التصنيف : اراء حرة (:::)
شوقية عروق منصور – فلسطين المحتلة (::::)
حين قال الشاعر أحمد فؤاد نجم أنا ” الفاجومي ” اعتقدت ان هذه الكلمة شتيمة بذيئة ، لكن حين فسر معناها عرفت انها تقال للرجل الفصيح الجريء الذي يقول كلمته بصراحة ولا يخاف من أحد ، وأضاف نجم : يقال أن قبيلة ” الفجم ” كانت تسكن على ضفاف النيل قبل الفراعنة ب2000 سنة وهم من آكلي لحوم البشر..!! ضحكت وقلت له : فعلاً أنت من آكلي لحوم البشر لكن البشر الفاسدين والظالمين والطغاة والاشرار ومغتصبي الحق والحرية وحراس الزنازين والسجون والانظمة العربية والاجنبية التي استباحت كل شيء حتى حولت المواطن العربي الى لا شيء ، منقوعا ًبالفقر والجوع والامراض والبطالة والكبت ..الخ ونحن نشاركك هذا الاكل باستمتاع وشهية مفتوحة . والأكل كما يفسره العلماء مناخ نفسي ، ونحن مناخ نفوسنا قد سئم لغة الزحف على البطون وتقبيل أيدي الملوك و – بوس اليد وادعو عليها بالكسر – والعين ما بتقاوم المخرز ، وتعبنا من فلسفة الصمت التي تطوق الانسان العربي بالقول (ان الانسان وقوة الامور التي يصمت فيها أشد من قوة التي يقولها ) نريد ان نصرخ بأعلى الصوت حسب قول الفلاح الفلسطيني ” جاي يا غلمان جاي ” . عام 1983 مدينة القاهرة بسحرها وتاريخها ونيلها وشوارعها وعماراتها وجسورها لم تأسرني ما دمت لم التق ببعض الأدباء والشعراء المصريين الذين شكلوا جزءاً من ثقافتي ووجداني وفكري ، وتواصلت معهم روحانياً و كلماتهم ما زالت تقيم في شراييني اقامة جبرية ، وكان الشاعر أحمد فؤاد نجم من بين الوجوه التي قررت لقاءها ، فقد كانت اغنيات الشيخ امام قد وصلت الينا عبر الاشرطة موقعة بكلمات احمد فؤاد نجم الذي ولد لكي يفتح الجرح المصري والعربي ويرش الملح فيه .
العنوان بحوزتي وسائق التاكسي دخل في عدة أحياء ثم وقف حائراً لم يعرف من أين يدخل لحي الغورية ، أنا هنا في حي الطبالة – سألت بعد ذلك الكاتب المعروف يوسف القعيد عن معنى من اين جاءت كلمة الطبالة قال ( يقال ان المستنصر الفاطمي اعجبته سيدة تدعى ” نسب ” وكانت عالمة مشهورة تعرف بالطبالة لأنها ترقص وتدق الطبلة وقد انسجم في أحدى الليالي وهي ترقص امامه ولم يكن معه سيولة وقتها لكي يلقي عليها الدنانير، فنقطها حياً بأكمله عرف فيما بعد بحي الطبالة .. سألنا عدة أشخاص عن حي الغورية أجابوا من هنا وهنا ومن هناك حتى ضعت .. ( ذكرني بالمسرحية الغنائية ” الليلة الكبيرة ” للشاعر المصري صلاح جاهين والحان سيد مكاوي الذي يهزأ فيها من أحد الصعايدة الذي قدم الى القاهرة ليزور مقام السيدة زينب و حين يسأل عن الطريق يقول له المارة في الشارع – تدخل من هنا وتخرج من هنا وتدخل من هنا وتخرج من هنا لما توه تكون وصلت – . أخيراً وصلت الى حي الغورية ، العنوان بحوزتي لكن ” حوش أم خوش ” وجدت أن هناك حارة تسمى ” حوش قدم ” وحارة أخرى ” خوش قدم “- معناها بالتركية قدم الخير – وقبل ان احاول سؤال أحد المارة عن منزل الشاعر أحمد فؤاد نجم تقدم نحوي احد الشباب قائلاً :
