ويستمر المطر : مجموعة قصص قصيره

التصنيف : القصة (:::)

بكر السباتين * (::::)
” 1″
“ويستمر المطر”..
يندثر ابن ذلك الثري (المنشغل بتجارته عن أبنائه)؛ تحت فراشه الوثير باحثاً عن الدفء المتبدد في هذه الليلة الباردة فلم يجده.. وتزداد وحشته إزاء تساقط الأمطار الغزيرة، وتناوح الرياح في هذه الليلة المكفهرة.. بينما المتسول الصغير الذي نام ليلتها مفترشاً أرضية بئر السلم؛ متلفحاً بذكرياته البعيدة، وجد كل الدفء في قبلة أمه التي طبعتها على جبينه قبل وفاتها.. ويستمر المطر..

“2”

“المعجزة.. سنحيا لأجل بعضن..”..
القطارُ اللاهثُ يحمل البريدَ عبر العصبون إلى القيادة المركزية، فينفجر في النخاع الشوكي.. الصندوق الأسود مختبئ في كريات الدم الحمراء، وقد تحاذفته نوافير الدم التي نزفت عبر الشريان المثقوب، إلى خارج الجسد الذي تلوى من الألم ؛حتى ارتمى على الأرض مدرجاً بالدماء .. المجهر في يد الطبيب الشرعي أخذ يبين الحقيقة.. إذ أن حمولة القطار من الأسئلة المبهمة أرغمت الجهاز المناعي على اتخاذ قرار وقائي طارئ؛ إذ عزم على قصفه بالمضاضات؛ هذا قبل اختراقه دفاعات الدماغ منعاً لوقوع الكارثة.. الطبيب الشرعي جعل يهز رأسه متمتماً: ” أدركناه في الوقت المناسب! ربما أصابه الشلل النصفي! لكن دماغة سيعمل بكامل طاقته”.. قالت الممرضة مبشرة أهل المريض والمحققين والصحفيين: “دماغ الرجل لم يعد يستقبل الرسائل العصبية”. فهمس رجل المخابرات في أذن المحقق المتربص به: ” لا نفع منه إذاً بعد اليوم.. لنطلق سراحه”. وكان رفيق دربه متوجساً خيفة من أن يتلفظ الرجل المتهالك بأسرار الجماعة :” لم يعد هذا البطل قادراً على تنفيذ التعليمات الصادرة من القيادة المركزية؛ سنخرجه من صفوفنا فهو لن يشكل خطراً علينا”.. ثم تنفس الصعداء. لكن الرجل المصاب وهو شاخص في اللاشيء أحس بوجودها.. كانت أمه ساهرة عليه !! فنادى عليها متألماً: ” ماء يا أمي”. سارعت الممرضة ترد عليه بحرص وانتباه:” هذا خطر عليك”.. ثم ابتسمت في وجه أمه بذهول:” يا سيدتي.. أنت تمثلين المعجزة هنا!! فرسائلك هي الوحيدة التي ما زالت تصل إلى دماغه فيراك من خلالها”..فردت الأم بهديل خرج من قلبها الشفوق:”سنحيا لأجل بعضنا!!”.. ثم لبت النداء.

“3”

“مشهد”..
لم تصل الرصاصة صدره فمات من القهر.. وحين أصابته أيقظت المتفرجين.. وطاردوا القاتل:” هزمت أباك أيها الضال”. وأغلقت الستارة..

“5”

“عذرك مقبول” ..
المتعوسُ بعد أن أغلق علي نفسه بابَ سيارته الفارهة وهمَّ على الإنطلاق بها عبر الطرقات غير المعبدة جيداً؛ فتح النافذة، وبصق على الرصيف باستهتار. وكأنه يمتلك الأرض وما عليها.. لم تعجبه نظراتي التي أرسلتها إليه شزراً، فرد عليها بنظرات متوقدة بالتحدي والإدانة، ثم رماني بسؤاله متحديا:” ألم أعجبك حتى ترمقني بنظراتك المريبة هذه”. طويت الشر مشيحاً بوجهي عنه ؛ فكلانا يتقصد باب رزقه ولا نريد تعكراً ليومنا هذا. وتساءلت مندهشاً: “ربما شتمني هذا المعوق بلسانه المزفر حينما هز رأسه متمتماً بصوت مكتوم..! الجبان الرعديد”. وكأنني أحارب طواحين الهواء إذْ تظاهرت لنفسي بأنني سألحق بالسيارة كيفما اتفق!! كي ألقن ذلك الأرعن درساً لا ينساه في الأخلاق؛ سوى أنها انطلقت كالصاروخ ليبتلعها شارع فرعي يؤدي إلى مبنى وزارة الداخلية. ” إذاً!! فليس باليد حيلة؛ فقد اختفى الجبان”. فبصقت على أثره عفوياً بملئ فمي حتى تطاير الرذاذ على شجرة كنت أستند بظهري عليها فيما أصاب شيء منها جانب الرصيف؛ لأفاجأ أيضاً بمن كان يرمقني بنظرات استهجان ذكرتني بموقفي مع السائق قبل قليل .. فابتسمت في وجهه معتذراً وقد داهمني شعورٌ بالخجل شديد.. فتجاوب الرجل مع موقفي بابتسامة عريضة. كأنه يهمس لي :” أمضِ في طريقك فلا عليك.. عذرك مقبول”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*فلسطيني (من الأردن).

رابط المؤلف:

 http://www.bakeralsabatean.com/cms/component/