هاملت (2)

 

التصنيف : القصة (:::)

الرواية الجديدة للدكتور : أفنان القاسم – باريس (:::)

كانت الزنابقُ في مَضْرِب الهنود الحمر تبكي الزنابقَ، فلا عينٌ هناك تذرف الدمع عليها، وكانت بقعُ أزهارِ البَبْرِ تُشْبَعُ بلون العقيق، فيزداد جمالها على جمال، وتُعمى الجبال لجمالها. أظلم النهار على أكف الموج، فارتدى نهرا ساكرامنتو والأَمِرِيكان ريفر شِفَّ الدُّجى. البراكين التي لم تَصْحُ، تعالى دخانها، والأشجار التي لم تَعْدُ، تداعت قاماتها، والصخور التي لم تَحْبُ، رزحت تحت أعبائها، والروابي التي لم تَشْدُ، حارت في أمرها، والذِّئْبَات التي لم تَلْغُ، غَمَضَت لغتها، والغيمات التي لم تَنْبُ، ثقلت أمطارها، والسماوات التي لم تَبْدُ، عتمت أقواسها، والآلهة التي لم تَغْفُ، اغتمضت أعينها، والملائكة التي لم تُفَضّ بكارتها، لا تُفَضُّ، أطلقت للشياطين الحَبْل على الغارب، كيلا تقطعَ الأملَ فيما تصبو إليه، يائس أملها، والأرواح التي لم تَرْجُ، ولم تَسَلْ لِمَ، امحت أفواهها، والأشباح التي لم تَأْلُ، غدت رمادا، والكلاب التي لم تَعْوِ مع الذئاب، ولم تَجْثُ مع الثعالب، هامت في كل واد، والحوافر التي لم تَعْدُ، ازدردتها المستنقعات، والرماح التي لم تَغْلُ، أحجمت البطون عن اختراقها لها، والسهام التي لم تَرْبُ في النعمةِ، هدهدتها النهود، والطبول التي قالت للعالم ما أقبح العالم، ولم تقل للعقول ما أحلى العقول، لم تَسْنُ ومضًا في الوادي الكبير، والمناقير التي تَفَتّح النرجس عليها، لم تَذُبْ ذوبان الماء في المرايا، لم تَطِرْ، لم تُبْحِرْ، لم تَرْسُ في ميناء الذات، والمخالب التي رَقّت على بطن أهوج، لم تَحْدُ بها الشهوات، والأنياب التي آثرت أعناق الشُّحْرِيَّات، لم تَسْمُ من قبورها ليلاً لتمتص دماء الغافين، والتوت الذي كان كاليفورنيا لنابليون، لم يَحْلُ على شفة الدولار، والدعسات التي قالت للأقدام أنت مملكتي، لم تَغْفُ بين أسنان البحر، واللمسات التي وثقت بالرياح، لم تَفْلُ فِلْوَ العواصف، والقبلات التي سعت على الأفخاذ إلى هلاكها، لم تَرْجُ الشلالات، والأحلام التي كانت أحذيةً، لم تَعْلُ الرؤوس، والأماني التي عرفت الطريق إلى الحلمات، لم تَلْهُ مع السكاكين، والأوهام التي أزهرت في حدائق النفوس، لم تَنْحُ نحو القلوب، والآهات التي جعلت لونها الشحوب، لم تَكْبُ كبو الجواد، والتنهدات التي انبثقت من عَكَرِ النهود، لم تَصْفُ ما تحت الشعور، والأنفاس التي شربت من الهواء أعذبه، لم تَنْجُ من أحابيل البيئة… كان ذلك لاجتنابِ ضررٍ ليس في الحسبان، وكما أضاع أحدهم صراخه سدى: “ليس الخطر ما نرى وإنما ما لا نرى!”، فليكن الجحيم.

* * *

قرعت أجراس الكنيسة، وهم يُخْرِجون جثمان السنيّ هانس كييركغارد، إلى عربة سوداء، وحشد من المشيعين يتبع صاحبة المقام الرفيع جيرترود التي تعتمد على ذراع كلوديوس، شقيق المرحوم زوجها. كم كانت مشعة في ثياب الحزن، السيدة كييركغارد! كم كانت مشتهاة، وهي تُنَشِّفُ بمنديلها الدمعات السائبة على خدها! كم كانت أبعد ما يكون عن الموت، والموت أبعد ما يكون عن مملكة الدانمرك! كم كان الحزن فَرِحًا! كم كان راعي البقر دَمِثًا! كم كان القبر أَنِسًا! كم كان ديونيسيوس شاربًا وممثلاً ! كم كان هرمس بطلاً ولصًا! كم كان أبولو باهرًا وشاعرًا! كانت كل شيء يتحول، إرادة الذهب كانت، للنويسات إمتاع العين، الأوباشُ منها والأشراف، وللحيوانات ارتواء اللسان، اللواحمُ منها والصُّهْبُ. ومن حولها كانت تثير أهواء الآلهة، وتبًا لعابديها إن هم رؤوا فيها أنفسهم عرايا في فراشها! وكانت تثير أحقاد الناس، لأنهم ليسوا موتاها، وهذا ليس حدادها عليهم، وهذا ليس حزنها لأجلهم، وهذا ليس دمعها الذي كانوا سببه كي تمتد أياديهم من قبورهم لتمسحه لها. كانت جيرترود، وهي في ثيابها السوداء صورتها عارية في الظلام، جسدها الأبيض، شلال الموت، عُقاب الوقت، لحن الخلود، كانت الوهم الحقيقي عندما ينام المرء وحده في الفراش، والحقيقة الوهمية عندما يصحو في الصباح ولا يجد أحدًا معه. كانت جيرترود، يكفي أن يقول المرء كانت جيرترود. في المقبرة، أنشد القِس قبل ذهاب الفقيد إلى دار الخلد:

“عندما لم أعد هنا، أطلقوني اتركوني أرحل لدي الكثير مما أفعل وأرى لا تبكوا وأنتم تفكرون فيّ للسنوات الجميلة كونوا شاكرين لقد منحتكم صداقتي احزروا فقط احزروا السعادة التي حبوتموني إياها. أشكركم للحب الذي أبداه لي كل واحد منكم الآن حان الوقت لأرحل وحدي ستحزنون لفترة قصيرة وستجيئكم الثقة بالراحة والمؤاساة سنفترق لبعض الوقت فاتركوا للذكريات تخفيف ألمكم لست بعيدًا والحياة ستواصل الحياة… إذا ما احتجتم إليّ نادوني أَجِئْ حتى لو لم تستطيعوا رؤيتي أو لمسي، فسأكون هنا وإذا ما استمعتم إلى قلوبكم، فستشعرون جليًا برقة الحب الذي سأجلبه معي وعندما يحين موعد رحيلكم سأكون هنا لاستقبالكم غائبًا عن جسدي حاضرًا مع الله”

آمين!

* * *

جرع هاملت من الويسكي الكأس تلو الكأس في الصالون، وهو لا يبدو عليه أنه عازم على التوقف. كان فريسة لِرَهَقٍ أقرب إلى قَطْلِ الأشجار، ولم يكن حزنه على أبيه الحزن المرافق له كل يوم، لم يكن ألمه ألماس الليل، كان حزنه الحزن، كان ألمه الألم، الكل أدرى بوجيعته، ووجيعته هو كانت النَّقص الطبيعي في جوهر الأشياء.  – أرجو أن تكون الأخيرة، يا سيد هاملت، جمجم البارمان، وهو يصب الويسكي في غاية الأدب. – ما قبل الأخيرة، قذف ابن المتوفى هانس كييركغارد بتبرم. – كما تشاء، يا سيد هاملت، عاد البارمان إلى الجمجمة في غاية الأدب، وبعد ذلك، سأطلب من أحدهم أن يرافقك. – هل تريد أن أقول لك شيئًا، يا أوسريك؟ عاد هاملت يقذف، وهو يختلج في نفسه. – على الرحب والسعة، يا سيد هاملت. – لا تكن جِدَّ لطيفٍ معي! هذا الخراء الذي أشربه لا يعطيني من المتعة أقلها، متعتي ألا أشعر بأية متعة، وأنا لن أشعر بأية متعة في الخراء الذي أغطس فيه حتى شوشتي. – إنه يوم دفن صاحب المقام الرفيع أبيك، وشخصيًا ما أردت سوى… – أنت تضجرني، يا أوسريك! هب هاملت صائحًا، وهو يستشيط غضبًا. كل محيط الخراء هذا الذي أغطس فيه، ولا تراه، يا ذا البصر الحسير! العدوّ أمامي والبحر ورائي، وأنا لا خيار لي غير الذهاب إلى الموت بمحض إرادتي. – إلى الموت، يا سيد هاملت؟ ما هذه الأفكار السوداء؟ أنا أفهم حزنك على صاحب المقام الرفيع والدك، ولكن أن تريد الذهاب إلى الموت بمحض إرادتك! – وماذا تراني أفعل بهذا الخراء؟ لن أنعم بحلاوته كما ينبغي إلا إذا نعمت بحلاوته إلى حد مشاركة هاديس في فرحه! – سأرسل أحدهم إلى عمك في الحال، يا سيد هاملت، لا أريدك أن ترتكب أقل حماقة عندي في الصالون. – الحماقة التي سأرتكبها ليس الآن، يا أوسريك، فاطمئن. حمل كأسه، واقترب بقبعته المائلة وشعره المنكوش من عازف البيانو. – لماذا لا تعزف؟ سأل هاملت عازف البيانو، في الكنيسة يعزفون على الأرغن ليشنفوا آذان الموتى، وأنت لا تعزف لتشنف آذان الخارجين على القانون! – أرجو المعذرة، يا سيد هاملت، جمجم عازف البيانو في غاية الأدب. – إذن اعزف، أيها المُرائي! – مُراءٍ أنا! – عَبِّر عن ألمك بالعزف إذا كنت صادقًا، فلا كلمات للألم، للألم نوتات على إيقاعها ترقص النفوس المعذبة. – صدقت، يا سيد هاملت. – الحياة رقيقة الحواشي، ابنة كلب! ذهب عازف البيانو بعينيه إلى أوسريك البارمان، فحرك هذا رأسه علامة الموافقة. سمع كل من كان في الصالون موسيقى ناعمة لم تَرِقْ للحزين هاملت، ولم تدغدغ حزنه. أخذ مجلسًا إلى جانب العازف، وراح يضرب على الأصابع العاجية ضربات قوية جذبت إليها بعض عاهرات المكان، من كل مكان، ومن كل الألوان، بيضاء وسوداء وهندية، رحن يضحكن ويرتججن ويغنجن، فعمت الجلبة كل زوايا الصالون: اللاعب يلعب بحرارة، والشارب يشرب بمرح، والراقص يرقص دون رياء. عاد الكل إلى طبيعته، ما عدا البارمان أوسريك، وهو يعبس، ويتصنع الحزن، إلى أن راح هو الآخر يشارك في أوركسترا الحياة. جرع كأسًا، وابتسم لما رأى هاملت يقوم ليرقص، ويحتضن، ويقبّل، ويهمس: “خذيني زوجًا، يا أوفيليا! هذا الجرذ سيكون وفيًا لك، يا أوفيليا! لن أجعل من سان فرانسيسكو عاهرة، يا أوفيليا! ولا من لوس أنجلس مشخخة، يا أوفيليا! ولا من ساكرامنتو غير ساكرامنتو التي يضاجعها كلوديوس، يا أوفيليا! سألذك كماخور، يا أوفيليا، ولن أكون فيك كالآخر الذي فيّ خراء!” في تلك اللحظة، كان هاملت غير هاملت، كان يطل من خارج كل الشهوات الطبيعية، بسعادة ما شابتها شائبة. في ثياب الحداد، حاولت أوفيليا ألا تدوس بقدمها الهنود المُغَرَّبين المترامين هنا وهناك، ودفعت باب الصالون، فظهر القمر في سماء الفوضى والدخان بوجه شديد الشحوب. تقدمت من هاملت بخطوات عازمة، وعلى مرآها، أخذ عالم الجريمة والرذيلة يسقط في الصمت شيئًا فشيئًا. جذبت هاملت من ذراعه، وخرجت به، وهاملت يبدو عليه أنه تحمل الإزعاج دون تذمر. ربط مطيته بعربتها ذات الحصان، وركب إلى جانبها. وهما على وشك الذهاب، سمعا طلقة، فَجّرت رأس أحدهم، أو قلبه، أو أحشاءه، تبعتها صرخة، والناس من حولهما، تطايروا شَعَاعا.

