التصنيف : القصة (:::)
سعيد الشيخ (::::)
ثمة عصفور أخضر يقف على غصن أخضر، غصن يتفرّع من شجرة يابسة واقفة منذ سنين على حالها لا يبدو عليها الوهن ولم تطالها الهشاشة. ينتقل العصفور الى غصن آخر، وما أن تلامسه قدماه حتى يصير أخضر، ويعود الغصن الذي كان منذ قليل اخضر الى يباسه. يراقب العجوز المشهد وتصيبه الرجفة.
منذ أعوام عديدة وكل خريف يشهد مجيء العصفور في يوم معلوم من تقويم لم يتغير طيلة السنوات الماضية. أول ما يأتي، يأتي عند شقشقة ضوء النهار، ويحط عند حافة نافذة العجوز وينقر على الزجاج ثلاث نقرات لينتبه العجوز النائم الى وجوده، ثم يطير مسقسا الى أغصان الشجرة اليابسة دون غيرها ولا يبرحها ذلك النهار حتى تزف ساعة الرحيل .
يأخذ العجوز ركنا مظللا من الحديقة ويقضي فيه طيلة النهار لا يريد أن يجالسه أحد، ولا يُقدِم على طعام أو شراب يحضره له أهل بيته، يكتفي بنفسه وهو يرى تحوّلات الشجرة مع تحركات العصفور. وتصيبه الرجفة.
الرجفة من علامات الدهشة. وحده يعرف هذا دون إستشارة طبيب. فما أن يحل مغيب شمس النهار وهو وقت رحيل العصفور حتى تزول الرجفة ويشعر العجوز بحياة جديدة تدب في أوصاله.
رأى الكثير في حياته حتى أتى على كل ما يثير الإنبهار، لكن ها هو الآن ومثل كل عام في هذا الوقت وتحت تأثير دهشته يحاول فك غموض العصفور الأخضر والأغصان اليابسة التي تصير خضراء ما أن يحطّ عليها العصفور. يبحث عن العلاقة ما بين حيوية جسده التي يكتسبها ذلك النهار وبين ما تشهده الحديقة.
كان في السابق قد فكّر مرارا أن يقتلعها تحت إلحاح أهل بيته، وحين يهم بالفأس على جز الأغصان يأتيه هاتف من داخله يأمره بالكف عن حماقة إزالة صديقة عمره. الشجرة من عمره، حدّثه والده المدفون الآن بين جذورها بأنه زرعها تحت المطر حينما كانت أمه تولده في داخل المنزل .. كان الحاضرون من الأقارب يطلبون منه الدخول تلافيا للمطر وليشهد ولادة إبنه، هو الذي صار الآن عجوزا في الستينات. لكن الوالد كان مصرّا على أن يزرع الشجرة في اللحظة التي يشهد هو فيها النور، وتحديدا مع أول الصوت الباكي الذي ينشر يقين الحياة.
****
هذا العام أعدّ العجوز عدته لإصطياد العصفور … الحكمة لديه ما يستنبطه حدسه من الإخضرار الآتي من الطائر الصغير، وهي أن النعمة والبركة ستنزلان على المنزل مع وجود دائم لعصفور أخضر.
الأصوات الداخلية التي كان فيما مضى يذعن لها بعدم الإقدام على إزالة الشجرة من الحديقة، تعاوده هذه المرة أكثر عصفا في رأسه وتأمره بعدم إعتراض العصفور. تأتي ليال لا ينام الرجل فيها، يقضي الوقت متأرقا متعرقا يتصارع مع نفسه. يشعر أن آخرا يسكنه ويحرضه على الإمساك بالعصفور ووضعه في قفص داخل المنزل.
يستعين بحفيده لتنفيذ المهمة، الصبي الذي يحفظ أسرار جده، بخفّة يتسلق الشجرة ويوزع عيدان الدبق بين الاغصان. العيدان تشبه الأغصان الى حد قريب، حين يراها العصفور لن يرتاب ابداً بالشَّرك المنصوب له.
