خمس قصص قصيره

 

التصنيف : القصة(::::)

بكر السباتين * (::::)

1-

“*بين الحجلة والصياد!!

سؤال!” يشهرُ بندقيةَ الصيدِ باتجاه حجلةٍ كانت تلتقط حباتِ القمحِ كي تطعمَ صغارَهَا. الطلقةُ مهيأةٌ في بيتِ النارِ، وإصبعُ الصيادِ على الزنادِ، والوقتُ يداهمهما، ويحاصرهما في ثواني.. ثم ينخطفُ ذهنُهُ إلى سؤالٍ ألجَمَ تفكيرَهُ، وجمَّدَ أطرافَه. “كيف سيطعم حجلةً ينتظرُها صيصانُها الملوّعين في عشٍ قريب لأطفاله الجياع”؟!! الزوابع تتبأر في نقطة السؤال والخريق يجلب إلى رأسه الخوف واليباب.. فانخطف الصيادُ إلى هذهِ الفكرةِ التي قيدَتْ أوصالَه.. وبدأت هدنةُ الثواني بين الصيادِ والضحيةِ.. حتى اختفت الحجلةُ كأنها دموعٌ سالت على قدمه المترددة فتبخرت، وانهار الصياد؛ كأنه سيغيّر مهنته.

2-   *أرواح هائمة

كأنَّها في رحلةِ بحثها عن الأمل الموعود في طلاسم الغياب قد أشبعت نفسها بالأحلام.. لم يعانقْها الحزنُ وهي في رحابة الكون المترامي.. فأحست ببهجةِ الطيور في السماء.. واستعادت في حفاوةٍ من الأملِ كلَّ ابتساماتِها المكبوتة.. ربما لأنها وجدتْ ضالةَ صاحبِها الذي افترقت عنه قبيلَ لحظات!!.. أمله الموعود الذي أنهكه مذ وُلِدَ حتى ملازمتِه الفراش” الحرية والطيران دون حدود” ولكن!! يا لفوات الأوان! فماذا تفعل بالأملِ وصاحبها منقطع الأنفاس!!؟. تحايلَ الموتُ عليها بالرجاءِ؛ وانقضى أمرُ صاحبِها الذي مات مفترقاً عنها إلى الأبد.. فتحلمُ الروحُ باستعادته من الغياب الممتد مع الكون الفسيح! فلا رجاء!.. ترفرف من حوله كطائر فقد أمه!!. “فراق أبدي هو فتعود الروحُ إلى رحلتها الأبدية في سماء تأنف النوافذَ والأبواب!

3-

*الوليمة والجوع

جوَّعوا كلابهم في رحلة الصيد كي تُحسن صيدَ الفرائس.. وفي الجهة المقابلة ارتمى الجائعُ بأسماله البالية على بقايا وليمةٍ تفرقت عنها الأوابد .. فاستسهلت كلاب السادة وليمة الجائع فأتت عليها بنهم شديد ، واستفاق السادة على الجائع الذي ضيع عليهم متعة يومهم فأوسعوه ضرباً حتى الشبع.

4-

*المفقود الموجود

نُفخَ الرجلُ إلى درجة التعظيم..يقتلونه بنيران الأنا .. فيطير كالبالون في سماء مفتوحة وبدون بوصلة.. يعلو فارغاً.. يتقزم العالم من تحته.. وحينما يشدّ مادحوهُ الحبلَ المعقودَ به إلى أرضِ الواقع؛ سيقول: “ها هم يتشبثون بفكري.. يقودهم الظمأ إلى ينابيعي في القفار”.. فيرمي إليه أحد الخبثاء حجراً بلسانه الحاد:  “هل تشبثك بالهواء المحبوس في البالون غنيمة أيها التافهُ المغبون!!”. ثم أردف ضاحكاً ملء شدقيه بسخرية: ” يتشبثون بك لأنهم يخافون عليك.. ألا ترى بأنك أخف وزناً من الهواء المنتشر في سماء ليست لك وحدك!! تنقبض قلوبهم كلما تصوروك هائماً في متاهات الغطرسة وتلافيف الضياع! تمسك بالحبل الموصول بقلوبهم الواجفة.. تمسك وقل : يا الله”. أنهى الرجل عبارته وانضم إلى الرجال المنهمكين في سحب صديقهم بالحبل المشدود بالمحبة وقلوبهم مشغولة بالدعاء.

