النظام الدولي وسوريا : من الصراع عليها الى العبث فيها

 

 

الرابط : دراسات (::::)

بقلم : حبيب عيسى (::::)

( 1 ) لقد كان السؤال الأخير الذي وقفنا عنده ، ونحن نتحدث عن تداعيات الربيع العربي في سورية ( سلطة ومعارضات ، ثوار ودخلاء ) يتعلق بمواقف “النظام الدولي” من الثورة فيها …؟ ، ونقصد “بالنظام الدولي” ذلك النظام الذي أقامه المنتصرون في الحرب العالمية الثانية ، والقائم على اقتسام النفوذ الذي تم التعاقد عليه في مؤتمر يالطا ، وتم تغليفه دبلوماسياً بهيئة الأمم المتحدة ومجلس الفيتو الضامن لأمن المنتصرين ،  ذلك أن ما يحدث في الوطن العربي لو انتهى ربيعاً عربياً فسيقلب الطاولة على تلك الصفقات الدولية ، وأن مصير هذا الربيع العربي وصيرورته سيتقرر في دمشق ، فقد قلنا منذ البداية : أن هذا الربيع العربي إما أن يكون عربياً ، وإما فإنه لن يكون ربيعاً على الإطلاق ، إما أن ينتصر بين المحيط والخليج ، وإما أن تنحسر رياحه ورياحينه بينهما ، ولهذا فأن المعنيين بمواجهة الربيع العربي وإجهاضه لا يمكن حصرهم بالطغاة الذين تهددت عروشهم ، ولا بأجهزة القمع والفساد والمافيات المحلية ، ولا بقوى التخلف والانحطاط الداخلية ، وإنما قبل هؤلاء جميعاً ، معهم وبعدهم لا بد من الوقوف عند تلك القوى الخارجية التي تستثمر في كل هؤلاء السفلة ، فتصّنع أنظمة الاستبداد وترعاها ، وتشارك مافيات الفساد وتحميها ، وتستخدم قوى التخلف والانحطاط وتسلحها ، صحيح أن قوى الهيمنة الخارجية تلك تتصارع وتتناقض مصالحها لكنها تتوحد وتتكامل أجنداتها في مواجهة أية محاولة لقيام دولة مركزية في الوطن العربي تتمرد على التبعية للخارج ، فالخارج الغربي يقبل وجود أنظمة تخدم الخارج الشرقي ، والعكس صحيح لكنهما معاً يتكاملان لمواجهة قوة مركزية تحمل أجندة وطنية ولا تعمل لحساب الخارج .

( 2 )

إن نظام القرصنة الدولي يعتمد على أن ربيعه واستمراره يعتمد على خريف العرب واستمراره ، وهذا نهج قديم حديث ، حيث تم تحديثه وتوثيقه في مؤتمر يالطا الذي تلا الحرب العالمية الثانية ومازال ساري المفعول حتى الآن ، فمنذ أن انهارات الحضارات العربية القديمة غابت القوة المركزية وتحولت هذه المنطقة العربية إلى ساحة لتقاسم النفوذ بين الامبراطوريات الخارجية من فرس وروم وأحباش يتقاسمون النفوذ عبر استخدام زعماء القبائل الذين يتسابقون لتقديم الولاء لهذه الأمبراطورية الخارجية أوتلك : منازرة للفرس وغساسنة للروم ، ويمنية للأحباش ، وهكذا … ولم ينكسر هذا النهج واقعياً إلا لفترات تاريخية محدودة تلت ثورة النبي العربي محمد بن عبد الله عندما أسس للانتقال من القبلية التابعة للخارج إلى الأمة صاحبة القرار والإرادة ، لكن هذا المشروع انتكس على يد أصحابه لأسباب من عوامل عدة لا يتسع المجال هنا للخوض فيها ، وتم إجهاض محاولات تحديثه عبر عصور متتالية وصولاً إلى العصر الحديث حيث تم تركيب “الدول الفعلية ” القائمة حالياً في الوطن العربي ، والتي قام ويقوم حكامها بأدوار زعماء مناذرة وغساسنة تلك الأيام لا أكثر من ذلك ولا أقل ، لكن الحاليين  لا يمتلكون أعراف وقيم السابقين ،  وبالتالي لا يمكن فهم الربيع العربي هذه الأيام إلا في هذا السياق التاريخي حيث تمرد جيل شاب على خنوع وتبعية وفساد حكامه  للخروج من نفق الاستبداد والتبعية للخارج ، كما لا يمكن تقدير حجم المخاطر التي تتهدد الربيع العربي من قبل قوى الهيمنة الخارجية إلا بإدراك حجم المصالح الخارجية في هذه المنطقة المركزية من العالم والتي يقوم عليها نظام القرصنة الدولي هذه الأيام .