* * *

احتل كلوديوس مكتب أخيه، وهو في ثياب الحداد. كان يبتسم لكل شيء فيه، للكرسي، للطاولة، للستارة، لرأس الثور، للسرج، للبردعة، للريشة، للمِحْبَرة، للسجادة، للسقف، للسماء، كان كل هذا يفعل فيه فعل السحر، وكل هذا كان يبعث في نفسه الشعور بأنه الساحر، سيد الرُّقى، وأبو الثعابين. الحيازة تساوي الملكية في مملكة دون ملك! أخذ يلهث، وكأنه يمارس الفعل التناسلي مع امرأة، تدلى لسانه، وسقط برأسه على صدره. أوه! جيرترود، همهم. مد ذراعيه، ليجمع العالم. كانت متعته أكبر من المتعة، فبدا العالم أقل اتساعًا من امتداد ذراعيه. تباعدت رغباته أقل مما كانت رغباته، وتدانت مواضيع هذه الرغبات أكثر مما كانت المواضيع، فتعادلت مباهج العقل وملذات الجسد. كان حرًا كالنحل في حديقة لا زهرة واحدة فيها، فالحرية أن تمتلك ما ليس موجودًا، ما ليس لك، ما سيقول لك عقلك بوجوده، ما ستمتلكه، فَلَذَّةُ الجسد أن تمتلك. أخذ رأس الثور بين ذراعيه، وهمهم من جديد: أوه! جيرترود. قَبَّلَهُ بحرارة، وأدخل فيه رأسه. كان عليه أن يخوض غمار معارك عديدة، وينتصر فيها، في الشرق وفي الغرب، في الشمال وفي الجنوب، في كل أمريكا، في كل القارة، في كل القارتين، في كل القارات. ضرب بسنابكه الأرض، وراح يعدو من مكان إلى آخر، وهو يجأر من حين إلى آخر، وعلى سماع صوته، كان يرفع رأسه المدفون في رأس الثور عاليًا، ويحركه حركات الراضي الرضيّ، فكل ما يفعل سيكون له نصرًا كوكبيًا، كل ما يفعل سيكون له حقًا طبيعيًا، كل ما يفعل سيكون بإرادة صاحب العرائس الذي جعل من كل واحد فينا بيدقًا أبديًا. لنضاجع الظلال، أيها الثور، على بطن الحبيبة! لنأخذها بشفتيها! لنربطها بجديلتيها! نعم، لنربطها بجديلتيها! أوه! جيرترود. وهو في ذروة الانتشاء، دخل عليه بولونيوس، وبيده ملف اليونيون باسيفيك ريلرود. – مات العظيم هانس، بدأ بولونيوس كلامه، فهل تموت السكة الحديدية معه؟ لن تموت، يا سيدي، فالحديد لا يموت، وسؤالي للنفي والتوكيد. – ألم تزل تحتفظ به؟ سأل كلوديوس، وهو يخلع رأس الثور، ويضعه جانبًا. – هذا الملف؟ ستلتهمه النيران بعدة ثوان، فلا يكن بك هم. – ما يشغل بالي شيء آخر. – هاملت. – ما يشغل بالي أمر زواجي من جيرترود. – اليوم دفنا أخاك، يا سيدي. – لهذا. – جيرترود منذ اليوم زوجتك دون زواج. – تنسى هاملت. – هاملت سينسى. – أريد أن يتم كل شيء رسميًا: تتويجي على مملكة الدانمرك، زواجي من جيرترود، امتلاكي لليونيون باسيفيك ريلرود. – بالتأكيد! ساكرامنتو لك في أي وقت تشاء، وجيرترود لك مع تمام الأربعين يوم حداد، واليونيون باسيفيك ريلرود لك هذا المساء. يكفي أن توقع على نسخة جديدة من هذا العَقد ليذهب به رينالدو إلى الحكومة الفيدرالية. – تقول أربعين يومًا! – يكون رينالدو قد عاد لك بالشرعية. – لا تتلفظ بحماقات! – أعوذ بالله! – بئس الرجل، أيها الرجل الأبيض! – الريح تُميل السفينة. – أنا الريح! – لِنُلِحّ على هذا القول. – أي قول؟ – كل ما في الأمر أنني لا أنسى الصعوبات. – انسها، هذه الصعوبات، آمرك بنسيانها! – نسيتها، يا سيدي. سأنفذ أوامرك ويداي على رأسي، وقت زواجك، وكل وقتنا، فنحن دقات في ساعتك، حركة العقرب التي أبدًا لا تتوقف، وحركة الجسد في السديم. الحيازة هي زوال الحيازة! الاغتصاب ليسه! الاعتداء ليسه! الإكراه ليسه! كيف نسمي الاغتصاب اغتصابًا، وقد وهبناك الجسد؟ والاعتداء اعتداءً، وقد جعلنا لك من نسائنا معارك نصرناك فيها؟ والإكراه إكراهًا، وقد غدا الإكراه على يديك الإقرار بالإكراه؟ حك بولونيوس عود ثقاب، وهو يرتعش كالورقة في مهب الريح، وأحرق العَقد القديم الخاص بالسكة الحديدية.

* * *

صاح هاملت بأوفيليا تحت ضغط فكي اكتئابه عليه: – فاجأتِ كل الرواد بدخولك في الصالون، فمن تظنين نفسك؟ أختي، أمي، ابنتي، زوجتي، قحبتي؟ قولي إنك قحبة هذا الجرذ الذي لم يكفِكِ أن يكون قرنان له! – جرذ أنت، يا هاملت! احتجت أوفيليا. أين ذهب قَدْرُكَ؟ – مع الأمواج! ألقى هاملت. آه! كم هي ثقيلة، الأمواج، كم رائحتها كريهة. إنه ذنب قَدْري، فأنا لم أحسن الحفاظ عليه. أقبل تعازيك، يا أوفيليا! هاملت يقبل تعازيك، أليس هذا ما جئت من أجله؟ لا بأس أن تطحنيه احتقارًا أمام أعين كل من هم في الصالون، فهو لا يخسر فقط قَدْره، هو يخسر كل شيء. – معذرة! همهمت أوفيليا، لم أكن أريد سوى تخفيف حزنك وألمك. – كيف تكون للطيور السوداء قوة التخفيف من مصائبنا؟ – طائر أسود أنا! احتجت ابنة بولونيوس، ثوبي هذا لحدادي على إنسان كنت أحبه كما أحب والدي. – وأنا؟ وأنا؟ – وأنت، وأنت. – ألم أكن أحبه أنا؟ – ألهذا كنتَ تريد أن تثمل؟ – كأسي ثوب حدادي. – سأخلع ثوب الحداد من أجلك، وأترع معك الكأس تلو الكأس. – كيف تجرؤين؟ صاح هاملت بأقصى قوة، وهو على وشك الانهيار. – أفهم كل هذا الألم، كل هذا الحَنَق. – أنت لا تفهمين! – أدرك كل هذا الرعب، كل هذا الذعر. – أنت لا تدركين! – أعلم كل هذا الجهل، كل هذا الحمق. – أنت لا تعلمين. – فلتكن إذن كئيب الفؤاد! – كقاتل لم يَقْتُل، هذا ما أسعى لتحقيقه هدفًا. – سأذهب. لكنه جذبها: تعالي هنا، يا شجرة! – دعني أذهب. – ليس قبل أن ألوثك، خراء! سنخلع الكأس، ونشرب الثوب! ليس قبل أن أخفف قليلاً عني، فأنا مثقل بالذنب. – ماذا أنت بفاعل، يا هاملت؟ – ليس أكثر من اغتصابك! في المرة الماضية اغتصبت أوفيليا هاملت، وهذه المرة يغتصب هاملت أوفيليا! – هاملت، لا تكن الذئب الذي فيك! سعت إلى تخليص نفسها، فمزق ثوبها، ورماها تحته. – لا، يا هاملت، أنت تسيء إليّ السوء الأقصى لامرأة يساء إليها. – هذا ما أسعى إليه. – هذا الفعل لن يخفف شيئًا مما أنت فيه، سيزيدك هذا الفعل ألمًا على ألم، وحزنًا على حزن، ولن تقول بعد اليوم أنا ابن العظيم هانس، أنا ابن ملك الدانمرك، أنا وريث الإنسانية! – العظيم هانس، من هو؟ ملك الدانمرك، من هو؟ الإنسانية، ما هي؟ كل هذا ليس شيئًا آخر غير هذا: الحفر في الفضاء، النقش في النار، النحت في الريح! من أنت، يا هاملت؟ هل يتهاوى هاملت كما تتهاوى الجبال؟ منذ متى تهزم الرياح الأعاصير؟ كيف تبزغ الشموس على رؤوس السنابل؟ أحست بلذتها تتلاشى قبل أن تبدأ لذتها، وهو فوقها يتراخى قبل أن يتراخى، ويتداعى قبل أن يتداعى. – ما بك، يا هاملت؟ سألت أوفيليا خوفًا عليه، وهي تجذبه إلى صدرها. – وتسألين ما بي! أنا المتعدد الألوان، المتعدد الأشكال، المتعدد المعاني! دفعها، وراح يحملق كالضائع، وينظر بين قدميه كمن يبحث عن شيء. – أين أنت، يا أوفيليا؟ انظري إلى هاملت كيف أضاع هاملت! كل هذا النمل هو هاملت! النمل يزحف، ويذهب في كل الاتجاهات. إلى أين أنت ذاهب، يا هاملت؟ أحس بالاختناق! النمل يخنقني دون أن يعلم أنني النمل! هاملت يخنقه النمل! هاملت يخنق هاملت! اللحن الحر! النمل يعزف! ما أجمل موسيقى النمل! هل تسمعين، يا أوفيليا؟ كل هذه الموسيقى من أجلك! الموسيقى! كل هذه الموسيقى! في دماغي! كل هذه الموسيقى في دماغي، في كِياني، في جُوّاي! كل هذه الموسيقى! أغمض هاملت عينيه، وأغفى. – كل هذه الموسيقى! عاد يهمهم، وعيناه مغمضتان. هل هذا هو صوتك، يا أبي؟ كل هذه الموسيقى! كل هذه الموسيقى! ردد، وهو يبتسم مغمض العينين. فجأة: كل هذا الخراء! ونهض ليأخذ أقرب شجرة بين ذراعيه، ويجامعها، ويضربها، ويلعنها: – تبًا لك، يا أبي! – ما بِكَ، يا هاملت، يا دين الرب؟ ما بِكِ، يا الأعصاب الملتهبة؟ وضع أذنه على جذع الشجرة. – الأشجار تتكلم لأن فيها أرواح الهنود، وأنتَ، أين روحك، يا أبي؟ همس هاملت. أفي مسدس ترقد روحك أم في ماخور؟ تبًا لك، يا أبي، لأنك لم تستطع الدفاع عني! لأنك لم تعمل على حمايتي! لأنك تخليت عن هاملت الذي لك! وصاح بأعلى صوته: – استعِدِ العِنَّةَ التي تركتَهَا لي ميراثًا، يا ماخور الخراء! امتطى حصانه، وراح يعدو كملك من ملوك الشياطين. ومن ورائه، ترك أوفيليا تبكي كأمة من أمم الملائكة.