5-

*المكافأة

مادت الأرضُ بالموظف وهو يتلقى خبرَ استدعاءِ المديرِ له؛ فارتسمت على جبينهِ تقطيبةٌ تفزعُ لها الغربان. كان المراسلُ يحلل الموقفَ ولعابه يتنافض ككلامه الهَذِر:” ربما أزعجته كلمتك الأخيرة في حفل الأمس! نملة!! ألم تجد كلمة أفضل منها تصف بها المدير في حفل أقيم لتكريمه؛ قل(نحلة) مثلاً.. النحل يستحلب رحيق الزهور، أما النملة فهي مداس لعابري الطريق.. نملة يا متهور!! والله أضحكت الناس عليك”. تخيل الموظفُ المرتعدُ الفرائصِ، اللاهثُ؛ كأنه قادمٌ لتوه من الجبهة؛ بأن المديرَ احتسبها إهانةً شخصيةً له؛ خلافاً لما قصده الموظف المصدوم من الموقف المفاجئ. لذلك لم ينتظر طويلاً فسارع الخطا؛ إذْ كان عليه تجاوز كل أبواب المكاتب على جانبي الممر الطويل فيما نظرات زملائه الشفوقة تحاصره مؤنبة:” ألم تهدر بذلك رزق أهلك الذين يعتاشون من راتبك البائس!!؟” استلحقِ الموظف الخطوات باتجاه المكتب وعيون الزملاء ترمقه بحزن إزاء ما سيتعرض إليه من عقوبة” أكيد ستكون شديدة”. قال أحدهم منبهاً:”رأيت المدير يتطاير الشرر من عينيه وهو يدخل الدائرة القانونية. وعلق آخر”بل دلف إلى قسم الشؤون من الباب المتواري وكان يلاحق أحدهم بشتائم مكبوتة”. وانضمت خطيبته إلى الركب وهي تصب جام غضبها عليه: ماذا يعني أنك قلت في حفل الأمس بأن كلمتك ستكون مختزلة في ذات النملة.. فتوجه الكلام للرجل المحتفى به :”يا من تمثل النملة بين الكسالى في زمن السمسرة”. معقبةً بغضب شديد:” ألم أخطر ببالك وأنت تشتم ولي نعمتنا! ألا يعني هذا بأنك تتاجر بمصلحتنا مجاناً!!؟” فأخرسته بدموعها بينما أخذ يوجهه المحاسب الذي دخل لتوه مكتبه:”عاجل الخطا! المدير ينتظرك على أحر من الجمر”. “خير إنشاء الله “. لم يحر جواباً.. فقد تسمر أمام المكتب ليأتيه صوت المدير المجلجل من الداخل ضاحكا:” أدخل مستعمرة النمل أيها المجتهد”. فلما فتح الباب بيديه المرتجفتين لم يتسع قلبه للمفاجاة والمدير يقدمه لأحد أصدقائه بمحبة ورضا:” كانت كلمته هي الأصدق! النمل!! ليتنا نقتفي أثر النمل في مسيرته اليومية كي نرتقي بأعمالنا”. ثم أشار إليه بالجلوس: “ستشرب قهوتك معنا تقديراً للنمل الذي نحبه”. ثم ضحك ملء شدقيه وهو يدور حول مكتبه الفاخر باتجاه الموظف المشدوه؛ وجعل يربت على كتفيه هامساً باعتداد:” ألست الآن في مستعمرة النمل”!!

 

* كاتب وروائي فلسطيني من الأردن