( 3 )

ولفهم هذا التدخل الخارجي الكثيف في أدق تفاصيل الأوضاع العربية عموماً لا بد من الاعتراف بمركزية الواقع العربي في هذا العالم حتى لا نكاد نعثر على امبراطورية أو قوة دولية عبر التاريخ قررت أن يكون لها امتياز دولي إلا وبحثت وسعت ليكون لها قاعدة للنفوذ في الوطن العربي تستمد منها المقدرة على السيطرة الدولية … والترجمة المعاصرة لذلك تطورت منذ بداية القرن العشرين المنصرم عبر عصبة الأمم واتفاقيات “سايكس – بيكو” و”سان ريمو” و”وعد بلفور” وتم إشهار تلك الصفقات مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية في مؤتمر “يالطا” ثم في هيئة الأمم المتحدة حيث منحت الأمة العربية 23 مقعداً وهي السابقة الوحيدة في التاريخ فقد يتم تقسيم أمة إلى دولتين بفعل احتلال خارجي كالكوريتين مثلا أو الألمانيتين أو الفيتنامين … لكن أن تقسم أمة إلى 23 دولة ويتم منح أجزاء منها إلى دول الجوار ويتم زرع مستوطنة مستوردة من مختلف أرجاء الأرض في مركزها ، وأن يتم ذلك كله بموجب صفقات دولية ، فهذه خاصية تنفرد فيها الأمة العربية عبر التاريخ البشري ، وبالتالي فأن موقف قوى الهيمنة الدولية مما يجري في الوطن العربي عموماً يعتمد على ثلاثة عناصر :

1 – اعتبار خريطة التجزئة في الوطن العربي جزء من الأمن القومي لدول الهيمنة الخارجية ، مسموح تجزئة المجزأ لكن الوحدة خط أحمر ، وقد قالها جورج بوش الأب صراحة عام 1990 عندما جيشّ العالم لمنع وحدة الكويت والعراق فقال بالحرف الواحد : ” نحن ندافع عن الأمن القومي لدولة الولايات المتحدة الأمريكية” نقول ذلك بغض النظر عن الموقف مما جرى . 2 – تثبيت وجود المستوطنة الصهيونية لتكون الزراع الذي يضرب أية محاولة للتمرد على حيوية مصالح دول الهيمنة . 3 – فرض سلطات استبدادية تكبل حرية الشعب العربي في زنازين إقليمية تقمعه وتفتك بنسيجه الاجتماعي  وتسلبه الإرادة والقرار، وتمنعه من التحرر والتقدم والتطور .

( 4 )

