*التصنيف : القصة (::::)
بكر السباتين * (:::::)
” 1″
” غواية ومصير”
سبحت أنامله على مصيره المسجى، فألهبته الجنية بأنفاس الشوق، وكفنته بالهزيمة وهي تصلي روحه بجسد من نار في غمرة من الشهوة التي حررت جنونهما في لحظات .. ولمّا افترقا، عذبته باللوعة؛ فنأى عن الظمآن كأس النبيذ وجفت ينابيع العشق؛ فساد اليباب، وانحجب النوم عن عينيه الغائمتين، ولأول مرة مرّ به شريط الذكريات بلا نساء، ونضبت في عيون العذارى الدموع بعدما حولته الجنية إلى رماد، واستفاقت في رأسه المصدوح الكوابيس” هل سأفقدها تلك الجنية التي فرقت بيني وبين عافية الشباب فأستحلت لأجلها إلى صعلوك يقتات على آخر لقاء معها”. هل خرجت إليه من مصباح الشكوى الذي يبحث عنه السندبادُ بلمسةٍ حارةٍ من أنامل المعذبات؛ كي يلبي لهن الماردُ أمنية وحيدة” تأديبي من جناية القتل المتعمد لقلوب العذارى” لن يلقي غوايته في البحر الميت بعد اليوم؛ ما دامت الجنية تحاصر كل أحلامه الناضبة.. هذه المرة قدمتها الجنية إليه.. كأنه تحرر من ضباب ماضيه الذي أخرج الوحوش من قمقمها. وفجأة وجدها تتجول في الأسواق شاردة كغجرية تبحث عن ضالتها. يتطاير شعرها مع الريح في جو خريفي مكفهر. لملم بقاياه بكل سهولة حينما سقته من عينيها ؛فاستفاق على أحلامه الجديدة كأن أريجها الأنثوي الفواح نشادر أيقظه من السبات فأحيا قلبه المكلوم، تناغمت الغجرية مع ذلك المهمش في أزقة المدينة ودروبها التي لا تنتهي تحت قدميه” سيتزوجها”. وفي الربيع كانت عشتار ترضع ابنه! لكنه مع الأيام جعل يخالف رغبات الجدات في أن يرث ابنه ماضيه” وسيم كوالده الذي ورث الربيع” فيهمس في أذنيه وهو يصرخ بجوار زوجته النافس؛ كأنه يخاطب الجنية في صدفة قذفها البحر إليه” أترك للجنية غوايتها وانتظر أول فراشة تتهادى على بتلاتك الطرية” فتنامى إلى سمعه من أعماق طفله الغرير صدى همسات الجنية الغاضبة” أترك للغواية مجالاً للبقاء.. أترك هذا الطفل لأقدار لا نصنعها”. فابتسم مهزوماً كأنه قرر بأن يتصالح مع الأقدار.
“2 ”
” حب على موقد الانتظار”
توسدت ذراع والدها الذي بللته بدموعها السخية. وأحست وهو يحتضنها بوالدتها تتوسد قلبه الشفوق الذي لم يباعد بينهما الفراق رغم موتها البعيد القريب. كان خفقانه يبوح بخلجات والدتها وهي تبارك رغبتها بالزواج ممن تحب. كانت تعرفه حق المعرفة وهو يتناوب على راحتها أثناء مرضها وكأنه من افراد الأسرة” لكن الزمن تغير يا أماه، ووالدي يريدها زيجة تتجاوز اعترافي لحبيبي بالحقيقة المرة! وأشقائي لا يريدونها لأنني مسافرة إلى الغياب كي لا يرثني عند الممات” هذه المرة كان نشيج بكاء والدها مسموع إلى درجة الحرج؛ إذ تسلل من تحتها وهي تتمرغ على حجره؛ نائياً بنفسه إلى الشرفة كي يختلي بها مع أحزانه؛ بينما قررت بأن تعترف لحبيبها بمصابها حتى لا يتحول الزواج إلى مكيدة تكره تفاصيلها القادمة! خرجت إلى والدها الغارق في دموعه تغني له أغنية كانت ترددها والدتها على مسامعه قبل أن يطوي الغياب أثرها الطاهر” من غير ليه” لعبد الوهاب. وكأنها كوت قلبه فاستسلم للبكاء وهي مسترسلة بالغناء. لكن المصيبة التي باغتتها هي تلك المكالمة الغامضة التي غافلت فرحها.. حبيبها في الجانب الآخر يبث سمومه! أو هكذا فهمت مغزاها” لا بد من فسخ الخطوبة؛ فلدي الأسباب الموضوعية لذلك”. ماذا.. يتحرر من الحب الذي جمعنا طويلاً! هل حقاً ما تناقلته الألسن في أنه يبدل حبيباته كالخاتم في أصابعه!! ” هل كنت ألعوبته التي