– أنت بتفتشي على عم احمد- ؟؟! قلت له نعم فقال اهلاً وسهلاً وأخذ يرحب بي ..وأضاف احنا بنعرف الناس الغرباء اللي بيجوا هنا ، بيت عمي أحمد صار مثل الوزارة وأكثر .. حظك انو عمي احمد هناك جالس عالقهوة المقابلة .. واشار بيده !! ثم أخذ يناديه .. الهانم عيزاك ..!! نظرت حولي اكتشفت أنا ” الهانم ” فضحكت في سري ..! ملامحه المصرية المتعبة تتغلغل في تجاعيد وجهه ، تنطق بالفرح العابر الذي يتسلق التفاؤل دائماً ، قامته محنية لكن مشيته فيها كبرياء ، أخذ يرحب بي باهتمام ، خاصة حين عرف أنني من فلسطين ثم دعاني للانضمام للنقاش حيث كان يجلس الشيخ امام والى جانبه العديد من الاشخاص الذين قدموا من مختلف الدول العربية يتحدثون حول الغناء الملتزم وتأثير حصار بيروت – كانت خارجة آنذاك من الحصار ورجال المقاومة الفلسطينية قد خرجوا أيضاً منها – على الأدب والفن والرؤية السياسية المستقبلية وأيضاً عن تطبيع النظام المصري مع اسرائيل .
دائرة الاشخاص تكبر حول الطاولة والكراسي تنضم وتتكاثر والحديث ذو شجون ، تكلم احمد فؤاد نجم عن حياته ورحلة الشقاء والكفاح والسجون التي نزل فيها ، وقصائده التي كانت ناراً وزلزالاً على نظام السادات حتى اطلق عليه الشاعر البذيء ، ثم تحدث الشيخ امام عن لقاءه عام 1962 مع الشاعر نجم ، وتكوين الثنائي الناجح والمؤثر في الاغنية الوطنية ، حيث اعترف الشيخ امام أن الشاعر ” نجم وضعه على سكة القطار الصحيح ، حيث كانت الحانه القديمة تدور في دائرة الذات وليس دائرة الوطن والقضايا السياسية التي يعيشها المواطن .
أثناء الحديث طلب مني الشاعر أحمد فؤاد نجم النظر الى احدى العجائز وهي تحمل بيضة في يدها وترفعها عالياً امام قرص الشمس .. قال لي هذه المرأة المسنة خائفة أن تشتري بيضاً قادماً من اسرائيل ، فقد خرجت اشاعة أن هناك صفقة بيض قادمة من هناك لذلك ، عندما يشترون البيض يريدون التأكد أن البيض ليس عليه الختم الاسرائيلي ، وفي ذات الوقت لا يثقون بالجهات المسؤولة فقد تقوم هذه الجهات بالخداع ومسح الختم ، لكن لا بد أن يبقى الأثر على البيضة لذلك يرفعونها امام نور الشمس كي يرونها جيداً ، لذلك تأكدي أن التطبيع مع النظام وليس مع الشعب .
ثم انتقلنا جميعنا الى بيته الضيق الصغير الذي يتسع للألف صديق ، البيت آيل للسقوط ، قديم عمره أكثر من 500 عام الدرج المؤدي اليه منحوتاً في الصخر وبشكل لولبي ، تعجبت كيف يصعد الشيخ امام وهو الأعمى دون ان يمسك بيده أحد – كأنه عرف ماذا يدور في خلدي – قال أنه تعود على هذا الدرج.. الأعمى يتمتع بالرؤية حين يمر عليه وقت طويل في المكان !!
