من يسمع يا عرفات ؟

 

التصنيف : اراء حرة (::::)

تميم منصور – فلسطين المحتلة (::::)

بعد أن بدد تقرير الخبراء السويسريون كل ضباب الشك وأعاد إلى ذاكرة  الفلسطينيين ملحمة رحيل عرفات بطريقة مأساوية وأكد بأن هناك عناصر ظلامية اسرائيلية وفلسطينية حاقدة ونفوساً شريرة تعاونت على التخلص من قائد له دوره في اعادة صقل وصياغة  التاريخ الفلسطيني ووضعه في المكان الصحيح ، بعد أن كان قد دفن تحت ركام الهزيمة وثنايا النسيان . يجب أن نعترف بأن كشف الحقيقة واماطة اللثام عن خبايا الاغتيال قد أضاف فصلاً جديداً الى مسيرة الشعب الفلسطيني منذ اقامة منظمة التحرير الفلسطينية حتى اليوم ، عنوان هذا الفصل بأن اقدام السلطات الاسرائيلية على هذه الجريمة بالتعاون مع نفر من الطابور الخامس من داخل المقاطعة لا يمنع اسرائيل من تكرار هذه الجريمة ضد أي زعيم فلسطيني يرفع شعارا واحدا من الشعارات التي رفعها الراحل عرفات وفي مقدمتها ” على القدس راجعين شهداء بالملايين ” وغيرها من الشعارات التي هي عبارة عن الثوابت لحماية الحق الفلسطيني بالدولة المستقلة والقدس وحق العودة . نعم صدر التقرير السويسري بوضوح وشفافية بأن الرئيس عرفات مات مسموماً داخل عرينه وعرين سلطته وبين وزرائه وحرسه القديم والجديد ، اقدمت اسرائيل على ذلك بعد ان ايقنت بأن عرفات الثائر والقائد المحارب وبطل الصمود في بيروت قد دخل في عالم النسيان بعد أن طالت مدة حصاره في رام الله على مرأى ومسمع من قادة وزعماء 21 دولة عربية ، جميعها كانت تنتظر هذا المصير ، لأن صمتها شجع اسرائيل على تنفيذ هذه الجريمة . لماذا اقدمت اسرائيل على هذه الجريمة مع أن ضحيتها كان محاصراً ؟ السبب انها كانت تهابه  رغم انها تحاصره ، ولأن حصاره زاد من قوته وصموده وعناده ورفضه التنازل عن ثوابته الحديدية المعروفة . اسرائيل اعتبرته عدوها الأول لأنه الصخرة التي كانت تسد كل منافذ التنازل والتعاون الأمني غير المحدود معها ، كانت ترى به الرافعة التي تمنع الجسد الفلسطيني من الانهيار والسقوط . اغتيل عرفات لأنه قال لبيان ” جنيف ” لا وقال لأمريكا ممثلة بالرئيس كلنتون وغيره لا ، وقال لإسرائيل لا للتفريط بحق العودة ولا للتفريط بشبر واحد من المقدسات الاسلامية والمسيحية ، رفض دولة الكنتونات ورفض اعادة الملف الفلسطيني من جديد الى رفوف الجامعة العربية ، كما فعل خليفته الحالي الذي عاد وراهن من جديد على هذه المؤسسة المفلسة ، وكما وضعت حركة حماس جميع بيض القضية في سلة الاخوان المسلمين في مصر وتركيا وقطر . نعم صدر التقرير ولكن هل يثير حمية الشعب الفلسطيني وقادته ؟ هل يعيدهم الى دروب الكفاح وسكة النضال ؟ هل يحطم قيود التحدي ويعيد اليقظة والغيرة الوطنية الشبه غائبة ؟ هل سيكون هذا التقرير الصرخة والنفير الشعبي على مقاس قيمته وأهميته وبعده التاريخي ؟ حتى الآن لا شيء يشير الى ذلك ، لأن مفاتيح أبواب الانتفاضة الثالثة معلقة في بنادق عشرات الالوف من جنود دايتون بعد أن تم تغييب حرّاس الثورة ومشاعلها .  نعم صدر التقرير ولكن من يسمع يا عرفات !!  لم تنطلق حتى الآن مظاهرة واحدة ، لم نسمع سوى طنين من التصريحات واجترار التعابير الفارغة وملامح الخوف من القاتل وهي اسرائيل ، لكن اسرائيل التي تحكم من يحكم لجنة التحقيق التي اقيمت تعرف اكثر من غيرها بأن ما يُطلق من بيانات ما هي سوى فقاقيع لرفع العتب .  من يسمع ايها الشهيد ؟ هل يسمع نواطير المصالح الامريكية والاسرائيلية في الجامعة العربية الذين سارعوا الى نعيك قبل رحيلك عندما عقدوا مؤتمرهم في بيروت سمة 2002 بدونك واعلنوا في هذا المؤتمر وبغيابك عن مشروع السلام السعودي ولم يكن  في ديباجته الاولى أي ذكر لعودة اللاجئين ، لولا اعتراض الرئيس اللبناني السابق اميل لحود على هذه الديباجة . هل يسمع ايها الشهيد هذا التقرير من يسمى نفسه خادم الحرمين الشريفين ومساعده الهزاز وزعيم الارهاب العالمي بندر بن سلطان !!. نعلمك بأن حلمهم الوحيد اليوم لم يعد فلسطين وشعبها ، ما يحلمون به هو المزيد من زرع بؤر الارهاب في العراق وسوريا وتونس وليبيا والجزائر واليمن ، لم تعد دماء ضحاياهم في السعودية تكفي نزواتهم ، فأنشأوا معامل لمجازر جديدة في الاقطار العربية المذكورة . لم تكن ايها الشهيد ضحية اسرائيل الاولى ولن تكون الضحية الاخيرة ، لقد سبقك الى هذا المصير خيرة القادة من ابناء شعبنا  منذ عشرات السنين ، من بينهم نائبك خليل الوزير ابو جهاد  واحمد ياسين وابو علي مصطفى وفتحي الشقاقي وماجد ابو شرار وغسان كنفاني وحسن سلامة والقائمة طويلة ، لكن الفرق ان ايادي الجريمة التي طالت هؤلاء الشهداء قد اكتوت بنيران الثورة ، لأنها كانت لا تزال مشتعلة ، أما انت ايها الشهيد فان اغتيالك اطفأ لهيب الثورة ولهيب الانتفاضة مما ادى الى هبوط روافع النضال حتى لامست سطح ارض المفاوضات التي ابعدت القضية عن محورها . معذرة ايها الشهيد اذا اثقلنا عليك المزيد من الاخبار الجديدة التي لم تعهدها ، في مقدمتها انشاء اسرائيل جديدة في الضفة التي دافعت عن كل ذرة من ترابها ، بعد غيابك صهلت خيول امراء السلطة فاستوزروا جميعا وتضاعف عدد القصور في حي الرمال في غزة وفي رام الله وفوق تلالها وعلى سفوح جبال النار . معذرة ايها الشهيد من هذا الخبر العاجل الذي يقول بأن شعبك الذي زرعت فيه روح النضال والكفاح اصبح في غالبيته متسولا يمد اياديه مع رأس كل شهر امام الخزينة الامريكية ليأخذ نصيبه من فتاتها ، السبب ان من ورثوك في السلطة يصرون على اقامة دولة المؤسسات باسم هذا التسول ، لكن حتى الآن لم تقم الدولة ولم تقم المؤسسات . هناك خبر عاجل جدأ بعد غيابك لم يعد لبندقية المقاومة قيمة ، ولم يعد شعبنا في الضفة الغربية بحاجة لها ، لأن امراء السلطة الذين تركتهم وراءك اتبعوا سياسة ” ماكو اوامر ” اسوة بجيش عبد الاله ونوري السعيد في العراق عندما دخل فلسطين عام 1948 ، في غيابك اصبح النضال من اجل التحرير ارهاباً والسكوت على ممارسات الاحتلال نضالا ، معذرة اذا تأخرنا بإبلاغك بأن الانقسام لا زال على عهده وأن حكومتين تديران شؤون الشعب الفلسطيني ، لهما رئيسين وعاصمتين وعشرات الجيوش لكن البيت الفلسطيني لا زال بدون سقف وبدون ارض يقف عليها شعبك . لا تقلق ايها الشهيد فقد صانت حكومة غزة الشرف والعرض الفلسطيني ،كل هذا بفضل اقامة م كارنتينا خاصة بالنساء ، النقاب لا يفارقهن ليلا ونهارا ، كما ابعدن من العمل في الدوائر الحكومية لأنهن رفضن فتاوى التكفير التي تجبرهن على ارضاع زملائهن من الموظفين .  لا تقلق ايها القائد فالوفد الفلسطيني المفاوض لم يعد مشاكساً كما كان في عهدك ، ولا تصدق ما ذكره موقع ” وكيلكس ” عن تنازلات هذا الوفد في القدس والمستوطنات وغيرها . هذه أُشاعات – أُشاعات  على طريقة شادية وعبد المنعم مدبولي في مسرحية ريا وسكينه .  الخبر العاجل الأخير يقول  :  شعبنا في غيابك قد استبدل حق العودة الى المدن الفلسطينية بالسياحة خاصة في مواسم الاعياد وامواج شاطىء يافا وحيفا وعكا يشهدون على ذلك ، الشيء المؤكد بأن حالة ” ماكو اوامر ” للمقاومة بكل اشكالها التي تصر سلطة رام الله على الاستمرار بإجتداذه بين انيابها ومخالبها لن يدوم ، سوف يكسر المناضلون هذه الانياب والمخالب فتصبح بعدها الاوامر ارادة شعبية لا يستطيع احدا الوقوف في وجهها .