* * *

– مات أبوك، يا هاملت، بدأ لائِرتس الكلام، ولم نكن السبب، فلماذا تسعى لإلحاق الأذى بنا؟ – لأني لا أعرف قاتل أبي، همهم الشاب المعذب. – هنديٌّ قاتل أبيك، فأرح نفسك، وأرحنا. – لو لم تكن الطلقة في ظهره. – هل أكون؟ – كل واحد منكم متهم. – هلا أكون؟ – كل واحد منكم متهم. – كأبناء الراعي. – الراعي كان أبي، ولم تكونوا كلكم أبناءه. – أوفيليا كان أبوك يحبها كابنته. – وأنت أيضًا كان أبي يحبك كابنه. – لكني بريء، بماذا أحلف لك؟ بريء ونظيف. – لا شيء نظيف بعد مصرع أبي، النظافة قذارة، والقذارة أنظف شيء في الوجود، الأحلام قذارة، والأماني قذارة، والحب، والشرف، والمشيئة، كالمجد، والعلياء، والفخار، قذارة، قذارة، والندم، والحسرة، والتوبة، قذارة، قذارة، قذارة! كنست الآلهة العالم، وألقت بالقذارة في الدانمرك، لهذا انتشرت رائحة العفن في كل أرجاء المملكة. – الأصدقاء كالأعداء كانوا يقدِّرون أباك. – هل تشم رائحة العفن؟ – كتفي المكلوم. – كتفك، كلك، أنت العفن، يا لائِرتس، قاتل أبي المغدور. – لن أدعه يثيرني، هذا الوغد، هسَّ لائِرتس لنفسه، لن أدغدغ شهوة العقاب لديه، لن أجعله يحقد عليّ، سأجعله يشعر بالصغارة. – ماذا تقول؟ ماذا تهمهم؟ ماذا تتهته؟ هل هي الحمى؟ – الشجاعة. في الحرب الأهلية، الشجاعة أم الروع؟ الشجاعة. دافعي الشجاعة ودافعك الروع! بدافع الشجاعة هذا الجرح. – قسمًا! أنا على استعداد لأفقد حياتي من أجل تفاحة قُتلت غدرًا. – لن أدعه يثيرني، هذا الوغد، عاد لائِرتس يهسّ في عبه، يقول تفاحة، ولا يقول أبي. – ماذا تقول؟ – دافعي الشجاعة ودافعك الروع، تلك طبيعتي وهذه طبيعتك، لهذا كان عليك سهلاً اتهامي بقتل رجل كنت أحبه كما أحب أبي. كل شيء تقوم بفعله، دافعه الروع. كل شيء، حبك لأختي، حبك لي، حبك لأمك، حبك للهنود الحمر، حبك للزنوج، حبك لحبك، كل شيء، كل شيء، دافعه الروع. روعك قوة روحك، أما أنا، فقوة روحي الشجاعة، الإقدام، المخاطرة، أنا المجد، يا هاملت، وأنت الروع. – المجد، المجد، المجد! الجبن مجد! – في ساكرامنتو المجد مجد، والشجاعة الشجاعة. – أحتقر اثنيهما، الكرم والإقدام. – احتقر ولا تُهِن، اشدُدْ ولا تكابر. – قسمًا! أنا على استعداد لأفقد رجولتي من أجل نحلة اغتُصبت عنوة. – لا، لن أدعه يثيرني، لن أدعه يثيرني. – قسمًا! أنا على استعداد لأفقد ثروتي من أجل فرس أُجبرت على النوم مع بيْسون. – ممن تهرب، يا هاملت؟ مم تتهرب؟ – أواجه! أتواجه! – عند الشك تنتهي المسئولية. – بل تبدأ، يا هوراتيو. – يا لائِرتس. – يا لائِرتس. – ما أعظمها من مسئولية تجعلك تخبط خبط عشواء. أخذ لائِرتس يلهث، ويرعش، ويتوسل، ودمعه يلعب على خده لعبه على الكلام: – لا غضبي عليك يجتاح روحي بعد أن مارستَ على روحي أقسى أذى باتهامي، فهل تنسى حبي، يا هاملت؟ لا تنسه! لا تتركه ترك الكره للكره، فيغدو الكره حقلاً من التين الشوكيّ. اقطع ما بينك وبين أوفيليا، ولا تقطع ما بينك وبيني، فتكون نهايتي.

* * *

– كيف سأدافع عن صاحب المقام الرفيع أبيك، يا سيدي وصديقي، وأبوك كان في عيني جيشًا قويًا من المقاتلين الوحدويين؟ قال هوراتيو لهاملت، حصنًا منيعًا لساكرامنتو؟ حدودًا لكاليفورنيا لا يمسسها حتى الجن؟ أنا العبد الحقير، كيف؟ هل يمكن لواحد مثلي حماية العواصف، الزلازل، البراكين؟ من المحيط إلى المحيط كان ظل صاحب المقام الرفيع أبيك يمتد، ومن كندا إلى المكسيك، كان مركز الكون، وأنا كنت حشرة تافهة لا شأن لها تعجز عن تسلق نعله. – أعطاك الحرية، ومع الأسف عجزت عن التصرف بحرية، نبر هاملت. – هاملت، يا سيدي وصديقي، وفر عليّ الشعور بالإثم. أنا الإثم! آثم أنا مذ قبل مجيئي إلى الوجود، وركّز حَنَقك على من يستحقه، لأني لا أستحق حَنَقك. – بل كل حَنَقي أركزه عليك، وكل ألمي، وكل غضبي! هذا الخراء ما هو، هذا الماخور، أنا الإثم؟ – الغضب لله وحده، كما علمتنا سيدتي صاحبة المقام الرفيع جيرترود. – وهل تعرف غضب الله هذه السيدة؟ – هاملت! هذه السيدة أمك التي من واجبك احترامها. أمي القميئة التي كانت لا تتجاوز بقامتها مستوى نعل أمك، كنت في حياتها أحترمها كما في مماتها، لأنها كانت أمي، فكيف لو كانت امرأة عظيمة كأمك؟ – الأمر لا يعنيني! قذف هاملت، وأمه تتبدى له في ثوب عاهرة من عاهرات الصالون، الصورة الذهنية المثالية التي يكوّنها عنها. احترامها أم غير احترامها، الأمر لا يعنيني! ما يعنيني تركك لأبي يموت قتلاً، من ظهره، يا هوراتيو، تركتهم يقتلونه غدرًا، تركتهم يشخون على حريتك، تركتهم يحاربون أبي بقضية حارب من أجلها طوال حياته، قضية حريتك. مات أبي، فغدوت من جديدٍ رقيقًا. ذهب إيمانك بالله عنك إلى الأبد، ولم يعد إيمانك مفتوحًا على كل الحقائق، كما علمتك صاحبة المقام الرفيع السيدة أمي، أيها الماخور! كن آثمًا، أيها الماخور! ولكن كن مخلصًا لسيدك، مت من أجله، وحُلْ دون موته. آه! ما أجملها من خراء، الحياة! أنا الإثم! أنا عدم الواجب، عدم الإخلاص، عدم الموت من أجل من أحب! عدم العدم! وإذا ما طرق الموت بابي، فماذا ستفعل للحيلولة دون دخوله، يا هوراتيو؟ الإخلاص قحبة! الصداقة قحبة! التضحية قحبة! أنت طبيعتك القحبة، في نهاية المطاف، السوداء، البلهاء، الليلية، الهمجية! طبيعتك الإفريقية القحبة! ستظل لك طبيعتك الإفريقية القحبة ابنة القحبة في الإذلال كما في الانعتاق! – طبيعتي الإفريقية العابثة، يا سفالة الطبيعة! انعتاق قفاي! همهم هوراتيو، وانفجر باكيًا. – لماذا تبكي، يا قحبة الرب؟ – ليس من طبيعتي الأذى. – وأنا، هل من طبيعتي الخراء؟ – طبعًا لا، وأنا لهذا أبكي. – يا للشيطان! كن رجلاً ولا تكن امرأة! – أنا لا أحتمل أذاك، احتمل كل أذى، ولا أحتمل أذاك. كان عليّ أن أومن بالله، لولاه لما استطعت احتمال كل أذى، إلا أنه يتركني وحدي أمام أذاك. مع أذاك، لن تحكي الأنهار للبشر، لن تلهمهم السلام. – يا للشيطان! كن جيشًا ولا تكن مستنقعًا! – سأكون سلامًا لك ولي ولنا جميعًا. – يا للشيطان! كن أمة من الذكور المنتصبة ولا تكن أمة من الإناث المنبسطة! – عندئذ سيكون يوم القيامة، سنغدو كلنا عبيدًا. – بل أحرارًا شهوانيين. – أنا عبدك حرًا كنتُ أم غيرَ حر. – أَنْتَنِي في مرآة الليل، أَنْتَنِي في جُوَّه الجسد. – الله خلقنا على صورته، وهو يرى، وأنت لا ترى. – هذه عيناي، يا لائِرتس. – يا هوراتيو. – يا هوراتيو. – عيناك مفتوحتان لكنك أعمى، فالشك شك الأعمى لديك، أعمى لا يفرق بين أسود وأبيض، ويجعل من كليهما حقلاً للاتهام. – الحرب ها هنا، بالشك أو بعدمه، وأنت في قلبها، بعد أن ترك أبي الحرب من ورائه، والأرواح خرجت من الأشجار، لتخوض من جديد غمار القتال، قتالك، وقتالي، قتالنا جميعًا من أجل الثأر. – كف عن تعذيبي، يا هاملت! لم أدجل لك الأشياء يومًا، فحدثني كما تتحدث الأنهار إلى الناس موحية السلام، اجعلني أشعر بنفسي، هذه هي الحرية، بحريتي، وأن أتآخى مع الطبيعة، فالطبيعة كنيستي، اتركني آخذ قدمك، وأقبلها… (أخذ قدمه، وقبلها) وآخذ يدك، وأقبلها… (أخذ يده، وقبلها)، وآخذ ذراعك، وأقبلها… (أخذ ذراعه، وقبلها)، وآخذك من كتفك، ومن خدك، ومن ثغرك، فهذه هي خطيئتي التي لن يغفرها الله لي. أيها القويّ، أيها القادر على كل شيء، أيها القدير! هذا لأنه هاملت، ابنك، فهل أخطأتَ في ابنك؟ هذا لأنه هاملت، صليبك، فهل أخطأتَ في صليبك؟ هذا لأنه هاملت، إصبعك، فهل أخطأتَ في إصبعك؟ أبعده هاملت عنه، وهمهم: – مَنْ كَثُرَ لَغَطُهُ كَثُرَ غَلَطُهُ. غادره بعجلة، وما أن وجد نفسه وحيدًا، انفجر باكيًا كما لم ينفجر في الكون أحد، دموعه الينابيع، وأحزانه الشلالات.

* * *

قفز هاملت من قبة الوجود دون أن يبالي بالنتائج، فالأذى الذي ألحقه بأصدقائه لم يخفف من الأذى الذي كان سببه موت أبيه. فاقم الأذى أذاه، فالظن لا يُغْني عن الحق، ولم يفعل شيئًا آخر غير الغرق في الويسكي، وهو يضع على رأسه أرياش الهنود، ويصبغ وجهه بألوانهم. – كفى، يا سيد هاملت، جمجم أوسريك البارمان، وهو يملأ القدح، ستغدو سكيرًا. – أن أغدو سكيرًا، هذا بصلي، أجاب هاملت بخشونة، وهو يختطف القنينة من يد الرجل. – ماذا سأقول لصاحب المقام الرفيع عمك؟ عاد البارمان أوسريك إلى الجمجمة. – خراء، قل له خراء، يا قحبة العم! عاد هاملت إلى التلفظ بخشونة. – يا ليت الكل هاملت، ألقى أوسريك مبتسمًا، لكان العالم أقل سأمًا. – خاصَّةُ الإنسان أن يكون عاديًا، هل أنا غير عادي إلى هذه الدرجة؟ – غير عادي ولكن شيء آخر غير اللاعادي. – أشكرك، يا أوسريك. – أنا من يشكرك، يا سيد هاملت. هذا البلد دونك ليس بلدًا، هذا البلد دونك لا يساوي حفنة من الطلقات، دزينة من القناني، رِزْمة من الثياب، أو أخرى من الأمتعة، من الصحف، من الحشيش، من الورق، من الأسلاك، وأنا لهذا سأشرب معك، وسأضرب كأسي بكأس العملاق هاملت في كل شيء في حبه قبل حقده وفي تمرده قبل طاعته، وهو على أي حال من النوع الذي لا يطيع أحدًا، فالطاعة له، له وحده. أيها الغالي، أيها الغالي جدًا، يا سيد هاملت! قرع كأسه بكأسه بينما طغت دقات البيانو على كل لغط آخر، فذهب هاملت بكأسه وقنينته ليشارك، هذه المرة، في إحدى الأغاني الداعرة.

