الخلق من نفس واحده

 

التصنيف : مواد وكتابات دينيه (:::)

مروة برهان – الإسكندرية (:::)

الحمد للهِ رب العالمين , و الصلاة و السلام على المبعوثِ رحمةً للعالمين , سيدنا محمد بن عبدِ الله , إمام المرسلين و صفوة خلق الله أجمعين و خاتم النبيين , و شفيعنا يوم يقومُ الناسُ لربِّ العالمين . سورة النساء سورة مدنية تضمنت من الأحكامِ الشرعيةِ ما تنهض بسعادةِ من يسيرَ على هديِها . ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفسٍ واحدةٍ و خلقَ منها زوجها و بثَّ منهما رجالاً كثيراً و نساءً و اتقوا اللهَ الذى تساءلونَ به و الأرحام إن اللهَ كالن عليكم رقيباً ) . اختلفَ العلماءُ فى المرادِ بالناسِ هنا على قولين : – الأول : الكفار فقط مثل قولِهِ تعالى فى سورةِ البقرة ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم و الذين من قبلِكُم ) بدليلِ قولِهِ تعالى بعدها ( و إن كنتم فى ريب مما نزَّلنا على عبدِنا فأتوا بسورةٍ من مثلِه ) . – الثانى : أن لفظَ الناس عام يشملُ المؤمنين و الكافرين جميعاً . اتقوا ربكم : التقوى فى أصلِ اللغة : قلة الكلام .

المتقون همُ الذين نزعَ اللهُ عن قلوبِهِم حب الشهوات , و التقوى فيها جماع الخير كله , و هى وصية الله فى الأولين و الآخرين . روى ابن ماجة فى سننِهِ عن أبى أمامة رضى اللهُ عنه عن النبىِّ صلى اللهُ عليه و سلم أنه كان يقول ” ما استفادَ المؤمن بعد تقوى الله خيراً من زوجةٍ صالحةٍ إن أمرها أطاعته و إن نظرَ إليها سرته و إن أقسمَ عليها أبرته و إن غابَ عنها حفظته فى نفسِها و مالِه ” . قالَ علىُّ كرَّمَ اللهُ وجهه : ” التقوى هى العملُ بالتنزيل و الخوف من الجليل و الرضا بالقليل و الإستعداد ليومِ الرحيل ” . قالَ تعالى ( اتقوا ربكم ) ثم قالَ بعده ( و اتقوا الله ) و فى هذا التكرير وجوه : – الأول : تأكيد الأمر بتقوى الله و الحث على التمسُّكِ بها .

الثانى : قالَ أولاً ( اتقوا ربكم ) و قالَ ثانياً ( اتقوا الله ) لأن ” الربَّ ” لفظ يدلُّ على التربية و ” الله ” لفظ يدلُّ على القهرِ و الهيبةِ فأمرهم بالتقوى بناء على الترغيبِ ثم أعادَ الأمر بناء على الترهيب . نفس واحدة : هى آدمُ عليه السلام فإن كلمةَ ” واحدة ” أتت مؤنثة باعتبار تأنيث كلمة ” النفس ” , و لفظ ” النفس ” يؤنثُ حتى و إن كان المقصود به مذكراً و قد جاءَ فى بعضِ القراءات ” من نفسٍ واحد ” مراعاةً للمعنى هنا و هو آدمُ عليه السلام .

