أأيقاظ أنتم أم نيام ؟!

 

التصنيف : اراء حرة (:::)

طلال قديح  – السعودية (:::)

منذ اندلعت شرارة الثورة في تونس  ، ثم تمددت واتسعت لتطال بلاداً عربية أخرى كثيرة، من المحيط إلى الخليج . وكان الكثيرون يعلقون عليها آمالاً كباراً، في طليعتها تصحيح الأوضاع المتردية إلى الأفضل، والنهوض من حالة الجمود ليبدأ حراك مدروس يفضي إلى خير، وينتشل الأمة من  معاناتها لتحتل مكانها الرائد في عالم اليوم، خاصة وأن لها من الموقع والإمكانات والتاريخ والعقول المبدعة ما يؤهلها للصدارة في كل المجالات بلا اسستثناء.

ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن! فالواقع مرير مرارة الصاب والعلقم.. وهو جد خطير إذا لم يتدارك الحكماء والعقلاء الأمر، فيأخذوا مواقعهم – مجردين من كل غاية آنية إلا خدمة الأمة العربية كلها- ويتحملوا الأعباء كاملة بلا كلل أو ملل ، فكل غال يرخص في سبيل رفعة الوطن وعزته، وبقائه حراً سيداً أبياً.  ومما يؤسف له أننا نعيش أياماً عصيبة ،وحوادث جسيمة تتمثل في دوامة العنف التي أضرت بالبلاد والعباد واكتوى بها الأبرياء الذين لا ناقة لهم فيها ولا جمل ، وإنما أملهم أن يعيشوا آمنين مطمئنين بعيداً عن أصحاب التجاذبات والمصالح والأجندات التي لا أول لها ولا آخر.

فقدت الأمة العربية – وسط هذا الهياج الصاخب بوصلتها- فتكاثرت عليها النوائب تكاثر الظباء على خراش.. فما يدري خراش ما يصيد ؟!  الأمر محير حقاً ، فأنى اتجهت في عالمنا العربي، تجد كل بلد مشغولا بنفسه، ولديه من الهموم ما يفوق طاقة التحمل ! وهذه أسعد لحظات الأعداء ليجدوا الفرصة مواتية لنصب فخاخهم ، وبث سمومهم ، وتحقيق أحلامهم.. وبسرعة فائقة فبل أن يفيق العرب من سباتهم!

من قال إن بعض الدول العربية تشهد صراعات عرقية وطائفية، تطالب بالتقسيم وإقامة دول خاصة بها ، تناصب العروبة العداء، وتفتعل أسباباً واهية وغير مقنعة!.. وما الحوادث الدامية، والتفجيرات المرعبة، وما ينتج عنها من تدمير وقتل للأبرياء حتى ارتوت الأرض بالدماء وارتفع صوت النحيب والبكاء على الشهداء.  إن ما تشهده الساحة العربية بدءاً من العراق وسوريا ومرورا باليمن والسودان ومصر ووصولا إلى ليبيا وتونس، يندرج تحت خطة واحدة محكمة, وتعمل وفق مخطط جهنمي وأجندات معينة، كل هدفها ألا تقوم للعرب قائمة وأن تتفكك البلاد العربية إلى كيانات ودويلات ضعيفة غير قادرة على الصمود وحدها بل تبقى عالة على غيرها مما يمكّن من تجنيدها وفق الهوى والمصلحة، وأن تظل خادمة تؤمر فتطيع! وتسير في الركب كالقطيع.

كان حلم الوحدة العربية متجذراً في عقول أجيالنا، متجسدا في كل أعمالنا وأقوالنا، مؤمنين بأن لا عزة للعرب إلا بوحدتهم ، وهي سبيلهم الوحيد لصون الاستقلال وحماية الثروات ، وحصنهم المنيع ضد كل الغزاة.. وظللنا نمني النفوس بهذا الأمل.. حتى وصلنا إلى هذا الزمن الغريب الذي أصاب حلمنا في مقتل ،وجعلنا نبكي الماضي ونتحسرعليه أسفاً، ونرتعد خوفاً وفزعاً لما نحن غارقون فيه ، فنلتمس النجاة بأية وسيلة !

اما الحال اليوم التي تمخض عنها الربيع العربي ، فقد نتج عنها سلبيات وتداعيات كثيرة أولها الحالة الأمنية المزرية التي لم يعد فيها المرء آمناً على نفسه وماله بسبب كثرة اللصوص الذين وجدوا فيها مناخاً مناسبا للثراء والغنى. وتدهورت الحالة الاقتصادية بشكل لافت فأصيبت الزراعة والتجارة والصناعة والاقتصاد كلياً بضربات موجعة قد يحتاج إصلاحها وقتاً طويلاً، وجهوداً حثيثة، وإمكانات خارقة.. كان يمكن ألا يصل الأمر إلى هذا الواقع المرير لو غلًّب كل واحد المصلحة العامة على مصلحته أومصلحة حزبه أو جماعته..لأن الوطن باق بينما ماعداه إلى زوال ، طال الزمن أو قصر.

ومما يدمي القلب ويملأ النفس أسى وحسرة أن يجد أعداء العرب في هذا الوضع المترهل ، فرصتهم.. فيسوّقوا عبر إعلامهم وعملائهم ما يؤزم الموقف ويزيده اشتعالاً.. ويرفع بعض المخدوعين شعارات هي في الحقيقة برق خُلّب لا خير فيه ولا نفع يرجى منه.

وفي خضم هذه العواصف العاتية نسينا قضايانا المصيرية وفي طليعتها قضية فلسطين التى ضحى العرب بلا استثناء من أجلها ليحقق أعداؤنا ما كان يبدومستحيلاً..فينشغل كل بلد عربي مرغماً، بهمومه ومشاكله فلا يلتفت لسواها!

وما أحوج العرب اليوم، وقبل أن يتسع الخرق على الراقع، إلى أن يتقوا الله في أمتهم ووطنهم وابنائهم ، فالدم واحد والمصير واحد ! اتركوا كل الرهانات الأخرى المغلفة بالمن والسلوى، والتفتوا إلى أمتكم وبلادكم ولا تراهنوا على شيء سواها.. فهي الملاذ  أولا وأخيراً.  ولا شيء قبلها ولا شيء بعدها.. بلادك قدّمها على كل ما عداها، ومن أجلها صادق وسالم ومن أجلها عادِ وخاصم.

ومن تؤوه دار فيجحد فضلها   يكن حيواناً فوقه كلُّ أعجمِ  ألم ترَ أنّ الطير إن جاء عشّه  فآواه في أكنافه يترنّمِ

* كاتب ومفكر عربي.

م