قالت أمي لي خذي حذرك من القمر في الليل عندما تكونين معه أخشى أن يختطفه القمر منك فتقضين العمر وحيدة

بين القمر وقمرك أوثر قمرك قمرك يبقى بدرًا في الفراش

قال أبي لي لا تثقي بالشمس في النهار عندما تنتظرين عودته فالشمس تملأُ الغيرةُ قلبَهَا منك وأحلامك بأمرها تصبح بعيدة

بين الشمس وشمسك أوثر شمسك شمسك تبقى شرقًا في الحمّام

قالت أختي لي دعي البحر للأمواج والأمواج للبحر عندما تستلقين على الرمل بانتظار أن ينهي عومه وتذكري أن الهوى ينام بين ساقيك فأيقظيه كي تكوني أبدًا سعيدة

بين البحر وبحرك أوثر بحرك بحرك يبقى اشتهاء الإنسان

قال أخي لي جاءت الصحراء تطرق عليكِ الباب فافتحي لها دون أن تطلبي الإذن منه الصحراء قبل أن تكون جسده جسدك تخصب الأشواقَ والأشواقُ أكيدة

بين الصحراء وصحرائك أوثر صحراءك صحراؤك تبقى نُعوظَ الرمال

سقى هاملت الغواني من فم القنينة، وهن يملن، ويغنجن، ويكسرن أصواتهن الرقيقة، فيخالهن قبيلة من الثعابين، وتسعده رخاوتها، ونوعًا ما يعوضه ذلك عن نقيصته الجنسية. على طاولة القمار، تناثرت أوراق اللعب، لما فجأة أشهر الخاسر مسدسه، وأطلق عدة طلقات في قلب الكاسب. لم يكن التباين كبيرًا بين القاتل والقتيل، فَفِعْلُ القتلِ لم يكن لينتظرَ سوى بعضِ التبرير، والصدفة وحدها ما تجعل من هذا قتيلاً أو ذاك قاتلاً. حضر الشريف مارسيلوس مع اثنين من معاونيه، فأكد شاهدٌ الغِشَّ سببًا حالَ دون اعتقال القاتل. يكفي أن يكون هناك سبب يؤكده أحدهم ليأمر مسئول الأمن والنظام بحمل الجثة، وترك الصالون على عجل، ليعود اللغط إلى ما كان عليه، وكأن شيئًا ما كان. في الخارج، وصل ثلاثة من قطاع الطرق، وهم يرتدون الغبار، ويمضغون التبغ. ربطوا أحصنتهم، والهنود المُغَرَّبون يترامون دومًا في أماكنهم. مزقوا ملصقات “مطلوب” بصورهم، ودخلوا الصالون دخول الأبطال. حط الصمت مع تواتر تقدمهم حتى المشرب، فوضع أوسريك الكؤوس أمامهم، ولارتعاش يده، سارع هاملت إلى صب السكوتش فيها من قنينته. بصقوا من أفواههم التبغ على البارمان، وجرعوا ما جرعوا مرة وثانية وثالثة، ثم انفجروا ضاحكين وكل الزبائن، وهم يضربون على ظهر هاملت ضربات ضخمة، ضربات التودد، وهاملت ينقله الاختيال على جناحه، الاختيال تعبيرًا عن الصلف والغرور. بفظاظة وعنف، سمع الجميع تبادل رصاص، فخرج البعض ليرى، واكتفى البعض الآخر بالنظر من وراء الستائر. كان بنك الذهب. سطو مسلح. الساطون كانوا يطلقون النار على كل شيء يتحرك، والهنود المتحضرون ينظرون دون أن يتحركوا من أماكنهم التي يبدو عليهم الالتصاق بها بِغِراء. – إنه خراء الشمس، كالعادة، أوضح هاملت “لضيوفه”. وما أن سمعوا ذلك حتى سارعوا إلى الخروج، وانتشروا ليحاصروا الطرفين، ويضربوهما بمسدساتهم، إلى أن قضوا عليهما. كانت متعة هاملت وعاهرات الصالون تتجاوز الحد، لكنها لم تُفْعَم، فالخارجون على القانون الثلاثة ما أن حصلوا على قطع الذهب المسروقة حتى ولوا الأدبار، وأناخ الجمود بالكلكلة من جديد على مدينة ساكرامنتو. حقًا أوقف العنف العنف، ولكن حفلة الدم والنار لم تدم طويلاً. جاء الدفّان، ولَمَّ الجثث، وهو في منتهى السعادة، فعن كل جثمان يعطيه الشريف عشرة دولارات. وكان هذا كثيرًا، عندما نعلم أن دخل القاضي مثلاً لا يزيد عن خمسين دولار شهريًا، إذا ما لم نأخذ الرشوات بعين الاعتبار. حضر الفارّون من الحرب الأهلية بشعورهم الكثة، ولحاهم الخشنة، وأشكال العدم أشكالهم: كان لهم موقف وجودي تركوه للمدافع. – سكوتش، طلب أحدهم، وهو يخرج مسدسًا من هذا الجيب، ويضعه في ذاك الجيب. فهم أوسريك أنهم لن يدفعوا، وعلى الرغم من ذلك صب لهم. كان هاملت الوحيد الذي لا يحمل سلاحًا، فالسلاح ليس وحده ما يؤذي لمن نشأ في العنف، وضد العنف، منذ نعومة أَظْفارِه. بالنسبة له، كان الصيف الهندي شيئًا عنيفًا، والهواءان البحري والجبلي، ولمسات هوراتيو. مد يده، وأخرج المسدس من صدر الرجل. في البداية، كان رد فعل الرجل عنيفًا، وأمام ابتسامة هاملت المفارقة، تركه يفعل. فِعْلٌ لم يكن مبعثه العقل، فالرجل كان من الممكن أن يحيله إلى جثة هامدة في ثوان. كان هاملت، وهو يقلّب المسدس بيده، يقلّب كل الحرب الأهلية. شيء كالمطلق كانت الحرب الأهلية، كالعقيدة، كالدين، فتذكر الأذى الذي لحقه بموت أبيه، وهيمن عليه الشك من جديد، فمن قتل أباه؟ من قتل أباه من ظهره؟ لم يكن القاتل واحدًا من أصدقائه، لكنه بدافع الأذى أراد أن يؤذيهم. استعاد صورة أمه وعمه في قبلتهما الطويلة، فوضع إصبعه على الزناد، وهمّ بالضغط، وإذا بكل واحد من الفارين من جيش الشمال ينصب مسدسًا في صدر هاملت. امحى قدر الصالون: اللغط كان قدر الصالون، كاللغط في الجحيم. لم يكن المصير، كان اللغط، عندما تحترق الأرواح، وتصرخ من ذروة العذاب. جذبت الغواني هاملت، وهو يترك مسدس الرجل يسقط على المشرب، وذهبن به بعيدًا عن جحيمه. وهناك، ليس بعيدًا عن الصالون، في المحكمة، حكم القاضي بذهاب أراضي السيد فولتِماند إلى يد السيد غيلدِنستيرن، الأب الحقيقي لأولاد الأول وبناته، والأول يصيح بأعلى صوته قائلاً إن له عاهرتين، بالأحرى كانت له عاهرتان قبل أن يبعث الله بهما إلى الجحيم، امتطاهما العشرات، إن هذا ظلم، وإنه لن يقبل بقرار المحكمة. “هل تريد أن نعيد فتح ملف مصرع زوجتيك، يا فولِتماند؟ طن القاضي، إذا كنت تريد، أنا على استعداد، فكل أصابع الاتهام تشير إليك”. مما دفع الرجل إلى إخراج مسدسه، في قلب قاعة العدل، على صراخ الحاضرين، وأردى السيد غيلدنِستيرن قتيلاً، وأردى القاضي قتيلاً. زرع المسدس في فمه، ووضع حدًا لحياته. وصلت عربة مليئة بالفتيات، ورمتهن تحت نظرات الهنود المُغَرَّبين الثابتة، ليكن عاهرات. كان فعلٌ كهذا على عتبة الصالون من عرصهن كفعلِ من يحرّف الحقيقة بعض التحريف، لكن عرضهن لمحاسنهن لم يدم طويلاً، ففي الشارع العام، بدأت الاستعدادات لقتال ثنائي بين زوج مخدوع وشاب يرتعد من الخوف، العرق يتصبب من جبينه، وهو يهمهم: – ليس أنا، بماذا أقسم لك؟ جاء الدفّان مع الشريف مارسيلوس، والأول يقول للثاني مغتبطًا: – مع هذين الاثنين، تكتمل الكوتا لهذا اليوم. على الاثنين أن يقتل أحدهما الآخر! – هذا الخرع سيفسد كل شيء، تلعثم الشريف مارسيلوس، وهو يشير إلى الشاب. – ابعث له بواحد، تلعثم قارض الموتى، لعنة الله عليه! تلفت راعي الأمن والنظام، وغمز معاونًا من معاونيه. – يجب أن نرفع الكوتا، همس الشريف مارسيلوس في أذن الدفّان، بعد موت السنيّ هانس كييركغارد، ازداد عدد الموتى. – ليس رغبة منهم في اللحاق بصاحب المقام الرفيع، شريف، رمى الدفان متهكمًا. – أعرف، يا بالع الأرواح، ولكنها المرحلة الانتقالية، في كل مرحلة انتقالية لا سلطة هناك ولا أخلاق، وككل مرحلة ماخورية تفضي إلى التغيير. وصاح بالخصمين: – نار! فسقط الاثنان، الشاب الخرع برصاصة الزوج المخدوع، والزوج المخدوع برصاصة أحد رجال القانون. – هيا! أمر الشريف مارسيلوس الدفان، التقطهما، أم أنك تفضل أن أرفس لك المؤخرة؟ – تمهل، يا صاحبي، واسمع لي جيدًا، رجا الدفّان بكثير من الجد. – ماذا لديك، وقد رفعنا الكوتا، أيها الطماع؟ تهكم الشريف مارسيلوس. – أريد أن أبحث معك الناحية العملية. – الناحية العملية؟ – الفأس والمجرفة أمران حسنان لو كان الموتى بعدد أصابع اليد. – ماذا تخترع، يا بالع الأرواح؟ – أضف إلى ذلك حرب الانشقاق، نهايتها ليست غدًا، ما لم أكن مخطئًا. – هذا صحيح. – الترميد هو الحل. – هنا ليس الهند، يا ماخور الخراء! – في الهند يحرقون أمواتهم ليلقوا رمادهم في خراء الغانج، إنه آخر طقوس طهرهم، أولئك الملوثون! اسألني أنا. لقد رأيتهم بأم عيني، وهم يغطسون في نهرهم المقدس بكل ما فيه من قذارات لغسلهم الثياب والصحون والأمعاء. إنهم يتغوطون فيه نهرهم المقدس، فليس في بيوتهم شِشَم! ولنفكر أنهم آباء المسيحية! – كنتَ في الهند، يا ماخور الخراء؟ – يوم كنتُ شابًا. قطعت البلد من أقصاه إلى أقصاه على دراجة. خمسة آلاف كيلومترًا. – كِلْ كي تي آ ! يا له من قفا قفاك! – صدقت، كالكوتا، إنها المدينة الوحيدة من مدنهم التي أعجبتني، أقفية النساء فيها ميتات أم حيات لم يخلق الله غيرها! لهذا أصبحت دافنًا للموتى، بسبب مؤخرات نساء هناك. سندشن بالترميد العصر الجديد، ونلغي المقابر، وكل هذا التعب غير المجدي ما هو إلا للعفاريت، فما رأيك؟ – القوانين لا تسمح. – تسمح أو لا تسمح، للشريف في مرحلة انتقالية تسمح، خاصة للشريف، شريف مارسيلوس، وإلا كيف يكون الشريف شريفًا؟ فلننصّب إذن قفا أحد هؤلاء المنايك الموتى علينا شريفًا! – لم أكن أظنك من الدهاء بهذا القدر، يا بالع الأرواح! – بين بين. – أنت تعرف خفايا الأمور. – الآن سألتقط هذين المحظوظين، وأبعث بهما إلى جهنم. أخذ الشريف مارسيلوس يفكر في كلام الدفّان بصوت عال: التطور سُنّة الحياة، والحرب سُنّة التطور. بالع الأرواح، هذا الخزق، ليس أفضل مني! وَجَسَ مسدسه، وحمله. وبعد عدة ثوان، ابتسم، وهو يهزه، وينظر إليه بعينين تلمعان. يجب على مسدس الغد أن يكون مسدسًا ذكيًا، لا يتبع الهدف، الهدف يتبعه. ستكون له عدة أنابيب لا أنبوبة، تذهب الأنابيب في عدة اتجاهات حين الضغط على الزناد، فتصيب أكثر من هدف، وفي الهدف تترك أكثر من رصاصة. يا سلام! هذا هو المستقبل، هذا هو غناء الرصاص، هذا هو العصر الجديد، يا ماخور الخراء!

