الرابط : سياسة واخبار (::::)
منير درويش – سوريا (::::)
بعد مرور أكثر من عامين ونصف على انطلاق ثورات الربيع العربي لا زالت الآراء مختلفة ومتضاربة حول نجاحها أو فشلها ، بعض هذه الآراء وجد فيه خرقاً ( للأمن المزعوم ) الذي كانت تنعم به بلدان هذه الثورات بدفع من مؤامرات خارجية شاركت فيها أطراف عدة ويقف مع هذا الرأي مؤيدو الأنظمة عموماً والمستفيدين منهم ، وأصحاب الوعي الاستبدادي الإقصائي بتياراتهم المتنوعة وهم الذين روجوا للسؤال الذي تردد دوماً ( ماذا حقق الربيع العربي سوى الفوضى واستلام الإسلاميين للسلطة … الخ ) للتقليل من أهمية هذه الثورات . بينما وجد البعض الآخر أن هذه الثورات لا تقل أهمية وفاعلية عن الثورات العظيمة في التاريخ ، بعد المشاركة الشعبية الواسعة فيها وقدرتها على إسقاط أنظمة كانت الدول العالمية قد وضعت استراتيجيات طويلة للتفاعل معها ، والذين يؤيدون هذا الرأي هم النخبة السياسية والثقافية التي كانت شعاراتها حول الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة ، حاضرة وسط حشود شعبية واسعة ربما لم تكن كلها مهتمة مباشرة بهذه الشعارات كونها عموماً شعارات النخبة لكنها كانت تدرك بوعيها العفوي أن مصلحتها المباشرة والغير مباشرة تلتقي مع تحقيق هذه الشعارات .
في الحالة الأولى ، فإن ( الأمان المزعوم ) أتاح للسلطات الحاكمة وحدها خرق القوانين ونهب المال العام وممارسة أسوأ أنواع القهر والاستبداد والفساد وانتهاك كرامة المواطن وإذلالهالانحطاط.امل التخلف والتأخر وفرض شعارات من نوع ( نحن أو الفوضى ) وتحويل الجمهوريات إلى ( جملكية ) أي جمهوريات ملكية . لكنه في الواقع لم يكن للوضع العربي أن يبقى بالركود الذي هو فيه في عالم متحرك ومتطور بينما يعيش المواطن في البلدان العربية حالة من تراجع الوعي والممارسة تكاد تعيده إلى عصور الانحطاط .
في كل الأحوال وكي نستبق الذين يأخذون على هذه الثورات ، نقول إن أخطاء كثيرة وجسيمة وقعت فيها ، لكن هذا من الأمور الطبيعية فالشباب الذين فجروا هذه الثورات يفتقرون دون شك للخبرة السياسية والتنظيمية لإدارة أمور بحجم هذه الثورات وهم لا يملكون إلا سلميتها لمواجهة طغيان الأنظمة فضلاً عن استعجال التيارات الإسلامية بالاستئثار بالسلطة دون التيارات الديمقراطية والعلمانية المشاركة بفعالية في نجاح هذه الثورات وممارسة هذه السلطة الاستبداد بفعالية لم تقل عما مارسته الأنظمة ، أو في حمل التيارات ( الديمقراطية ) الفرقة التي غرقت فيها قبل الثورة إلى ما بعدها ، وفشلها في بناء تحالف سياسي تنافسي يتجاوز خلافاتها الفكرية والإيديولوجية ويتجه نحو التأسيس لمشروع نهضوي يقود لتطور هذه البلدان وتقدمها . ولا تخلو هذه الثورات من عمليات الفوضى والقتل والخطف فيها . وهذا صحيح أيضاً.ولكن العالم لمرة في العالم لم تقع في مثل هذه الأخطاء ؟ أو أنها حققت أهدافها بالوقت القصير الذي مر ؟ .
إن انطلاق الثورة السلمية السورية واختيار السلطة للحل الأمني العسكري في مواجهتها منذ أيامها الأولى والتطورات التي حدثت فيما بعد خاصة مع الاستخدام المفرط للعنف أدى إلى عسكرة الثورة وانخراط أطراف عربية وإقليمية ودولية للمساهمة فيها وتأجيجها فضلاً عن مسلحين لهم توجهات متطرفة وإيديولوجيات مختلفة خارج نطاق أهداف الثورة ، وتعرض الوطن لخطرين كبيرين ، الحرب الأهلية والتدخل الخارجي ، هو الذي جعل كثير من العرب وبعض الأجانب يتساءلون عن جدوى الربيع العربي ينظرون لهذه الثورات بعيون الأزمة السورية .