و خلقَ منها زوجها : كلمة ” الزوج ” تُطلقُ على كلٍّ من الرجلِ و المرأة . فالمرأة : زوج الرجل , و الرجل : زوج المرأة . و اللغة العربية لم يسمع منها كلمة ” زوجة ” إلا نادراً . زوج آدم عليه السلام هى حواءُ عليها السلام . قد خلقها الله من ضِلعِهِ من غيرِ أن يحسَّ آدم عليه السلام بذلك . فلما انتبهَ من نومِهِ وجدها بجانبِهِ قيل له من هذه ؟ قالَ امرأة قيل : و ما اسمها ؟ قالَ حواء .. قيل : و لِمَ سميت امرأة ؟ قالَ لأنها من المرءِ أُخِذَتْ . قيل و لِمَ سُمِّيَتْ حواء ؟ قالَ لأنها من الحى خُلِقَتْ و روى أن الملائكة سألته عن ذلك لتجرب علمه و أنهم قالوا له أتحبها يا آدم ؟ قالَ نعم , قالوا لحواء : أتحبينه يا حواء ؟ قالت : لا و فى قلبِها أضعاف ما فى قلبِهِ من حبِّه . قالوا : فلو صدقت امرأة فى حبِّها لزوجِها لصدقت حواء . قالَ ابن مسعود و ابن عباس رضى اللهُ عنهم : لما أُسْكِنَ آدم الجنة مشى فيها مستوحشاً , فلما نامَ خُلِقَتْ حواء من ضِلْعِهِ من شقِّهِ الأيسر ليسكن إليها و يأنس بها فلما انتبهَ رآها فقالَ من أنت ؟ قالت امرأة خُلِقَتْ من ضِلعِك .

قالَ العلماء : و لهذا كانت المرأة عوجاء فى طبعِها لأنها خُلِقَتْ من أعوج و هو الضلعُ و جاءَ فى صحيحِ مسلم عن أبى هريرة رضى اللهُ عنه قال : قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم ” إن المرأةَ خُلِقَتْ من ضلع – و إن أعوج شئ فى الضلعِ أعلاه – لن يستقيم لك على طريقةٍ واحدةٍ فإن استمتعتَ بها استمتعت و بها عوج و إن ذهبتَ اُقيمَها كسرتها . و كسرها طلاقها ” . بث : معناه نشر و فرَّقَ و منه قوله تعالى ( و زرابىُّ مبثوثة ) أى تفرقة و أصل البث : التفريق .

قوله ( و بثَّ منهما رجالاً كثيراً و نساءً ) فيه أسرار منها : قالَ الواحدى : بثَّ منهما أى فرَّقَ و نشر . و قال ابن المظفر : البث : تفريق الأشياء و لذلك  لم يقلْ سبحانه : و بثَّ منهما الرجال و النساء . قالَ تعالى ( و بثَّ منهما رجالاً كثيراً و نساءً ) فوصفَ الكثرة فى جانبِ الرجالِ و لم يقلْ نساء كثيرات لأن السببَ فى هذا التعبير واللهُ أعلم أن شهرةَ الرجال أتم فكانت كثرتهم أظهر فلذلك وُصِفوا بالكثرة , و هذا كالتنبيه على أن اللائق بحالِ الرجالِ الإشتهار و الخروج و البروز , و اللائق بحالِ النساءِ الإستتار .

تساءلون به : معناه يسألُ بعضكم بعضاً به مثل قولك أسألك بالله . و الأصل تتساءلون فحُذِفَتْ التاء الثانية للتخفيف . و الأرحام : جمع رحم . و هو فى الأصلِ مكان تكون الجنين فى بطنِ أمِّهِ ثم أطلق و أُريدَ به القرابة أى سواء كانت قرابة محرمة للنكاحِ كالأمِّ و الأختِ أو كانت غير محرمة مثل بنت العم و بنت الخال . التساؤل بالأرحامِ مثل قولك أسألك بالرحم أن تفعلَ كذا , و لقد كان المشركون يكتبون إلى رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم ” نناشدك الله و الرحِم أن لا تبعث إلينا فلاناً و فلانا ً ” . و قد دلَّ قوله تعالى ( و اتقوا اللهَ الذى تساءلونَ به و الأرحام ) دلَّ على أن التساؤلَ بالرحِم جائز . كَرِهَ بعض العلماءِ التساؤل بالأرحامِ مستلاً بقولِ الرسولِ صلى اللهُ عليه و سلم ” من كان حالفاً فليحلف باللهِ أو ليصمت ” و اعتُبِرَ ذلك نوعاً من القسم .