* * *   بعد أسابيع ثلاثة من مصرع العظيم هانس كييركغارد، تم زواج صاحبة المقام الرفيع جيرترود وكلوديوس كييركغارد، سِلْفِها. كان الخروج من الكنيسة مصحوبًا بقرع الأجراس، ورمي العروسين بأوراق تويجات الورود الحمراء. قرب شجرة وحيدة تقبض على أغصانها بيدها، وتجلد العُمَيْرَة، رأى هاملت أمه في ثوب الدانتيل الأسود من خلف سياج، وتاج من ذهب وماس وأحجار كريمة لا تقدر بثمن على رأسها، أعظم من تاج ممتاز محل كان تاجها، رآها تتعلق بذراع عمه، وهما في منتهى السعادة، لا الواحد يقرعه سن الندم على ما فعل ولا الآخر، فغمغم، والكربة تطحنه طحنا: “أحسنتَ صنعًا بموتك، يا أبي!” في رأيه، لم يكن الحب هو السبب، ولم يكن الإيمان، كان الكره، كره والده، وكان العقل في أبشع صوره. بعد مغادرة الموكب، ولج هاملت، والحذر يدفعه، عالم الكنيسة، فوجد صحنها خاليًا، هنا وهناك أيقونات وتماثيل صامتة تنعكس عنها ذؤابات الشموع: لقد شاهَدَتْ مراسم الزواج، قال هاملت لنفسه، ولم تتأثر بالخيانة. كانت الخيانة بالنسبة لها مدعاة للفرح، وهي لهذا لم تتأثر ككل تمثال فاقد الروح. ولن تتأثر بالولاء، إنها فاقدة الروح، الولاء والخيانة كانا وجهين للمعبود من طرف عابديه دون أن ينهبه الهم، وكل الهم ينهب هاملت. كان هاملت ينهبه الهم نهبًا، يؤثر في عجزه الجنسي، ويشعره بحركة الثعابين، بتقزز النفس. شعر بالغثيان، فاتجه إلى تمثال المسيح، وراح يهزه بعنف، ويجدف: “يا الرب المنيك!” فتح المسيح عينيه، وهمهم: “أعدتني، يا هاملت، بعد طول انتظار! أنقذتني من أهل الرياء!” سقط هاملت على قدمي المسيح، وراح يقبلهما، ويستغفر الله، ويستغفره، فرفعه المسيح، وهو يقول: “لم أعد المسيح! كفاني كل عذابات البشر دون فعل شيء! والآن ربما حملتُ عنك بعض العناء بعد أن أثّرَتْ فيّ حالك، فأقوم بدوري كما يجدر القيام. سنخرج من هذا المكان، رائحة الشموع تخنق!” وأخذ يسعل. ابتسمت مريم، ومدت يدها لتخلع نِير العبودية، إكليل الشوك، عن جبين عيسى. “مريم ترأف بك”، قال هاملت. “كي أرأف بك”، قال المسيح. وهاملت يذهب بعيسى إلى جواده خلف السياج أضاف المسيح: “لأول مرة أتمرد”، وهو ينظر إلى السماء. “تتمرد على ماذا؟”، سأل هاملت. “على الفكرة”. “أية فكرة؟”. “أَوَ ليس هناك غيرها؟”. “الرب؟”. “لأول مرة أشك”. “تشك لتوقن أم تشك لتشك؟” “لأشك، يا دين الرب! لأشك! الشك استيقاظ الذكاء، استيقاظ المخيلة!” “هل تزوجت أمك من غير أبيك كما تزوجت أمي من غير أبي!”. “مريم ليست أمي”. “ومن تكون؟”. خرجت مريم لتودعهما، فأقسم عيسى جَهْدَ أَيْمانِهِ: “مريم زوجتي”. “مريم زوجتك!”. “تزوجتها، أو إذا شئت “مريمتها”، من هنا كان اسمها، ولم تحبل مني، فجعلني الخيال العقيم للناس ابنها، بعد أن وقعت من الرب حبلى”. أغمض هاملت عينيه، وفتحهما. فكر في حتمية الموت دون أن يدري لماذا، فاقترح المسيح: “إذا أردت جئتك بالبرهان”. عاد إلى مريم، وقبلها من ثغرها. “تعال، صاح هاملت، سنذهب إلى مكان أعرفك فيه أفضل معرفة”. أركبه من ورائه، وسار عدة خطوات، وهو ما بين الشك واليقين، ثم راح يعدو، وقد تحرر المسيح من المسيحية.

* * *

كان القصف في مربى الماشية يبلغ أوجه، وكل تلك الموائد، وكل تلك المآكل، وكل تلك الملاعق، وكل تلك الشُّوَك والسكاكين، وكل تلك الصحون، وكل أولئك المدعوين، وعلى العكس، كان قلب صاحبة المقام الرفيع جيرترود ملآن غمًا، فأين هاملت؟ أين ولدها؟ أين وحيدها؟ ولماذا هو غائب؟ لماذا لا يشاركها فرحها؟ لماذا لا يشعرها بوجوده إلى جانبها؟ لماذا لا يوهمها بقوة الطبيعة في كل هذا، وإرادة الحياة عليها، وموافقة السماء؟ لماذا لا يرى الأمور كما تراها، ويجعل من عدم عدم الاهتمام بها حقيقتها؟ لماذا هو حقيقته؟ لماذا هو هذه الحقيقة؟ لماذا هو هذه الحقيقة المهلكة؟ همست في أذن زوجها بضع كلمات، فأشار هذا إلى يده اليمنى بولونيوس، وهو يحرك شفتيه لئلا يسمعه المدعوون: “أين هاملت؟”. نهض بولونيوس، واتجه إلى حيث يجلس لائِرتس ولده. انحنى على أذنه، ولم يسمع أحد ما قاله له. هز لائِرتس رأسه عدة مرات علامة النفي، ورفع يده ناحية أخته أوفيليا. ذهب بولونيوس إلى حيث تجلس ابنته، فنهضت الجميلة أوفيليا، واصطحبت أباها إلى داخل البيت الكبير. – أيها القلب البكر الذي لم تهزه العواطف، بدأ بولونيوس الكلام، الصفاء والطهارة، كما أرى لم تكبلي هاملت بصفاتك، محدود البصيرة هذا، فصار لقمة سائغة للدنس والفجور. – ليس لهذا السبب، يا أبي، لم يحضر هاملت عرس أمه، قالت أوفيليا بصوت يغلب عليه الأزْل، أنا أدرى الناس بما هو عليه هاملت، أنا أدرى الناس بما هي عليه أوفيليا. – أوفيليا، ماذا تقولين؟ سأل الأب بدافع عقله الظَّنِين، هل عكر هاملت النبع الذي منه تشربين؟ هل لوث الهواء الذي تتنفسين؟ هل بدل الدرب الذي تأخذين؟ هل أغوى النفس التي بها تثقين؟ هل أوقف المطر كيلا يغدق المطر عليك بوابل الحنين؟ هل أعاق الرمل عن الذهاب إلى البحر الذي به تحلمين؟ هل قطع أزرار الورد ورماك بين الأشواك في حديقة شبابك؟ كيف أنت أدرى الناس بما هي عليه أنت؟ هل أنت غير أنت؟ غير ابنتي التي ربيتها أحسن تربية لدرجة أن الحيات توقفت عن الخداع، والذئبات أرضعت صغار الأمهات اللواتي جف حليبهن، والعقارب جعلت من سمها بلسمًا للجراح. – لا شيء من هذا، يا أبي، قالت أوفيليا، وهي تبلع ريقها بصعوبة، هاملت لا يحتمل حبي له، هذا كل ما هنالك. – وهل هناك أحد على وجه الأرض لا يحتمل حب أوفيليا الصادق؟ – هناك، هاملت. – يجب على هاملت أن يستحق كل هذا الحب، إلا أنك لم تعرفي كيف تجعلينه يشعر بذلك، همهم بولونيوس مفكرًا، وها أنا أفهم الآن لماذا غيابه في يوم عرس أمه، ليس لغيرته من عمه، ولكن لئلا ينظر في عيني أوفيليا، فيرى غمام ضعفها أمام جبروته، المجرم! – أبي، هاملت ليس مجرمًا، احتجت أوفيليا. – أنا حر في كيف أرى هاملت، أوضح بولونيوس، وأنت حرة في كيف ترين هاملت، لكن هاملت يبقى هاملت، فالجوادُ عينُهُ فُرار، وعلينا أن نفعل كل ما بوسعنا كي نجبره على المشاركة في عرس أمه ككل ابن يحب أمه أكثر من أبيه. – أنا أيضًا هذا هو اعتقادي، قال لائِرتس، وهو يلتحق بأخته وأبيه، لكل منا علاقته الذاتية بهاملت، وكل ما يترتب عن هذه العلاقة من واجبات، وعن الواجبات من أحاسيس. نعم، الاضطراب يدفع إلى الاضطراب في عقل أوفيليا، والهيام يدفع إلى الهيام في قلب أوفيليا، والاستسلام يدفع إلى الاستسلام في كِيان أوفيليا. – وكأنك تشاهد ما يجري في ذهني من شعوريات لوصفها، علقت أوفيليا مع موجة إشعاع. – ليس الاستسلام، صاح الأب، ليس الاستسلام، ليس الخضوع والإذعان. – مع الأسف، صحيح ما يقوله لائِرتس، يا أبي، الاستسلام، الاستسلام حتى النخاع، هكذا هو حبي لهاملت، حب يصنعه الاستسلام أمام خلو بال هاملت وبرودة طبعه. – برودة طبعه؟ تساءل لائِرتس، هذا ما أريد تصديقه. – برودته، همست أوفيليا بصوت يُسمع بالكاد. – برودته لا تعني برودة طبعه، علق لائِرتس مع ضحك عصبيّ، برودته تعني أن جبل الجليد في الصيف يظل باردًا على الرغم من شدة الحرارة. – الكربة لا تقدر على تدفئتها حرارة أي شمس، ألقت ابنة بولونيوس، وكلماتها تخرج ثقيلة كالحجارة من حلقها. الكربة والكرب إذا ما اجتمعا لدى هاملت، فلن يكون الأمر سهلاً لديه. تفكيره في الوجود والعدم من ناحية، وشعوري بألمٍ نفسيٍّ مبرِّح من ناحية. لن نحمي أنفسنا منا، يا والدي، هو إحساسه ما ورائي، وأنا ذوقي ذوقُ المُرّ. آه! ما أحلى طعم الحنظل. هل تسمعني، يا أبي؟ هل تفهمني، يا أخي؟ في الخارج، عرس أوفيليا وهاملت، وهم يرقصون احتفالاً باقترانهما ويغنون بعد أن شربوا طريء الشراب ونعموا بمريء الطعام. هاملت، لماذا لا تحضر عرسك مع أوفيليا التي تحب؟ لماذا لا تجيء؟ لماذا لا تحلم معها بليلة الدخلة؟ أم أنها برودتك هي التي تمنعك. جبل الجليد يظل في الصيف باردًا على الرغم من كل الحرارة التي تصبها الشمس عليه، تمامًا كما قال لائِرتس مع الأسف!  بعد عدة ثوان، اعترفت بنبرة تُسمع بالكاد، وعيناها مغرورقتان بالدموع: – لقد سلبني هاملت عفتي! – لائِرتس، أمر بولونيوس، وهو يلتهب غضبًا، احمل مسدسك لما تعجز عن حمل شمسك، واذهب في الحال إلى الصالون حيث يُغْرِق هاملت أناه منذ مصرع أبيه في الكؤوس، ويدفنها بين سيقان الغواني، نهبًا لسلوك مخالف للعقل، وجئ به حيًا أم ميتًا، هذا النذل! – حيًا أم ميتًا! صاحت أوفيليا محتجة. –  قبل اعترافك كانت العبارة استعارة بيضاء، رد الأب دون أن يزايله غضبه، وبعد اعترافك غدت العبارة حالَ بعضٍ من أفكاري السوداء. مع الموسيقى الصادحة والصياح المنطلق للراقصين انطلاق العواء من الأوكار، أخذ لائِرتس يفك ضماد كتفه تحت عيني أوفيليا غير المصدقتين، وكأنها تريد أن تقول له: جرحك لم يلتئم! لكنها فكرت أنه أحد جراحها، وهي جراحها لا تبرأ.