سينفضها كالغبار عن بريق حياته الموعودة! أم أن أشقائي صارحوه بالحقيقة الموجعة فلم يحتمل حياته مع مريضة بالعضال.. معه حق! فالموت سيطويني على عجل قبل أن أصل إلى أول قبلة موعودة بيننا؛ حينما نحل لبعضنا.. لن أبكي بعد اليوم ما دمت سأطيع أشقائي بمراجعة مركز السرطان! ولتهنأ بحبيبة أخرى متمنياً لكما السعادة!. أخذت تمسد عينيها الجميلتين الكحيلتين الناضبتين بإبهامها ثم مررت أناملها على شعرها الحريري” هل ستفتقدهما حينما يلتهمهما المرض اللعين! أم..! لا بأس. وفي اليوم التالي كانت جولتها مع الكيماوي أقل وطأةً من ألم الفراق لحبيبها الذي ودعها بمكالمة غامضة.. “أسر لي فيها بأنه لا يحتمل بأن يكون زوجي!! واحسرتا”.. خرجت محمولة على أكتاف شقيقيها يتقدمهما رجل متهالك من الألم كان يصلي لله كي يحفظ ابنته الجميلة” ليتني أموت قبلها”. لكنه القدر الذي دفعه أمامها.. حبيب قلبها جاء يسأل عنها! ما الذي يجري وقد اندفع إليها باكياً كالصغار! “أهذه أنت يا حبيبتي!” لكنها همست له معاتبة:” كنت سأعترف لك بمرضي! ها أنا كما تراني! لن تجد عندي متعة الحياة”. لكن الصدمة التي خلعت قلبها من جذوره، وقد ألمت بها حينا باغتهما الطبيب ملحاً:” الآن دورك.. الأجهزة معدة لك” الكيماوي!! ربت حبيبها على كتفها وقد اغرورقت عيناه العسليتين بالدموع.. “عيناك كأنهما لظبية عاشقة لا يتهادى في قلبها الغرام”. هذا ما كنت سأبوح به لك يا حبيبتي.. لكنني ومنذ اليوم سأستمر معك في حياة يحاصرنا فيها الخوف.. لن أخاف منذ اليوم”. لا تدري كيف انتعش قلبها بالأمل وامتلأ بالرجاْء.
“3 ”
أقصوصة “مشهد”
سقط الممثل ميتاً في مشهد مسرحي خارج النص، فصفق له الجمهور وفي نواياهم أنه أتقن دوره.. أما في جنازته؛ فلم يحضر أحد.
“4 ”
“الفخ والأعمى”
دخل شراكهم من حيث لا يدري. كل شيء مُعدٌ للسقوط في براثنهم” حينما طلبت منهم قراءة النص الذي يتوجب تذييله بتوقيعي تضاربت العبارات على ألسنهم”. كلهم يبشرونه بصفقة العمر التي سيكسب من ورائها الملايين” كيف أفهم ذلك”. حتى محامي الأسرة قلب العقد بيديه وجعل يقرأ بصوته الرتيب بنود العقد المثقل بالتواقيع التي جمعت البائع بالمشتري والشهود” كيف أوقع على صفقة يهمس لي مضمونها بالريبة”. الحفل المحيط به يضج بالضحك والإنبساط. كانت أخته غير الشقيقة تطبع القبل على جبينه” وقع يا حبيبي”. وأخوه مهندس الديكور يربت بيده على كتفه هامساً:” وصية الحاج ستنفذ بحذافيرها! كيف لا وقد وصانا عليك.. ربما أنت أعمى؛ لكننا عيناك التي ترى بهما”. دخل ابن الحارس الزنجي بالعصائر، وأخذ يوزع الأكواب على الضيوف المتلهفين لإنهاء تواقيع العقد وعيونهم شاخصة في الضرير كأنها لا ترى غيره.. مسَّد على عينيه بالسبابة والإبهام.. وأصغى باهتمام لحركة ابن الحارس ثم نادى عليه باهتمام.. اقترب الصغير من أذنيه وانفرجت أساريره حينما استعلم الضرير عن دراسته:” هل دروس القرآن التي أتابعك فيها سماعياً تفيدك في شيء”. فيجيب بافتخار: “أنا الآن يا سيدي أحسن القراءة بطلاقة”. ضغط على يده وأسر له بأمر لم ينتبه إليه أحد:” استرق النظر إلى بنود الورقة التي أضع يدي عليها واقراها ثم اهمس لي بما تفهمه منها”.. وفي لحظات أمعن السمع وسط الهرج والمرج للزنجي الذي شرع بشرح ما علق في ذهنه:” أقر أنا بالتنازل عن كافة حقوقي بالبيت والمزرعة و..!!” فاستوقفه برعدة هزت كيانه، وانتفض مزلزلاً الحفل وقد قلب الطاولة بما فيها على الضيوف متوعداً:” أخرجو يا سفلة”.”!!!!
