار والمجتمع اليهودي في امريكا خاصة يرتكب حماقات التخويف والهلع ، لقد جندوا اموالهم وفتحوا الصفحات للهجوم وانشأوا مواقع على شبكة الانترنيت ، وقاموا بحشو بنادقهم برصاص الرفض فالفوز سيطير ويفتح العيون . ولم يحظ  الفلم بالجائزة ورجع ( الجنة الآن ) الى الجنة اللفظية .

وها هو فلم المخرج هاني أبو أسعد الجديد (عمر)  يقتحم الاوسكار ويقف على عتبته ، وحتى الآن لم نسمع الضجيج الذي سمعناه عام 2006 عام ترشيح فلم ( الجنة الآن ) ..! هل التفسخ والتفكك العربي الآن هو سبب  صمتهم ..!هل هم في حالة الاطمئنان والامان لذلك لن يلاحقوا فلم ” عمر ” الذي يحكي عن قصة الجدار والمعاناة والمطاردة الاحتلالية التي شوهت الحياة الفلسطينية لدرجة سحق مشاعر العاشقين .

حتى لو تم حجب الاوسكار مرة أخرى عن الفلم الفلسطيني،  نحن نعرف أن جائزة الاوسكار اشبه بشجرة الكاوتشوك التي تفرز حليبا لزجا ، ومهما حاولوا تجميل جائزة الاوسكار فإنها تبقى تحت ابط الصهيونية تدوخ برائحتها وعرقها العنصري كل من يسير عكس الاتجاه .