* * *

أول ما رأى الهنود المُغَرَّبون المسيح ينزل عن حصان هاملت، ذهب عنهم كسلهم، وغادرهم صمتهم وسكونهم. داروا حوله دورانهم حول منقذ لم يكونوا بانتظاره، وعَجُّوا، كالبيْسونات عّجُّوا: أيتها الروح الكبرى! أيتها الروح الكبرى! صلوا بأقدامهم، وهمهموا أغنية من أغانيهم الدينية:

“يا أنتم جميعًا! أهل السماء والهواء والأرض اسمعوني! حياة جديدة ما بينكم أتضرع إليكم أن تقبلوها! اجعلوا لها الطريق أكثر ليونة وستذهب إلى ما وراء الروابي الأربع”

لمسوه كما يلمسون الجذوع، وانحنوا له كما ينحنون للرياح، وابتسموا له كما يبتسمون للطرائد. لفوا خاصرتيه بمسدس، فضحك هاملت منهم، وقال لهم: – ماذا تريدون أن يفعل به؟ أراد فكه، فمنعه المسيح، وقال: – طوال حياتي وأنا أحلم باقتناء واحد. – وهل تحسن استعماله؟ – لا أحسن. – ما الفائدة إذن؟ – يكفي أن أقتني واحدًا. – وبعد ذلك؟ – وبعد ذلك سنرى. دخلا الصالون، فجاءت العاهرات يجرين، ليتلقفا هاملت وصديقه: ما هذا اللباس؟ وما هذه الهيئة؟ ولماذا هو شديد الصفار؟ ومن أين هو؟ وكيف جئت به؟ تعالا! – ليس قبل أن نشرب، قال عيسى. صب لهما البارمان أوسريك قدحي ويسكي، فجرع المسيح كأسه، وهو غير مصدق عينيه. – يا الرب المنيك! قذف، وهو يتلمظ بلذة لا تدانيها لذة، هذه الكفارة لا علاقة لها بدمي! – سأترك لكما القنينة، قال أوسريك سعيدًا. – البوكر، صاح المسيح، وهو يلتفت حواليه. ودون أن ينتظر جوابًا، اتجه صوب أقربِ طاولةِ لعبٍ، وأخذ مكانًا. وضع هاملت في يده حزمة دولارات، وتركه يلعب، وهو يلعب ويكسب، يلعب ويكسب، يلعب ويكسب. وبينا هو يقهقه على مرأى الأوراق الخضراء، أوراق الخلق والفناء، أشهر أحد غرمائه مسدسه، لكن المسيح عاجله بطلقة أودت بحياته. – ماذا قلتَ لي؟ سأل هاملت، والدهشة تستولي عليه. – كذبت عليك، أجاب المسيح، والابتسامة تشق فمه من أقصاه إلى أقصاه. – سأتركك إلى أذرع شيطانية، ادعى هاملت فقط ليخلو إلى نفسه، وليفكر في زواج أمه وعمه، أذرع شيطانية أم غيره لن يغير الأمر شيئًا من عيبه الجنسي. بعد أن اطمأننتُ عليك، العب ما شاء لك اللعب حتى تُرضي رغبتك. – الرغبة هذه أرضيتها، أما الرغبة الأخرى، أم الرغبات، فليس بعد، أنا أتحرق شوقًا مثلك إلى الأذرع الشيطانية. – إلى المضاجعة. – قسمًا! إلى المضاجعة. جرع كأسا أخرى وأخرى، وهاملت يهمهم “وعظه لا يصدق” على صوت المسيح، وهو يخطب بزبائن الصالون: – هذا السكوتش دمي – العبارة خاطئة صحيحة – وهذا البوكر جسدي، لا الأول ولا الثاني لكم، اتركوهما لي، وإلا كانت نهايتكم على يدي، وجعلت يومي اليوم يوم الحساب قبل غدي! – أهو هِتْر السكير أم الهَذْر؟ سأل هاملت دون أن ينتظر جوابًا. كانت فتيات الصالون يرقصن على لحن خليع لعازف البيانو، ويغنين الأغنية الداعرة: بين القمر وقمرك / أفضل قمرك / قمرك يبقى بدرًا في الفراش… أخذن الصديقين بين أذرعهن، وذهبن معهما فيما يعتقدنه جنونيًا: القبلات واللمسات والهمسات وتحطيم كل قاعدة وتجاوز كل قياس. لم يطل بهن الأمر كثيرًا حتى أصعدنهما إلى الطابق العلوي، وخلت ثلاث أو أربع منهن مع كل واحد، فقال المسيح إنه لم يأخذ حمامًا منذ 1862 عامًا. وفي الحال، أعددن له مغطسًا، وساهمن كلهن في فركه ودعكه وتنظيفه من غبار الزمان وعِيار الخلاص، بين التدلع والتدله، وعيسى يقوم بفعل الهوى كإله، ويقضي أسعد لحظات الحياة الأبدية. دفع لائِرتس الباب على هاملت، وطرد كل الفتيات، وهو يلوح بمسدسه. – هذه مفاجأة من الشجاع في كل شيء، تهكم هاملت. – في أية مخرأة أنت؟ ألقى لائِرتس. – مخرأة هذا الفراش الوثير! – انهض، أيها الماخور! هدد لائِرتس، لن تفعل هذا في يوم زواج أمك. – بل لأنه يوم زواج أمي. – الكل بانتظارك، أيها الماخور! عاد لائِرتس يهدد. – لتكون واحدة على واحدة من أمجادك. – من خراءاتي. – لا تتلفظ بحماقات، يا ماخور الخراء! لا تكن وقحًا! الوقاحة والشجاعة شيئان متعارضان، وها أنت تجمع بين الاثنتين. من أي نوع من الشجعان أنت ، يا لائِرتس؟ – الخرائيون، من الشجعان الخرائيين! هذا الشجاع الذي بين يديك لهو أكبر جبان في الكون، ألقى لائِرتس، وهو يشير بمسدسه إلى نفسه، جبان رعديد أنا، جبن الأرانب بالنسبة لجبني أكبر شجاعة. تالله ارفق بالحشرات عندما تسحقها بقدمك لأنها مثلي تعض دون أن تؤّذي، وتدغدغ دون أن تدفع إلى الضحك. قهقه هاملت، لكن لائِرتس لم يترك له الطريق مفتوحًا إلى التهكم. – اغتصبني المدافعون عن حرية الزنوج، اعترف لائِرتس بصعوبة، وهو يعيد مسدسه إلى زِنّاره، ويشعر بالأرض تدور تحت قدميه، حرية قفاي، اغتصبوني، وليس مرة واحدة. لم يكونوا يعرضون أنفسهم للخطر. أنت خير من يفهم نظرية التبعات التي لنا: الإنسان مسئول عما يقترف. وفي عرفنا، انتكاح الذكر لذنبه. بعد كل مرة، كانوا يشكرون الله على متعتهم. هكذا هم صُنعوا، الشماليون كالجنوبيين، هكذا هو خراؤهم. لما جاءني الله في ثوب امرأة خوفًا على نفسه منهم، ضاجعته، ولم أعد أومن لا بالله ولا بالإنسان. انتهى بي المطاف إلى ما يلي: دفعني المجانين واليائسين وقطاع الطرق الذين كانوا يقاتلون إلى جانبي، دفعوني إلى فعل ما يضع حدًا لمعاناتي، فضربتُ كتفي بطلقة. نعم، ضربتُ كتفي بطلقة في قلب إحدى المعارك الضارية، ولم يكن اغتصابي السبب – اغتصابي كان للتبرير – بل الخوف من الموت ككلب. مشروع غير حكيم، أليس كذلك؟ قهقه! لماذا لا تقهقه؟ لم يُحِر هاملت جوابًا. – كما ترى، أنعمت الطبيعة عليّ بمزايا عظيمة، يا للطبيعة القحبة! – لائِرتس، ولكن هذا رهيب، همهم هاملت، وهو يقوم من مكانه، ويمسكه من يديه، ولكن هذا أتعس اعتراف سمعته في حياتي. – لا كلمات للتعاسة. – خانتك شجاعتك. – كيف تخونني شجاعتي، وأنا ليس لدي من الشجاعة أقلها، وأنا أجبن شجاع في الكون؟ – بالأحرى هم. – كلنا. – كانوا يبحثون عن شجاعتهم، فلم يجدوها، وبالمقابل، حصل كل واحد على نصيبه مما لم يكونوا يبحثون عنه. – وأنا كذلك. بكل الألم، بكل التعاسة. – حصلت على نصيبك! – كالعقرب لما يلدغ العقرب في ثقب القفا. وبعد قليل: – شيء يلذ لك أن تُغْتَصَب! – شيء يلذ لك أن… – تُغْتَصَب! – ليس في الأمر خديعة. – هل أضجرك؟ – أيها القذر! – ليس أقذر من أنظف شخص في ساكرامنتو. ابتلعهما الصمت، كالحوت ابتلعهما الصمت، إلى أن همهم هاملت: – لم أتمالك عن غيظي، فاعذرني! – شيء يلذ لك أن تفر من القتال! – القتال هو الماخور، المضاجعة بلا زيادة! – لن أسعى إلى حتفي بظلفي لسبب واهن اسمه الشجاعة، المجد، الشرف، السمو، الكرم، البطيخ الأصفر، الأزرق، الأحمر… – هذه ليست طبيعتك. – إنها حقيقتي، ابنة قحبة حقيقتي! – كما تقول، ابنة قحبة حقيقتك، وكل حقيقة! عندما تكون رواقيًا زائفًا، عندما تكون أبيقوريًا زائفًا، عندما تكون لوطيًا زائفًا. لهذا لن تفلح معي، أنا باق في هذا الماخور. إنه المكان الأقل فسادًا في كل مملكة الدانمرك. هنا الشجاعة شجاعة والبطولة بطولة والأمة ابنتهما اللاشرعية، لهذا السبب قضبان الرجال هنا لا تصاب بالاكتئاب. تضاجع أو لا تضاجع، إنه السؤال! لن أتحرك من مكاني، سأقضي الليلة هنا، وستقضيها معي، لذّ لك ذلك أم لم يلذّ. – هكذا لن تكون وحيدًا. – وحيد أنا حتى وأنت معي، وحيد في رأسي، وحيد في جسدي، وحيد في كِياني، وحيد في كوني، وأنا غريب، غريب في الرأس، غريب في الجسد، غريب في الكِيان، غريب في الكون. – كلنا غرباء، كلنا كهوراتيو عبيد للأشياء، أشياء. – كلكم غرباء وأنا غريب بينكم. نادى هاملت البنات، فجئن، وهن يكركرن. خلعن عن لائِرتس ثيابه، ودخلن معه الفراش. اختلطن كلهن، كالطين بالورد، كالدم بالعسل، كالدمع بالعطر، كالمني بالقشدة، كالمطر بالنار، وكانت اللوحة غير ما رسمه غوغان فيما بعد. – تعال، يا هاملت، هتف لائِرتس، ماذا تفعل وحدك في الظل؟ – أبحث في الأرض عن النمل، همس هاملت. – تبحث في الأرض عن… – أوفيليا تبحث معي في الأرض عن النمل. – أوفيليا ماذا؟ – أوفيليا يسعدها أن يجد هاملت هاملت! هاملت يبحث في الأرض عن النمل! يزحف هاملت، ويذهب في كل الاتجاهات. إلى أين أنت ذاهب، يا نمل؟ يحس النمل بالاختناق! هاملت يخنق النمل دون أن يعلم أنه هاملت! النمل يخنقه هاملت! النمل يخنق النمل! اللحن الرِّق! هاملت يعزف! ما أبشع موسيقى هاملت! هل تسمعين، يا أوفيليا؟ كل هذه الموسيقى ليست من أجلك! الموسيقى! كل هذه الموسيقى! في دماغ النمل! كل هذه الموسيقى في دماغ النمل، في كِيان النمل، في جُوّه النمل! كل هذه الموسيقى! لم يسمع لائِرتس للبنات اللواتي ينادين عليه، وهو يتقدم بمسدسه من صديقه المعطي ظهره إياه، لم يكن باستطاعته أن يجيء به حيًا، كما أوصى أبوه، وكان من اللازم أن يجيء به ميتًا. أوفيليا اغتصبها هاملت بينما لائِرتس اغتصبه جيش الشمال! لم يكن الأمر واحدًا، بل واحدًا، كل واحد حصل على نصيبه، مثله تمامًا، وكما قال منذ قليل، شيء يلذ لك أن تُغْتَصَب. لم يكن يكذب، لكنه لن يعصي أباه، فهو أبوه، ولن يتركه نهبًا لأفكاره السوداء. مع أو دون هاملت، الأمر سيان، وهو كهاملت المحب للرجال وللنساء. وفي اللحظة التي قرر فيها الضغط على الزناد، سمع الجميع ضربات سياط: كانت عصابة من رعاة البقر تضرب الهنود المُغَرَّبين، تربطهم من أعناقهم، وتسحبهم على الشارع العام. خرج المسيح إلى الشرفة، وبدأ يقوسهم. نزل إلى الشارع العام، وأخذ يطاردهم، من زاوية إلى زاوية أخذ يطاردهم. كذلك فعل هاملت ولائِرتس، نزلا ليريا، ولائِرتس يرتعد، ليس من الخوف، كان يرتعد من ألم كتفه، كان الألم يسبب له الارتياع من الاستتباع. – ماذا بك، يا لائِرتس؟ سأل هاملت، وحال صديقه يشغل باله. – ماذا بك، أنت، يا هاملت؟ أجاب ابن بولونيوس على السؤال بسؤال. – أنا، لا شيء، كنت أبحث عن النمل، فوجدت النمل يبحث عني. – هاملت، أنا صديقك، فلا تسخر مني. – أنت صديقي، وأنا صديق النمل. انظر إلى النمل كيف يمتطي حصان الخطر من أجل الدفاع عن الهنود. ماذا بك، يا لائِرتس؟ – إنها كتفي التي عادت تنزف، يؤلم هذا، واعجباه! – ليس صحيحًا ما حكيته لي وهذه الكتف المثقوبة بطلقة من يدك، أكد هاملت، كل ما في الأمر أنك سئمت القتال، هذه الطلقة هي نيشان شجاعتك. – شجاعتي قصة قديمة قدم هذه الأرض بلا جدوى. – يا ليت لي شجاعتك. – خذها لو شئت هذه الشجاعة، أرادت أن تقتلك منذ قليل، وحال الظرف دون ذلك. – الشجاعة وحدها لا تنفع، تنفع الشجاعة عندما يرافقها الجبن، والجبن عندما يرافقه الخطر، وأنا لا خطر أمثله لأحد، أوفيليا تعرف هذا، وهي لهذا. – أوفيليا وليس أبي. – حَسْبُ أبيك أن يقتلني، أنا من لا يستحق القتل، كما يقتل هذا القاتل من يستحقه. – ومن يكون؟ سأل لائِرتس، وهو يرى عيسى يجندل أعداء الهنود واحدًا واحدًا دون أن يَرِفَّ له جفن. إنه لا يخطئ هدفه أبدًا، وكأنه قدر قتلاه! لم يقل هاملت إنه المسيح. – لا أحد يعرف من هو. – لم أر في حياتي أشجع منه! – ليس هكذا يرى الأمور. – كيف إذن يراها. – إنه واحد من هؤلاء المجانين الذين جعلوا لأنفسهم شعار “كي تعرف الله يجب أن تعرف الناس” ومبدأ “كيف تَصْنَعْ أَصْنَعْ”. والمسيح يطارد الأوغاد، كان يكلمهم قائلاً: هذا ما تستحقونه، أيها السفلة! كل طلقة أحشوها في ثقوبكم تفانيكم، شكرانكم، حبكم لبعضكم! كل بصقة! كل قدم! هذا ندمي، فارتدوه! هذا أملي، فذرّوه! هذا ألمي، فاستسيغوه! طعمه على اللسان خراء! خراء خلاصكم، إنقاذكم، أملكم! هذه محبتي، قتلكم! هذه غبطتي، تفجيركم! هذه قيامتي، سحقكم! نصري هزيمتكم، حبي كرهكم، بأسي ضعفكم! أكلتُ السمكة، وتركت لكم الحسكة! كسرت الخبز، فلا تكن لكم أرزاق! محوت الاسم، وبدل الكمال حل الخواء! أنا الدنس! أنا الإثم! أنا الجَوْر! أنتم ضحاياي لتحرير الإنسان! الموج غضب الإلحاد، البرق والرعد رحمة التناظر، الهنود الحمر بحارة الوقت… إلى آخر ميناء!