“5 ”
“حادث سير”
داس على كوابح سيارته فسقط الهاتف النقال من يده.. الأضواء الساطعة في ذاكرته الملتهبته أشغلته عن الطريق المتواري في البساتين.. أطلق لنفير سيارته العنان مستنجداً .. فاستدلت عليه الذئاب.. ثم بعدها؛ لبت النجدة نداءه فوقعت على بقايا رفاته.. بعدما أشبع جسده المخضب بالدماء الضواري.. ثم رن الهاتف النقال من جديد ” بابا بابا!” فلا حياة.
“6 ”
“الميت الذي عاد”!!
رنت ساعة المنبه غاضبة يائسةً؛ فتناثرت مسنناتها، وعقاربها.. وأصبحت قطعها المتشرذمة في يد الجيران الذين جلبهم الفضول وفي نيتهم أن الرجل فقد حياته.. ماذا دهاك يا رجل!!؟ الشارع نهض على رنينها فيما تجاوبت معها كالأموات!؟ فصحا مشدوهاً!! وتمتم شاخصاً بنظرات الحبور إلى عينيها وهي تودعه قبل أن يصحوا متحللا من حلمه الجميل.. فجن جنونه ليجد نفسه محاصراً بأسئلة الجيران الملغمة بالدهشة!! فأجابهم: “كانت أمي تنيمني في الحلم بهديلها القادم من الغياب؛ كأنني طفلها الغرير.. وغفوت على صدرها.. ملتقماً ضرعها المليء بالمحبة والحنان… فتحطمت ساعة المنبه من الغيظ والناس دوني في زحام الصباح.
7
“نعم أجمل”!!
قارورة زيت الزيتون التي استعادتها السيدة الأنيقة من بيت الخادمة لم تذهب هدراً؛ فقد سامحت خادمتها على طول يدها بذريعة أن أطفالها جياع فيما أكدت من خلال اعترافاتها أمام الصغار والكبار بأنها ستعيد بقايا الزيت إلى مطبخها البلوطي الفاخر .أما ابتسامة الرضا في وجه السيدة لم تكن مجانية.. وسؤالها فيما لو شبع أبناء الخادمة أم ناموا جياعاً؛ جاء من قبيل التمهيد لأمر أهم في نظرها، حينما ربتت على كتفها المهزوم ” حبيبتي جهزت نفسي لأخذ حمام زيت زيتون؛ كي تظل بشرتي نضرة؛ فهمَّتُكِ معي كي تدلكيني بعناية فائقة.. عاملي هذا الجسد المنهك كأنه لطفلك الذي نام قبل لحظات.. دعي أناملك تمسد كل تفاصيل جسدها؛ فقد أنهكته الرياضة والرحلات والسهر في النوادي مع الأصدقاء..”. وحينما توغلت الخادمة أثناء التدليك غابت عن تفاصيل جسد سيدتها الغض المرمري. كانت تتذكر جفاف أجساد أطفالها الجياع من قلة الطعام.. وتشققات أخمصي قدميها وهي تطوف الحواري بحثاً عن عيادة مجانية تعالج الفطريات الطافحة في جسد أجمل بناتها الصغيرات” اكتشفت جمالها لأول مرة حينما دعكت وجهها بالصابون؛ فذهلت.. “كأنها أجمل من سيدتي!!”نعم أجمل.
* “كاتب وروائي فلسطيني من الأردن”.





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