وإذا كان هذا هو موقف قوى الهيمنة الدولية من الأوضاع العربية عموماً فمن الطبيعي أن تستنفر تلك القوى كامل قواها لتأمين استمرار وضع اليد الغاصبة على الوطن العربي ، وقد نجحت فعلاً على مدى القرن المنصرم والعقد الأول من القرن الحالي في تأمين العناصر الثلاثة المنوه عنها في الفقرة السابقة ، وبالتالي من الطبيعي أن يستنفر نظام الهيمنة الدولية ، شرقاً وغرباً ، محلياً وإقليمياً ، كامل مخططاته وقواه النائمة والمستيقظة لمواجهة تداعيات الربيع العربي وإجهاضه مهما كان الثمن ، وإعادة التوازن للعناصر الثلاثة التي تؤمّن الهيمنة الخارجية على الوطن العربي : -تعزيز التجزئة العربية والعمل على تجزئة المجزأ . -تعزيز وجود المستعمرة الصهيونية والقرار الدولي شرقاً وغرباً يتمركز حول هذه النقطة فالغرب ممثلاً بدولة الولايات المتحدة الأمريكية يعتمد على المستعمرة في تأمين مصالحه ، والشرق ممثلاً بدولة الاتحاد الروسي ضخ للمستعمرة حوالي ثلث سكانها ، وهم مواطنون روس يهيمنون منذ عقدين على قرار المستوطنة الصهيونية ، والأتحاد الروسي مسؤول عن أمنهم . – تعزيز الأنظمة الاستبدادية ، وإذا كان لابد من إسقاط استبداد نظم العسكرتاريا الاستبدادية ، فالبدائل الاستبدادية بلبوس دينية وطائفية تقوم بالمهمة ، وتشوه الهوية العربية للربيع ، فلا يبقى ربيعاً ولا يحزنون .

( 5 )

هكذا كان لابد من إقامة حائط صد لرياح الربيع العربي فبدأت القوى الطاغية محلياً وإقليمياً ودولياً تستعيد زمام المبادرة بعد مفاجأة تونس والسقوط المدوي في مصر ، وذلك عبر التسلل إلى مراكب الربيع العربي من جهة ، وعبر مواجهة حاسمة مع تلك الرياح الربيعية العربية في ساحة مركزية هي سورية ، فهم يعرفون من تجربة خمسينات القرن المنصرم أن هذا الشعب في سورية عندما امتلك إرادته وقراره عبر إعلاء قيم المواطنة من خلال ديموقراطية نسبية تحول إلى حامل موضوعي لمشروع نهضة الأمة العربية فشكل المقاومة الشعبية ، وخاض معارك بور سعيد ، وفرض الوحدة مع مصر فرضاً ، فقامت دولة الجمهورية العربية المتحدة واهتزت عروش الاستبداد بين المحيط والخليج وترددت أصداء الحلم بقرار مركزي وإرادة عربية : “لا شرقية ولا غربية” وإذا كان إجهاض مشروع النهضة قد كلف الكثير في الماضي ، فأن على قوى الهيمنة أن تمنع تكرار التجربة بأي ثمن خاصة وأن مشروع الربيع العربي هذه المرة لا يعتمد جماعة محدودة عسكرية أو غير عسكرية يمكن احتواءها ، وإنما يعتمد على ملايين يحتشدون في الميادين لا يمكن احتواء حركتهم ، والمارد إذا انطلق من القمقم في دمشق سيضع حداً لصفقات “يالطا” وما بعدها لذلك فجميع أسلحة التدمير الشامل  عسكرياً وطائفياً وعنصرياً تستخدم بكثافة لتدمير سورية بشراً وحجراً ، لكن هناك نداء وطني ينطلق من أعماق هذه الأرض الطهور يرفض الاستكانة ، وينبعث من وسط هذا الركام والرماد يصرخ : “الموت ولا المذلة” : الإرادة الخارجية ليست قدرنا ، الاستبداد ليس قدرنا ، الطائفية والعنصرية ليست قدرنا ، التخلف ليس قدرنا ، التبعية للخارج ليست قدرنا ، مخططات الخارج العدوانية ليست قدراً يمكن هزيمتها ، ونحن لها ، نحن في مرحلة استعادة القرار والإرادة ، والصراع مازال مستمراً بين رياح الربيع العربي ، وبين رياح السموم … ونحن على دراية أن النصر في نهاية المطاف لمن يستحقه … هكذا  على  منعطف أحد أزقة دمشق القديمة استوقفتني صبية في التاسعة عشرة من عمرها لتصارحني كيف يفكر جيلها ، كانت تؤشر بإصبعها ، والدموع تملأ عينيها ، وهي تعبر بهدوء وثقة ، قالت ذلك ومضت  …

حبيب عيسى

Email:habeb.issa@gmail.com