* * *

صدحت الموسيقى النحاسية إيذانًا بافتتاح أول سوبر ماركت في ساكرامنتو، ودخل الغنادرة من الرجال والنساء بصحبة أطفالهم، والأرض تكاد لا تسعهم من عِظَمِ الشعور بالسعادة. كان السيد روزنكرانت، صاحب المحل، يستقبلهم بأبهة، ويرحب بهم واحدًا واحدًا، وهو يسمي كل واحد باسمه: أهلاً وسهلاً مستر ومسز براون، أهلاً وسهلاً مستر ومسز إيستود، أهلاً وسهلاً مس دونالد، أهلاً وسهلاً مستر وولف، أينها مسز وولف، سلم لي على مسز وولف، أهلا وسهلاً يا أطفال، اذهبوا مباشرة مع ماما وبابا إلى فَرْع الألعاب، أهلاً وسهلاً مس غرينبيس، مس دَك، مس بيفيرلي، هناك ما سيدهشكن في فَرع الزينة، من باريس مباشرة. ثم يصيح فجأة: ماذا تفعلن هنا، أيتها الزنجيات؟ فتصححه إحداهن بذات النبرة: أيتها النساء السوداوات، يا سيد روزنكرانت! نحن في كاليفورنيا، هل أذكرك أن السود في كاليفورنيا أحرار؟ فيتركهن وشأنهن على الرغم منه، وهو يهمهم: طالما أنهن نقدًا سيدفعن! أهلاً وسهلاً مستر كاوارد، المحل محلك! أهلاً وسه… هيه! يصيح باثنين من الهنود المُغَرَّبين، ماذا تفعلان هنا أيها المتوحشان؟ ليجيئه صوت من ورائه: اتركهما يفعلان كالكل. التفت السيد روزنكرانت بحَنَق، ليقع على الشريف مارسيلوس، فتصنّع في هيئته، وبلهجة معسولة: أهلاً وسهلاً شريف، أنا وكل مِلاكي في خدمتك. أهلاً وسهلاً كاوبوي، أهلاً وسهلاً أنتَ، أهلاً وسهلاً أنتِ، أهلاً وسهلاً سيدي القاضي المعاون، أتمنى ألا تكون الأحكام جِد ثقيلة على كاهلك، بعد الحادث الأليم الذي حدث، أهلاً وسهلاً، أهلاً وسهلاً، أهلاً وسهلاً… كانوا يتنقلون بين السلع المعروضة تحت السقف المزجج ذي رسومات الزيت التي تفوق في إبداعها رسومات الكنائس، ويلمسون هذه السلعة أو تلك بأصابع تترعّش قبل أن يضعوا هذه السلعة أو تلك في سلالهم أو عرباتهم. اتجه الشريف مارسيلوس مباشرة إلى رف المسدسات المربوطة من عرواتها بالسلاسل كيلا تُسرق، وراح يفحصها واحدًا بعد آخر بيد العارف وعين الغيور، فهي من التطور الشيء الكثير، لكنه ارتاح أيما ارتياح عندما لم يقع على مسدس أحلامه ذي المواسير المتعددة. على مقربة ليست بعيدة، كانت رفوف المعلبات، الصيحة الأخيرة في ميدان التغذية. حمل راعي البقر، مرؤوس رينالدو، من تلك التي تحتوي على الفاصوليا البيضاء ما غطى صدره وتجاوز ذقنه، وكذلك فعل صاحبه بعلب الفاصوليا الحمراء. أهلاً وسهلاً، أهلاً وسهلاً، أهلاً وسهلاً… وجد السيد روزنكرانت نفسه، وهو يتكلم وحده، فقطب حاجبيه، وذهب ليلقي نظرة على أمينتي الصندوق. أسعده منظر النقود، فطبطب على ظهر هذه، وعلى ظهر تلك. بعد ذلك، راح يتجول بين الفروع، ليتأكد من أن كل شيء على ما يرام، وأن لا سارق يكمن في ثياب الزبائن. لاحظ تردد الهنديين المتحضرين تحت فِرْع السروج، إلا أنه تركهما لحالهما، وهو يقهقه في دخيلة نفسه، فكيف الواحد أو الآخر سيسرق سرجًا! لم ينتبه إلى الأسود، شريكهما، الذي يراقب السيد روزنكرانت مراقبة السيد روزنكرانت له، كان يخفي نفسه خلف حَزَمات العلف. عندما اطمأن إلى نفسه، قرر تنفيذ ما جاء من أجله، ألا وهو إحراق بعض العلف لإرسال بعض الدخان، فقط، دخان يسبب الهلع والفوضى، وتكون الفرصة سانحة للرجلين الأحمرين، لينهيا ما عزما عليه. وهذا ما وقع. لكن النار امتدت إلى كل حَزَمات العلف، وعلى صراخ أحد الأطفال، ألقى أحد الهنديين السرج الذي يحمله، وسارع إلى نجدة الصغير معرضًا نفسه لخطر الموت حرقًا. كانت بالأحرى صغيرة، طفلة شقراء أجمل من كل الشموس. تمكن رجال الإطفاء من الحد من انتشار الحريق، فلم تكن خسائر السيد روزنكرانت كثيرة. بالمقابل، السلع التي خرج بها الزبائن دون أن يدفعوا كانت كثيرة، جِد كثيرة. في الخارج، كان الاحتفال بالبطل المنقذ للشمس: موسيقى وقلائد ورد وصور، هو، وهو يحمل البنت، وصاحبه، وهو يحمل السرج. الأول قَبّلته الأم من ثغره، والثاني قضى المسيح بالحكم عليه، وذلك بقطع يده.