وإذا كانت شعارات الثورة وأهدافها تلتقي مع المطالب المباشرة للنخبة السياسية والمثقفة كالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة . وإذا كانت هذه النخبة لم تستطع أن ( تشعبن ) أي تجعل التيارات الشعبية العادية تتبنى هذه الشعارات وتجعلها منهجاً فكرياً وسياسياً لها ، إلا أنها حملت أيضاً التطلعات الأساسية لجيل الشباب في العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص والعمل ومكافحة الفساد وتحسين ظروف المعيشة بعد أن استلب المواطن في لقمة عيشه وكرامته . لكن الأزمة العامة بقيت في أن النخبة السياسية والثقافية الممثلة في الثورة سواء من انخرط في المعارضة ضد الأنظمة أو من بقي ينتظر النتائج ( ولا نستثني أحد ) ، لم نستطع أن نرسم خريطة وتحديد آليات ناجحة لتحقيق أهداف الثورات على الصعيدين التكتيكي و الاستراتيجي مما يحسن صورة الربيع العربي ، علماً أن الظروف كانت مواتية للنخبة للعب هذا الدور لو أن وعينا العام كان في مستوى حاجة هذه الثورات .
لقد بقي ( الربيع الأوربي ) الذي أطلق ثورات النهضة لقرون عدة يتخبط في مشاكله قبل أن يستقيم له الأمر وكان الوضع الذي نشأ فيه أكثر مأساوية من الوضع العربي خاصة في غياب النموذج الذي تؤسس شعاراته العامة لانطلاقة فكرية وسياسية كالدعوة للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة ، هذه الشعارات التي حيدتها الثورات الأوربية عن المعتقدات الدينية للمواطن الأوربي وجعلت هذه المعتقدات شأناً شخصياً خاصاً به لم تكن قد تبلورت مفاهيمها آنذاك كما هي الآن أمام النخبة العربية حيث توفرت له هذه الشعارات جاهزة بمفاهيمها ومعانيها والإطار الإيجابي لممارستها ، كما بقيت الثورة الفرنسية وهي من الثورات العظيمة في التاريخ مستمرة لعقود طويلة تتخبط في أوضاعها وقدمت تضحيات لا حدود لها قبل أن تحول شعاراتها إلى الواقع العملي .
وإذا كان البعض يعزو بعض من تعثر نجاح الربيع العربي إلى فرض الإسلام السياسي سلطته على الثورات فإن الهيمنة السياسية والدينية في أوربا لم تكن أقل تأثيراً على هذه القارة من تأثير الإسلام حيث ظهرت المجموعات التي رسمت حدود الكفر والإلحاد وأفتت بضرورة الالتزام بتعليمات باباوات الكنائس وصلت حد بيع صكوك الغفران ( للتخلص من الخطايا ) ومن لا يفعل يعاقب بعقوبات تصل حتى الموت ، ومع ذلك نجد أن الكتلة الشعبية الغالبة وهي مسلمة رفضت ممارسات تلك التيارات الإسلامية وتجربتها في الحكم بل ودخلت في مواجهة معها وهي تجهض مشروعها ، لكن الفارق بين الربيعين ( الأوربي والعربي ) هو أن الأول توفرت له نخبة فكرية سياسية رسمت الأهداف الأساسية للثورات ومحورتها حول إطلاق مشروع نهضوي وطني ديمقراطي يعمل على نقل الأمة من حالة الانحطاط إلى حالة النهضة والتقدم ، ووضعت لها الآليات العملية لتحقيقها وحدت جهودها نحو هذا الهدف ، هكذا استطاع مارتن لوثر من مواجهة سلطة الكنيسة والانتصار عليها بعد أن استقطب حول مشروعه قطاعات واسعة من الشعوب الأوربية ، واستطاع المثقفون الفرنسيون تحويل شعارات الثورة ومبادئها إلى واقع عملي فرضه عليهم وعيهم الفكري ومطابقته مع ممارستهم الوطنية والديمقراطية الحقيقية . بينما عجزت النخبة العربية وجلها فيسورية.ضة عن بلورة رؤية نهضوية تضع هذه الشعارات في سياق التحقيق الواقعي لها وبدلاً من توحدها عاشت حالة من التفتت والتمزق والإقصاء والتخوين …الخ، حالة تونس ومصر وأبرزها حالة سورية . ومع ذلك لم يفشل الربيع العربي إنه يعيش مخاضه الطبيعي خاصة وأنه ولد في ظروف عربية ودولية شدالسائد.قيد ومن المبكر الحكم عليه لكننا على قناعة بأن انطلاقه كان ضرورة ملحة للواقع العربي الذي أصبحت خياراته بالبقاء محدودة مع استمرار أوضاعه تلك ، كما أننا على قناعة بنجاحه في تحقيق أهدافه العامة لكن سرعة هذا النجاح سيتوقف على قدرتنا كنخبة سياسية وثقافية من النجاح في رسم خريطة الطريق الواضحة لتحقيق أهداف هذا الربيع وقيادته قيادة ناجحة . سيزهر الربيع العربي عندما تتوفر له النخبة التي تمتلك وعياً مطابقاً للواقع بدل الوعي السطحي السائد . دمشق 6 / 9 / 2013 منير درويش





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

