الجري خلف الجوائز

 

التصنيف : اراء حرة (:::)

سعيد الشيخ (::::)

تبرز في الحياة الثقافية العربية ظاهرة سعي الكثير من المبدعين العرب للحصول على الجوائز الغربية .. وهي ظاهرة غير حميدة لتأثيرها السلبي على دفع المبدع الى محاكاة الثقافة الغربية مما يسبب وقوع المادة الابداعية في التغريب وابتعادها عن واقعها ويفقدها ميزاتها الاجتماعية والبيئية.

وكأن الجائزة هي التي باتت تفرض على الكاتب صياغة عالمه الروائي. وقد تحوّل الروائي الى آلة انتاج تعبيرية بيد منظمي الجوائز الذين لهم اهداف غير مرئية تتخطى الفوائد الادبية الى مدائح اخرى. لو تمعنّا قليلا في أعمال روائية عربية يصلنا صداها باحتفاء في الاعلام الغربي وهي  على غير ذي بال في التقييم العربي، فإننا سنجدها طافحة بتمجيد القيم والمعايير الغربية. وهي هنا وكأنها تُكافَؤ على هذا الاساس بغضّ النظر عن نضجها البنيوي أو تحقيقها لشروط الفن.

وهذه الروايات لا شيء يميّزها عن روايات تصدر في الغرب وتحمل أسماء مؤلفين محليين وهي تُكتب بإخلاص عاكسة بيئتها وواقعها الاجتماعي وبالتالي فهي لا تنال جوائز تذكر، حتى يبدو الامر ان الاحتفاء بالاسماء العربية في الغرب انما هو احتفاء بالحضارة الغربية التي اكتسبت اصواتا قادمة من الشرق المشدود ببنيان ديني له قدسيته. بما معناه ان الجوائز هي لهتك هذه القدسية. وهنا نسارع ونقول على ان الامر ليس هو كذلك دائما، فعندما نال الاديب نجيب محفوظ جائزة نوبل للأداب عام 1988 وهي الجائزة الاكثر رزانة في العالم، فأن اللجنة المانحة هي التي ذهبت الى مصر وتوغّلت في عوالم محفوظ ، والمعروف ان عالم الاديب الكبير لم يغادر الحارة المصرية بتاتا. ولا نظن ان محفوظ في يوم من الايام قد وضع نصب عينيه جائزة او تقديرا يأتيه من الغرب. الكثيرون اليوم يتحدثون عن انحطاط يشوب الثقافة العربية، ويذهب البعض بعيدا حينما يقيّمون حالتها بالاحتضار، وهي شأنها شأن الواقع العربي المزري على كثير من الصعد حيث تنعدم الرؤية، وفي الطريق الى استشفاف المستقبل يوجد ضباب كثيف.

ان المرء يقف اليوم مشدوها وهو يرى عدم تطابق حال زماننا مع مقولة “ابن خلدون” في مقدمته الذي رأى فيها: ان الثقافة تزدهر في عهد انهيار الدولة. وقد شهدنا ونشهد اليوم انهيار العديد من الدول العربية ولم نشهد ازدهارا للثقافة في هذه الدول.

اذا صح التعبير في حال احتضار الثقافة العربية، واذا كان الكثيرون من صنّاع  الثقافة العربية تعنيهم الجوائز، وهذا حقهم العادل في نهاية المطاف. فلماذا تتقاعس المؤسسات الثقافية العربية عن بناء غرف انعاش لهذه الثقافة؟.

إن إنعاش الثقافة يكون بتأسيس المزيد من الجوائز العربية من أجل تحفيز الابداع ووضعه على قيمة عالية في الحياة العربية، وبما يحدّ من اندفاع الكتّاب العرب نحو محاكاة ثقافات اخرى .. فأن أجمل الابداعات هي تلك التي حافظت على خصوصيتها وقدمت بيئتها بكل صدق. كثير من الاموال تصرف من أجل الحفاظ على البيئة، فلا يضير لو أُنفق منها من أجل عودة اللغة العربية كحاضنة للعقل والفكر وكل انواع الابداع الى المنشأ البيئي مع إلمام كليّ بالوجود في ” أن “نكون أو لا نكون”.