* * *

لم تكتحل عين هاملت غُمْضًا، كان لائِرتس يغفو كرضيع، وهو يتقلب على رمضاء البؤس. لم يغادره الشك في نفسه، في صديقه، في عمه، في أمه، في حبيبته، وفي لحظة من اللحظات، ظن أن الشك غادره، لكن الشك كان يخبئ نفسه في دماغه. كم كان يخدعه الشك ليكون، ليكبر، ليعظم، ليغدو الشك شكين، لا ليكون ضحيته، وإنما سيده، سيد الشك أن يكون، وأن يكون الشك في قبضته سياطًا يجلد به روحه: ليرى ما لا يرى، ليسمع ما لا يسمع، وليفعل ما لا يفعل. بفضل شكه في الواقعي، الحقيقي، الكائن، راح يؤمن باللاواقعي، اللاحقيقي، اللاكائن، ويسبح في عالم من الظن. ليس كظن بل كحقيقة. الظن وقد غدا حقيقة لهو حقيقة كل يوم في زمن لا يعرف الحقيقة: لهذا السبب، وجد هاملت نفسه في أحد مضارب الهنود الحمر بين الزنابق والنيران، ولم يقدر على فعل شيء آخر غير البكاء، وَشَتْم العالم، ولعنة الإنسان. ووجد نفسه في أحد مستنقعات القاطورات بين الأسنان القاطعة والمخالب الذَّرِبَة، ولم يقدر على فعل شيء آخر غير الاستسلام، وتمني أن تُرْفِقَ به هذه الحيوانات الضارية الذارفة الدمع على ضحاياها. ووجد نفسه في أحد بساتين الأشجار بين مهابلها وبطونها، ولم يقدر على فعل شيء آخر غير الدخول فيها بكل جسده كي يلذها دون أن يظفر من اللذة بأي شيء. وبينما هو بين حلم وواقع، سمع صهيلاً يأتي من الخارج تبعه عدو في الشارع العام، ثم ما لبث أن قذف أحدهم النافذة بحجر حطم زجاجها، فقام هاملت ليرى. ومن الشرفة لم ير شيئًا، لم يجد أحدًا، كان كل شيء يسقط في الظلام، والظلام يغذي الأحلام، أحلام العين المغمضة والعين المفتوحة على حد سواء. كان هاملت، وهو ينظر من الشرفة، يرى الشارع العام، وقد غدا نهرًا، وهو يصنع مع النهر جسدًا واحدًا، كان هذا ما يدعى تحقيق حلمك، لما تغدو والنهر جسدًا واحدًا، لما يتكلم النهر معك، وتردد مع النهر ما ليس موجودًا في الكتب، لما تقارب العالم الوحشيّ، وتعيش بحدة، لما تصنع منه جنتك –أو جحيمك- من أجل حماية الطبيعة، لما تؤاخي النهر، وتشعر بنفسك، فتقول هذه حريتي. أدار هاملت ظهره للشارع العام ليعود إلى فراشه، فإذا بالصهيل يعلو من جديد، وعندما أطل برأسه، رأى الحصان الأسود، الزين، هدية قدم الجبل للعظيم هانس كييركغارد، وعلى سرجه شبح أبيه. أشار إليه الشبح بالنزول، فلم يفعل سوى الطاعة والإذعان. حمله الشبح من ورائه، وذهب به بعيدًا عن ساكرامنتو، هناك حيث لا يوجد غير الغار بيتًا، والنار غذاءً. – لماذا أنا، يا شبح أبي؟ بادر هاملتُ الشبحَ بالكلام. – ومن لأبيك غيرك بعد أبيك؟ أجاب شبح السنيّ هانس كييركغارد، مات أبوك وأنت بوفاء! – هذا ما لا يضمنه أحد في مملكة الدانمرك. – ومن لأبيك غيرك من أجل الانتقام؟ – أعرف أنه عمي ولا أعرف أنه عمي، فأرحني، لا أريد أن يكون الموتُ لُغزًا. – أنا هنا كي أزيل شكوكك، وأريحك، إلى الأبد أريحك. – ستريحني إلى الأبد، وإلى الأبد لن تريحني، فهل تنسى روح هاملت؟ – لا أنسى. – من العادة أن يطارد الشبح غريم صاحبه ليعذب الغريمَ ضميرُه، ويدفعه إلى الاعتراف. – عمك لن يعذبه أي ضمير: ها هو يتزوج من أمك قبل أن تنتهي مدة الحداد على أبيك! – وماذا تريدني أن أفعل؟ أن أبعث به إليك في عالم الأشباح؟ – في عالم الأشباح الكل أشباح. – إذن ماذا تريد مني؟ – ليس أنا، أبوك. يريد أبوك أن تضع السُّم في نهر ساكرامنتو، وتسمم أهل المملكة. – أن أضع السُّم… وأسمم… – موت أخي أبيك وقاتله وموت زوج أبيك وغادِرته لن يغيرا من طبيعة الأمور شيئًا، وطبيعة الأمور هي الجريمة في كل ساعة، والاغتصاب في كل دقيقة، والخيانة في كل ثانية: الجريمة المرتكبة في الإنسان وفي الحيوان، والاغتصاب المقترف على الأرض وفي السماء، والخيانة المعمول بها ضد الطبيعة وضد اللاطبيعة، ضدك أنت وضدي أنا، فأنت فيزيقيا، وأنا ميتافيزيقيا، أنت لغة، وأنا لغة أتخذ منها موضوعًا للعقابِ وتقريرِ أعرافِهِ. وأنت وأنا بريق المعادن، الذهب والفضة والبلاتين، هذا ما يجمعنا من نور منعكس على عكس كل سكان ساكرامنتو الجشعين، مغتصبي تبر كاليفورنيا كما تُغتصب من الإنسان إنسانيته. باسم هذه الإنسانية اقْتُلِ الإنسان، وليس فقط قَتْل من قَتَل أباك أو سكت عن قتله. – هذا عمل جبار لا يقدر عليه شخص مثلي، كما تعلم، شخص مثلي فقد رجولته. – طبعًا. – إذن ماذا؟ – إنها الطريقة الوحيدة. – لاستعادتها؟ – للثأر لأبيك من كل أهالي مملكته، هذه المملكة الماخور مملكته! – يا ليتها كانت الماخور لكانت أعظم شيء في الوجود، ولكنت أقوى رجل في العالم! – مات أبوك في وضع فاجعي، فلا تتركني أموت في وضع فاجعي. – الأشباح يموتون؟ – احتراقًا إذا ما لم تُلَبَّ رغباتهم، أريد القول رغبات رغباتهم. روحي الآن تحلق كالجناح دون جسد. في الليل، تضرب بكل شيء، تتوجع هي، ولا شيء يتوجع. في النهار، تنام في حلوق البيْسونات الذبيحة لتدفأ بدمها، وتأخذ لون الدم عبثًا. لهذا كانت الأشباح أشباحًا، تحمل على ظهورها الشفيفة كل بلوى الأحياء. لتخلص من هذا المصاب الزمني في عالمها اللازمني، تسعى إلى الانتقام من كل الإنسانية بشتى السبل. إن لم يكن بمقدورك، يا هاملت، أن تحرر شبح أبيك من الشقاء الذي يثقل هامته كما يثقل الحديد هامة دابة حُكم عليها بنقل الأطنان منه، فلن يكون أمامي غير قبول أن أغدو ظِلفًا لبقرة أو حافرًا لحصان أو ذيلاً لكلب، وليس هذا من مقام أشباح السادة، الآلهة على الأرض الذين كان أبوك واحدًا منهم. إن لم يكن بمقدورك، يا هاملت، أن تفعل ما أطلبه منك، فافعل ما يناسب طبيعتك، اقتل عمك وأمك، اقتلهما الاثنين، ولا توفر دمهما، وانتقم لأبيك المغدور، أقل انتقام، هذا صحيح، لأعظم جريمة. –  دعني أفكر في الأمر، يا رسول هادِس. – لن تفكر في الأمر طويلاً كيلا أموت قبل تحقيق هذا المطلب المصيري، فالمرء لا يعمر كثيرًا في عالم الأشباح، والتفكير في الموت هو التفكير في الحياة عندما يكون الموت موتين، الموت الذي تصنعه، والموت الذي يصنعك. هذا الفرض الجريء لم تقتضه الصدفة. – الموت الذي يصنعني بعيد. – ليس بعيدًا جدًا، إنه على مرمى حجر، مسافة خمسين عامًا أخرى إن لم يقتلك أحد كأبيك، دعه يصنعك، فتعيش حياتك. ارْتَدْ عالم الموت لتفهم الجنس أفضل، والمال أفضل، والسلطة أفضل، هكذا لن ترتكب الخطأ الذي ارتكبه أبوك. فعلتُ كل هذا من أجلك، يا بنيّ! بنيتُ مملكة الدانمرك من أجلك، يا بنيّ! قُتِلْتُ من أجلك، يا بنيّ! خطأه كان أنه لم يفعل شيئًا من أجله هو، وفعل كل شيء من أجلك أنت، حتى أن مصرعه كان من أجلك. لم يكن في حياته يريد سكب الدماء، كان كره الدم من طبيعته، فأراق دمه بيدِ أخٍ لَهُ في الدم. – مع الأسف أنا أيضًا كره الدم من طبيعتي. – التفكير في الموت سيجعلك تحبه، ستعتبره ندى الورد، وريقَ التوت، ورَشْحَ الفراولة، ستقاوم العزلة بسيفه، فللموت سيف بطراوة العجين، سيدفعك إلى احتمال الفشل، والركض وراء النجاح من أجلك بدافع ابتسامة شاحبة لطفلك تسكن بين عينيك ولا تغادر دماغك، نعم، من أجلك لا من أجل طفلك كما فعل أبوك، فخسر حياته، وخسر موته. لم يفهم أبوك أن لابنه سيعود كل شيء فيما بعد، والبحث عن السعادة كالحقيقة لا ينتهي بالموت، يستمر على أيدي الأحياء، يكون الموتى لهم نبراس وقتهم، لهذا هم لا يموتون، يبقون معنا، نتحدث وإياهم كل يوم، نأكل معهم، نضحك معهم أو نبكي، ننام قربهم. كان أبوك مستعجلاً، لهذا مات. كل الأحلام التي حققها لم تكن كل الأحلام، فمات بسببها. لو لم يقتله أخوه لقتل نفسه، وهو على أي حال في حياته كان يقتل نفسه، ولم يترك للموت الفرصة على الذهاب بحياته إلى أقصى مدى. غار الموت من حياته، فتآمر عليه. لا يكن يأسك من آمالك سريعًا كيأس أبيك، فها هو يدير للعالم ظهره بعد أن أدار للمجرم ظهره. كان شعاره اللازائف: “هم الخاسرون ليس أنا!”، وكان أمله الزائف: ” سيأتي يوم يَقْدِرُوني فيه حقَّ قَدْري!”. كم من فرصة أضاعها كانت الحياة أهمها؟ مسكينة يا دانمرك وكل هؤلاء القِمَاء! عبّر الشبح عن كل ما عبّر، ونهض ليمتطي وهاملتُ الزينَ: – سأعيدك إلى حيث جئت بك، قال. لم يتحرك هاملت من مكانه، فطلب الوهم إليه: – ماذا تنتظر؟ أن أفعل مكانك ما تريد أن تفعل كما فعل أبوك؟ – سيكون إعجاز الوجود. – بالفعل، فالأشباح لا يقدرون على فعل أي شيء. – يقدرون. – على ماذا؟ – على ألا يكون هناك إعجاز. – مهمتك تقترب من الإعجاز. – مهمتي صعبة، وهي من الصعوبة الشيء الكثير، بحيث أتساءل إذا ما أنا أهل لها.  عدا الزينُ، وهاملت يطوق الشبح بذراعية كيلا يسقط. بدأت خيوط الفجر تفلتُ، وشيئًا فشيئًا تَشِفُّ، إلى أن وجد ابنُ السيدِ المغدورِ نفسَهُ، وهو يضم الضياء. شد اللجام، ولم يبق غيره من يقود الحصان. رَغِبَ في العودة إلى مربى الماشية، ليفكر فيما سيفعل، وهو على مقربة من غريميه، في قلب المكان الذي ارتكبت فيه أفظع الجرائم، إلا أنه مضى بالكنيسة المفتوحة للعباد ليلَ نهار. دخلها ليجد الشموع دومًا الشموع، والأيقونات دومًا الأيقونات، والتماثيل دومًا التماثيل، المسيح على الصليب، أديمه العبادة والبرد، ومريم في هالة من الضياء الأزلي، تمارس مع الله ما يمارسه عباده من اتحاد النفس به، فقرر مغادرة المكان بعجلة. وهو قرب البوابة، التفت، بعد قليلٍ من التردد، فوجد ماري تبتسم له ابتسامة العذراء التي كانتها دومًا وأبدًا، في كوميديا المسيحية.

يتبع: القسم الثالث

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة