الكون المشهود وخيالات المبدعين

 

التصنيف : فن وثقافة (:::)

بقلم: بكر السباتين (::::)

الكونُ وحدةٌ كليةٌ لتفاصيل المعنى.. وحينما نبحث عن هذه الوحدة الكلية في عقل المتلقي فلا نجد إلا القليلَ من التفاصيل المتشرذمة .. والمفرداتِ غير المترابطةِ إلا في جزيئات متاحة.. والمؤشراتِ التي يستعين بها عقل المتلقي لمحاولة تركيب ما يُتاح له من الفهم الكلي للكون وفقَ طاقاته الذاتية مهما تعمقت خبراته. وهكذا الحال بالنسبة للإحساس الجمالي لمنظومةِ التفاصيل التي يتركبُ منها المعنى الجمالي والتكويني الكلي لكونٍ منسجم في تكويناته الحلزونية والمستقرة. كونٌ تترجمُ تفاصيلَه المرئيةِ ألوانٌ منسجمةٌ ذات أبعاد محكومة إلى الظلِّ والضَوْءِ، التي تعجُّ في عمقها تفاصيلٌ تترجمها خطوطٌ وبقعٌ لونية يمكن إعادة تشكيلها من قبل المتلقي، حسب موقعه من اللوحة الكونية، ذات التكوينات المتغيرة التي تداعب حواسَّ المتلقي، في المدى الإدراكي للواقع المشهود، حيث ستختبئ الفيزياءُ وراءَ الشكلِ المليء بالأبعاد التي يستوطن فيها المعنى المجازي؛ لأنَّ التفاصيلَ المحكومةَ بفيزياءِ (الكمّ)الإشعاعية، وموجاتِ الرادار التي بواسطتها نقدّر تاريخَ الكون، ونسبيةِ (أينشتاين) التي تحدثُنا عن البعدِ الرابع (الزمن)، وترسِّخُ في مداركِنا جانباً مخادعاً نراه في التكوينات اللونية الجمالية للوحةِ السماءِ الكونية، فيما هو غيرُ موجودٍ؛ كبعضِ النجوم التي تبتسمُ في وجوهنا فيما هي مفنيةٌ بعدما نفدت طاقتُها الإشعاعية. لذلك يفهمُ الجمالُ الكونيُّ الحسيُّ، من خلال التكوين المحسوس لجانبٍ كونيٍّ، تستلهمه أحاسيسُنا، من خلال ما تدركُهُ عقولُنا من كونٍ محدَّبٍ فوقَنا، حتى يلامسَ الآفاقَ المحيطةَ بالمتلقي؛ وصولاً إلى المكان المُعدُّ للاستلهام ما بينَ يدِ الفنان المتلقي للإشاراتِ الكونيةِ المُلهمة.. فيستعير ما يجيزه المنطق والتكوين للشروع في التعبير. فلوحةُ الفنانِ المبدعِ الذي سيستلهمُ  من التكويناتِ الجماليةِ الحسية للفضاءِ الكونيِّ المشهود، رؤيته الجمالية؛ حتى يغذيها بمفردات الفهم المنبعثة من واقعه الذي يعيش، سيعيد رسم الواقع منة خلال آفاقٍ كونية الأبعاد تجدد من طاقات التفكير وتساعد على ابتكار الخيارات واستنطاق المجاهيل في معادلة التناغم الكونيِّ للمعنى والوجود- كي تتفاعلَ مع الظلِّ والضَوْءِ من خلال متوافقات الألوان ومن ثمَّ وقعها على المتلقي من أجل إخراج المعنى من مخابئِه. ذلكَ الفنانُ الذي يستلهمُ  الجمالَ الكونيَّ فلا يستنسخه.. والمتلقي الذي يستوحي دلالاتِ الفهمِ من تكويناتِ اللوحةِ دون أنْ يستنسخَها.. لذلك فالإنسانُ يستعصفُ أحاسيسَهُ من إبداعاتِ الفنان.. فيما يستعصف الفنانُ أحاسيسَهُ من الكونِ المليءِ بمعطياتِ الجمال ( بعيداً عن الفيزياء التي تخطط للامتداد عبر الكون ) لأنَّ الفنانَ المُلهمُ قد يصل بالمتلقي إلي أعماق التكويناتِ الكونية فيما لا يبرحَ الفيزيائيُّ بمنطقِ التفكير أبعدَ بقليلٍ من المساحاتِ الكونيةِ التي يطالُها المرقابُ المحمولُ على الأقمارِ الصناعية. وكلما استحوذَ المتلقيُ من خلالِ حواسِّهِ على مفردةٍ جماليةٍ؛ يكون قد نهلَ من جوهرها الكونيِّ مدلولاتِهِ الذاتيةِ، لترجمة ما استعجمه هذا المتلقي من تراكيبٍ جزئيةٍ قدْ تصلُ إليها حواسُّهُ في محيطِهِ الواقعيِّ. الفنانُ المبدعُ لا يقدر بمعطياتِهِ الحسِّيِّةِ إلاّ أنْ يستلهمَ منَ الكونِ المشهودِ مفرداتِ المعنى المجازيِّ للمحيطِ الواقعيِّ المُبهمُ في بعض جوانبِه. فهو يغوصُ بخيالهِ المُجنحُ إلى أبعدِ نقطةٍ قدْ يصلُها السؤالُ للعودةِ بالمشهدِ الممكن واستعارة الصورة المناسبة للموقف ومن ثم تكوين الرؤيةِ الفكرية.. فيما يأخذُ الخيالُ الفيزيائيُّ صاحبَهُ إلى آفاق قدْ لا تتجاوز الفرضية حتى يتثبتَ منها باختبارها على قواعدٍ ونظرياتٍ فيزيائيةٍ ورياضية؛ ومن ثم تحديد شكل هذه الفرضية في العالم الافتراضي، التي لو أثبتت؛ سيتحصَّلُ الفيزيائيُّ على درجةٍ متقدمةٍ تمكنه من الصعودِ  البطيءِ نح العمقِ الكونيِّ المشهود بالعين المجردةِ، أو بالمرقابِ المحمول على الأقمارِ الصناعيةِ التي تعومُ في كون لا يتناهى.. فضاءٌ يتقاسمه العالمُ والفنانُ.. فضاءٌ (على اتساعه) قدْ يخبئُه ناسكٌ متعبدٌ في قلبِهِ العامرِ بالإيمان.. ويتلمس جوانبَه المشهودة فيزيائيٌّ مخضرمٌ مدربٌ على تطويع الوسائلِ لغزو الفضاء..أو فنانٌ يقدِّرُ جمالَهُ الكليِّ من خلال الغوص في تكويناتِهِ اللونيّة. إنَّهُ كونٌ مُلهِمٌ، وعطاياهُ لا يدركها إلا المبدعون. كونٌ جميلٌ محكوم بقوانين الفيزياء. وتستفيق أبعادُهُ الروحيةِ في قلوب المؤمنين. فيما يغوص في أعماق تكويناته الحسية والجمالية خيال المبدعين المجنح دون ضوابط وبلا حدود!!

*فلسطيني من(الأردن)

رابط المؤلف:

http://www.bakeralsabatean.com/cms/component/option,com_frontpage/Itemid,1/