منذ الصباح الباكر جلس الاثنان يترقّبان أن يعلق العصفور ويلتصق على عود من العيدان. العصفور مفرط بالحركة وعلى إطلاق السقسقة، ما أن يحط على غصن حتى يطير الى آخر. كان الصبي مأخوذا بالاخضرار المورق الذي يصيب الاغصان فجأة. وفجأة تعود كما كانت، كما عهدها يابسة بلا أوراق خضراء.
إنتصف النهار والعصفور على حركته، بل إزدات لتتحوّل الى حركات بهلوانية، كأنه يعرف بأنه مُراقب وعليه ان ينصب للرائي الذهول. رجفة العجوز إنتقلت الى الصبي، إرتجاف دهشتهما التي تضع روحهما في خارج المكان، أو هو المكان يصعقه السحر فيدب في أوصالهما خدر لذيذ. خدر يجعل الجنة الموصوفة تحف بالجسدين فينبسط النعيم. لذّاتٌ على لذّاتٍ كانت فكرة العجوز أن تغمر أهل داره بإحضار العصفور الى المنزل بشكل دائم، لكن ها هو النهار يكاد ان ينقضي والعصفور حر طليق يصدح بما لا يصدحه طير، بدأ السأم ينتاب الصغير وخوف يتسلل الى قلبه بأن لا تنجح خطة جدّه بإمتلاك العصفور، وجدّه يتمتم بنشوة:
– الصبر يا بني .. العيش لا يأتي قبل الأوان ولا يدوم بعده!
دون سابق إنذار سكت العصفور عن السقسقة وأطبق على المكان صمت يشي بالرهبة. وقف العصفور على عود من عيدان الدبق يفرفر بأجنحته التي ما عادت تقوى على حمله للطيران. هبَّ الصبي مسرعا يتسلق الشجرة، أمسك بالعصفور ونزل به حذرا بعد تنبيه جده بأن لا يضغط بكفه عليه.
في باطن كفه يشعر الصغير بدفء العصفور وإرتعاشاته.
ما أن دلفا الى داخل المنزل مع أول العتمة، والعصفور صامت في القفص يرمق المكان بنظراته وكأنه يتفحص عالمه الجديد، حتى أعلن العجوز عن توعك في صحته. يشعر بضعفه بالثبات، وبدوار يجعله يفقد الادراك بالمكان. عيناه تبدآن بحركات الرأرأة قبل أن تأتيه نوبة من الإغماء.
أما الصغير فكان رأسه خفيفا ونام في سرير جده الذي أغمض وغفا.
في الصباح قام الصغير بخطوات متثاقلة غير معهودة الى القفص، إكتشف انه فارغ ولا أثر فيه للعصفور. فأرتد كالمصعوق الى جده ليحمل اليه النبأ، رآه مازال غافيا. وهو يهزه إكتشف أن جسده قد تحوّل الى خشبة يابسة، كأنها فرع من شجرة الحديقة اليابسة.
*****
بعد موت الجد ظل رأس الصبي خفيفا، ظل يلازم الحديقة وحيدا لا يسعى الى مخالطة أقرانه، يظلّ يرقب عودة العصفور وهو يتبلّل بالمطر، إنْ السماء أمطرت وتؤرجحه الريح إنْ هي عصفت. حين يجيء الصيف، الشمس تضرب رأسه .
كل يوم وعند هبوط أول العتمة ومع فقدان الأمل يقوم على غير هدى خارجا من المنزل، يجوب طرقات القرية طارقا أبواب المنازل سائلا عمّن رأى عصفورا أخضر يحوّل الأغصان اليابسة الى خضراء.
الطواف المسائي هذا غالبا ما كان ينتهي بالصبي مغميا عليه في الطرقات، لا يعود الى منزل ذويه إلا محمولا أو مسنودا ولسانه يهذي بالعصفور الأخضر والدنيا تدور به وتدور..
في غيبوبته كما في صحْوِه، سوى الإخضرار لا يرى.
* من مجموعة “جنائن الهستيريا” تصدر قريبا





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