البيت مكون من ثلاث غرف ، غرفة للشيخ امام وغرفة للشاعر أحمد فؤاد نجم وغرفة للنحات والرسام محمد علي ، الدهشة تغمر المكان ، من هنا تخرج القصائد النارية التي استخفت بالكبار وبالأنظمة السياسية من الرئيس نيكسون الذي استهزأ منه نجم خلال زيارته لمصر ( شرفت يا نيكسون بابا – يا بتاع الوترغيت ) الى الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان الذي أعلن السادات ان زيارة الرئيس الفرنسي ستغدق على الشعب المصري السعادة والرخاء ( فاليري جيسكار ديستان والست بتاعه كمان حيجيبوا الديب من ديلو ويشبعوا كل جوعان ) حتى السادات الذي لقب نجم ” الشاعر البذيء ” جن جنونه حين قلده نجم في جامعة عين شمس وهو يلقي قصيدته الشهيرة (هنا اذاعة شقلبان) واصفاً طريقة السادات في الألقاء ( قال أعوذ ومد بوزو ..الخ) من هنا خرجت قصيدة ” جيفارا مات” و ” تجمعوا العشاق بسجن القلعة ” و” دولا مين ” و” الفول ” و” البتاع ” و” مصر يما يا بهية ” و ” يا فلسطينية ” و” كلب الست ” حين هاجم فوكس كلب المطربة ام كلثوم أحد الطلاب الجامعيين الفقراء ويدعى اسماعيل وكان ماراً بجوار الفيلا مما سبب له الأذى وقد رقد في المستشفى ، ورفضت السلطات توجيه تهمة لأم كلثوم حتى أنها لم تدفع للشاب شيئاً ، بل قامت الشرطة بضربه وطرده من المستشفى ، مما جعل أحمد فؤاد نجم يثور ويكتب أشهر دواوينه ” كلب الست ” الذي قال في نهايته ” هيص يا كلب الست هيص لك مقامك في البوليس ، بكرة تتولف وزارة للكلاب ياخدوك رئيس . ”
من هنا كانت تخرج القصائد وتسجل تفاصيل حياة وشقاء المواطن المصري ، من جوعه الى امراضه الى سجنه ، من هنا كانت كلمات ” نجم” تتسلل الى الوطن العربي وتبني فوق أصابع الاجيال جبالاً من القوة والصمود والشجاعة ، وخلق أجواء تسعى للتغيير والرفض والمواجهة .
عدة ساعات واحمد فؤاد نجم يقرأ القصائد والشيخ امام يعزف ويغني ، ساعات خارجة من الزمن ، في رفقة لسان طويل – اعترف نجم أن لسانه طويل في زمن الالسنة المقطوعة – . في عام 1984 ذهبت الى حي الغروية الى حوش قدم ، وجدت الشيخ امام لوحده وقد انفصل عن الشاعر أحمد فؤاد نجم وكان هذا الانفصال ضربة قاسية للثنائي الذي منح الأغنية الوطنية السياسية المذاق الخاص والمميز ، كان الثنائي تجربة نجاحة ولكن – حلف الزين ما يكمل – ، التقيت بنجم بعد ذلك في احد قاعات معرض الكتاب في القاهرة سألته عن الشيخ أمام الذي كان قد توفي قبل سنوات أجاب كانت أيام ..
سألت صديق لهما عن سبب الانفصال قال لي : لم يستطع الاثنان تحمل النجاح الساحق ودعوات السفر الى جميع الدول العربية من الجزائر الى سوريا الى العراق الى فرنسا الى لندن من الفقر المدقع الى الاموال كانت صدمة للطرفين .
وبقي احمد فؤاد نجم لوحده ، شاعراً كبيراً وثائراً في زمن الصمت ، كان وجوده في الفضائيات العربية نجماً ، خلال ثورتي 25 يناير و30 يونيو كانت كلماته في الميادين وعلى الجدران والواجهات والشعارات ، حتى اصبح جزءاً من الثورة المصرية واضاف اليها ابنته ” نوارة نجم ” من زوجته السابقة الكاتبة صافيناز كاظم . قال الحكيم : السعادة ان تدخل بحر الناس وتصير سمكة .
قال الآخر صغيرة أم كبيرة ؟
قال الحكيم : تلك هي المسألة !
والشاعر احمد فؤاد نجم كان حوتاً كبيراً ، ابتلع كل من حاول أن يستخف ويقهر ويظلم ويصيد السمك الصغير في شباك الكذب والتآمر والفساد .





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