اتفقَ الفقهاءُ على أن صلة الرحم واجبة و لا يجوز قطعها بحالٍ من الأحوالِ لِما يأتى من الأدلة : – قالَ تعالى ( و اعبدوا اللهَ و لا تشركوا به شيئاً و بالوالدينِ إحساناً و بذى القربَى ) . و قالَ جلَّ شأنه ( فهل عسيتم إن توليتم أن تُفسِدوا فى الأرضِ و تُقطِّعوا أرحامكُم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم و أعمى أبصارهم ) .

عن عبدِ الرحمنِ بن عوف أن النبىَّ صلى اللهُ عليه و سلم قال : ” يقولُ اللهُ تعالى : أنا الرحمن و هى الرحِمُ اشتققت اسمها من اسمى فمن وصلَها وصلته و من قطعها قطعته ” . و عن أنس قال : قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم : ” إن الصدقةَ و صلةَ الرحمَ يزيدُ اللهُ بهما فى العمرِ و يدفعُ بهما ميتة السوء و يدفعُ اللهُ بهما المحذور و المكروه . رقيباً : الرقيب هو الحافظُ المُطَّلِعُ على الأعمالِ و المراد هنا أن اللهَ مُطَّلِعُ على أفعالِنا لا يخفَى عليه شئ .

سورة النساء سورة مدنية إلا آية واحدة نزلت بمكة المكرمة عام فتح مكة و نزلت فى شأنِ عثمان بن طلحة الحجى و هو قوله تعالى ( إن اللهَ يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلِها ) فعندما فتحَ الرسولُ صلى اللهُ عليه و سلم مكة المكرمة أخذَ مفتاح الكعبة المشرفة من عثمانِ بن طلحة و من ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبى طلحة و كانا كافرّين و أعطاه لعمِّهِ العباس بن عبد المطلب لتضاف إليه السدانة و أخرجَ مقام إبراهيم و كسرَ ما كان بها من الأوثانِ و نزلَ عليه جبريل بهذه الآية . فعند ذلك دعا عثمان و شيبة و قال ” خذها خالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم ” و جاءَ فى البخارىِّ عن عائشة رضى اللهُ عنها أنها قالت : ” ما نزلت سورة النساء إلا و أنا عند رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم ” تعنى قد بنَى بها , و لا خلاف بين العلماءِ أن النبىَّ صلى اللهُ عليه و سلم بنى بعائشةٍ بالمدينةِ المنورة .

قالَ ابن مسعود رضى اللهُ عنه : إن فى سورةِ النساءِ لخمسِ آياتٍ ما يسرنى أن لى بها الدنيا و ما فيها : ( إن اللهَ لا يظلم مثقال ذرة ) و قوله ( إن تجتنبوا كبائر ما تُنْهَونَ عنه نُكفِّر عتكم سيئاتكم ) و قوله ( إن اللهَ لا يغفر أن يُشركَ به و يغفرُ ما دون ذلك لمن يشاء ) و قوله ( و لو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله ) و قوله ( و من يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيما ً ) . روى الواحدى عن ابن عباس فى قولِه ( يا أيها الناس ) أن هذا الخطاب لأهلِ مكة لأن المناشدةَ باللهِ و الرحِم مختصة بهم ” أسألُكَ باللهِ و الرَّحِم ” و أما غيره من العلماءِ فقد اتفقوا على أن الخطاب عام لجميعِ المكلفين . و قد استدلَّ ابن عباس على قولِهِ بأن قوله تعالى ( و اتقوا اللهَ الذى تساءلونَ به و الأرحام ) مختص بالعربِ لتعودهم ذلك .

إن الحق جلَّ و علا جعلَ قوله (يا أيها الناس اتقوا ربكم ) مطلعاً لسورتينِ فى القرآنِ الكريم . إحداهما : سورة النساء و هى السورةُ الرابعةُ من النصفِ الأولِ من القرآن , و الثانية : سورة الحج و هى السورةُ الرابعةُ من النصفِ الثانى من القرآن , ثم إنه تعالى علَّلَ الأمر بالتقوى فى هذه السورة ( سورة النساء ) بما يدلُّ على أنه تعالى خَلقَ الخلقَ من نفسٍ واحدة , و هذا يدلُّ على كمالِ قدرةِ الخالقِ عز شأنه و كمال علمه و علو حكمته و سمو جلاله .

و علَّلَ الأمر بالتقوى فى سورةِ الحجِّ بما يدلُّ على كمالِ معرفةِ المعادِ و هو فى قولِهِ سبحانه ( إن زلزلةَ الساعةَ شئٌ عظيم ) ثم قدَّمَ فى الترتيب ( سورة النساء ) على ( سورة الحج ) مراعاةً للزمن . لما أمرنا سبحانه بالتقوى فى قولِه (يا أيها الناس اتقوا ربكم ) ذكرَ عقبيه أنه تعالى خلقنا من نفسٍ واحدة ليشعر بأن ذلك مشتمل على قيدين أحدهما : أنه تعالى وحده هو الذى خلقنا .

و الثانى : كيفية ذلك التخليق . و هو أنه تعالى إنما خلقنا من نفسٍ واحدةٍ و هى نفسُ آدم عليه السلام . أما القيد الأول : و هو أنه تعالى خلقنا . فلاشك أن هذا المعنى علة توجبُ علينا و تُحتِّمُ علينا الخضوع لأوامرِهِ و نواهيه .

و أما القيد الثانى : خلق جميع الأشخاص من الإنسانِ الواحدِ أدل على كمالِ القدرةِ من حيث أنه لو كان الأمر بالطبيعة – كما يقولُ الطبيعيون – لكان التولد من الإنسانِ الواحدِ شيئاً متشاكلاً فى الصفةِ متشابهاً فى الخِلقةِ و الطبيعةِ و لما رأينا فى أشخاص الناس الأبيضِ و الأسود , و الأحمرِ و الأسمرِ و الحَسَنِ و القبيحِ و الطويلِ و القصيرِ فدلَّ هذا على أن مدبرها و خالقها فاعل مختار , لا طبيعة مؤثرة , فعندئذٍ يجبُ الإنقياد لتكاليفِ الخالق و أوامره و الكف عن نواهيه , فكان ارتباط قوله ( اتقوا ربكم ) بقولِه ( خَلَقَكُم من نفسٍ واحدة ) ارتباطاً فى غايةِ الحُسنِ و الدقةِ و الإنتظام . سُمِّىَ آدم عليه السلام بهذا الإسم لأنه خُلِقَ من أديمِ الأرضِ كلها أحمرها و أسودها و طيبها و خبيثها , فلذلك كان فى ولدِهِ الأحمر و الأسود و الطيب و الخبيث .

و سُمِّيَتْ المرأة بحواءٍ لأنها خُلِقَتْ من ضلعِ آدم فكانت مخلوقة من شئٍ حى . سُمِّيَتْ هذه السورةُ بسورةِ النساءِ لأن ما نزلَ فيها من أحامِهِنَّ أكثر مما نزلّ فى غيرِها من السور . و فى افتتاحها بتذكيرِ الناسِ أنهم خُلِقوا من نفسٍ واحدةٍ تمهيد جميل و براعة مطلع لِما فى السورةِ من أحكامِ الأنكحةِ و المواريثِ و الحقوقِ الزوجية , و أحكام تتعلَّقُ بالنسبِ و المصاهرةِ و أُطْلِقَ على سورةِ الطلاقِ سورة النساء الصغرى .