الهــــــام

 

الرابط : القصة (::::)

قصة / عبدالواحد محمد – مصر * (//:::::)

آه , آه , تذكر بكل كبرياء , وهو يتصفح  صورهما معا , علي سطح اللاب توب , في ساعة متآخرة من ليل ممتع , بكائيتها , عروبتها  , بمعزوفة موسيقية , بنهار وليل سرمدي ,بدت نشيد وطني , وهي تتنهد بالحان ماضوية ,لا لا لا ,حاضرة ,ممنوحة بلغة واحدة ,بلا ,بكل اللغات ,اعشقه ,رغم أنف البؤساء,أمعن النظر في وجهها الخمري , الممتلئ بالاحزان , الممتلئ بالاحلام , فاستوقفته العبارة الثانية , تمنحة بصوتها  الانثوي , الرخيم , الذي يشع وطنية , عروبة , كلمة لها مغزي عميق , صديقي عمادالدين , وعبر دائرية حركاتها الحالمة , تلملم دموعها الانيقة , هذا بيتي الجميل , هذا بيتي الذي اغتصبوه يوما من جدتي ؟! اقسم لك عماد الدين بالله العظيم , سوف اعود له قريبا جدا ,  وهي تردد من رحم وطن ,بيتي , بيتي , بيتي , الحمقي , الملاعين , اخذوه من جدتي , اغتصابوه عنوة , في وضح النهار , لكن لم يغتصبوا احلامي , عمادالدين , ولن يستطيعوا أن يغتصبوا احلامي , محو هويتي ,حتي آخر نفس ! انفجرت باكية , للمرة الثانية , ربما عادت لها بعض من ذكريات جدتها , التي كانت ترويها لها طفلة صغيرة , وهي تلعب بين احضانها , بين عباءتها العربية , التي كانت دوما الملاذ , لكل الاحرار ؟! اقترب عماد الدين بكاميرته الصغيرة , من وجهها الممتلي بالدموع , ونشوتها اللفظية , الحركية , التي كتبت بعض من حروف النداء ؟ حلو , حلو , كتبت علي كل حارة خلف بيت جدتها  العريق , سوف اعود , امضاء الهام السادة ,  وكاميرا عماد الدين, ترصد كل كبيرة وصغيرة , تسلط الضوء علي عيناها الكحيلتين , وهي تمسح دموعها , التي كتبت عدة مشاهد واقعية , لم تكن ورب الكعبة سينمائية ؟! جففت دموعها بمنديلها الورقي , ونشفت قطرات عرقها , الذي تساقط كالوحة فسفسيائية , تذكر أن اليوم كان أول ايام رمضان ,  العام لا يهم , الدعاء فيه مستجاب , كل البيوت التي تحيط ببيت جدتها , مكتوب عليه شعارات عربية , أيوه وكمان , آيات قرآنية , رغم كل محاولات التغريب , التمسك بعدم الشرعية , اسقاط كل القوانيين الوضعية , وبين تلك البيوت  العتيقة , لمح عماد الدين , صورة لجدتها , بالحجم الكبير , تؤذن في جيرانها , بكلمة الله أكبر , الله أكبر , ارسل لها عماد الدين باقة ورد , ورائحة الحلوي الرمضانية الشرقية , تنبعث من بيوت جيران جدتها , تخاطبهما , تملآ انفوهم , بنكهتها المتميزة ,  طقوسنا الشرقية , العربية , تؤكد هويتنا , تمنحه حرية التجوال بين هؤلاء الاحرار ؟ رغم كل التهديدات القمعية , صوت الله أكبر , يملأ كل مكان , المسجد الكبير , يحتضن جموع عديدة , تنهد عمادالدين , رمضان , شهر الصوم , شهر العبادات , شهر البركات , وبين تلك المشاعر الروحانية , لمح عماد الدين , الهام تشتري عباءة عربية , رغم ملابسها المودرن , ربما تحتفظ بها في دولاب ملابسها , تمنحها كل دقيقة , ذكريات من عالم جدتها ؟! ولمحها ايضا بمروءة , تهمس في آذن الفتاة نورس بائعة عصير البرتقال ,  التي لم تتجاوز الخامسة عشر , ببعض العبارات , مدت يدها في حقيبة يدها , لتعطيها بعض النقود , آبت نورس بعزة نفس , آن تآخذ دولارا واحدا ؟ ! اقتربت الهام منه , وقالت رمضان كريم , فرد عليها عمادالدين الله أكرم ,  توقفت تستدعي من ذاكرتها , بدران , وهي تقول له عمادالدين , بدران حبيبي , نفسي اشوفه , انا دائما عندما احضر الي هنا كل عام , اضمه الي صدري , هو ابني ؟ طفل جميل , كله احلام ورجولة مبكرة , هاتفت المطعم الذي يعمل به , لم يرد الهاتف  الارضي , شعرت بلهفة رؤيته , لم تترد ومعها عماد الدين , في تسلق كل الحواجز , ادركت انه يستكمل رحلة أخري , رغم غيابه الجسدي , كان معهما  صورته لم تمحي رغم كل الحواجز , التي وضعوها بمكر وغباء ؟! عاد لها صوت البحر, المطل عليه بيت جدتها  العتيق , اقتربت منه لا تبكي ؟ تختزل الذكريات تلو الذكريات , وهي تتنهد ببعض العبارات الهامسة ,  بعدما اعطته الباد فون  ليصورها , ليشهد علي قدسية عهدها ,  وفاءها أن بيت جدتها عائد , مهما كانت الدبابات والمدرعات والجنود المدججين بالسلاح , لاثناءها علي عدم العودة  بل التفكير في عدم المرور,  مجددا أمام بيت جدتها التاريخي ؟ وعماد الدين يلتقط لها الصور تلو الصور بالباد فون الخاص بها , لتسجل كل كبيرة وصغيرة ,  صوت وصورة , تتآمل البحر بعمق , وبيت جدتها بلوعة فارسة ؟ والسماء تقترب من الغروب , وهي تتذكر كم كانوا معا هنا , يترقبون عودة جدتها وبدران , عودة البيت التاريخي وبدران , عودة كل ما اغتصبوه في وضح النهار ؟! رنين اصوات الموبايل لا تنقطع , وكل الشواهد , تقطع الشك باليقين , في العودة مرات , وليس مرة واحدة , أو ثانية , أو ثالثة ؟! حقا لذكرياتهما معا متعة ونشوة , عندما حان موعد آذان المغرب , تناولا مشروبهما الرمضاني المفضل , الخروب , وحبات الفستق  والتمر ,التي كانت تحفظ به في شنطة يدها , وهي تهمس في آذن عماد الدين , لم نشعر بالجهد اليوم ,  رغم الحرارة المرتفعة , والحواجز التي لا تعد ولا تحصي ؟! لتطل بعينيها الكحيلتين علي المكان غير المكان , ثم  تنهدت بعذوبة , تؤكد له أن جدتها اخبرتها  أن تزور بيتها كل يوم لا تنتظر عام , مهما كانت تلك الحواجز , التحديات , رمقها عماد الدين بإعجاب وقال لها أنا معك الهام , هذا بيت جدتي أيضا,  سوف اعود له معك ليس كل عام , بل كل يوم , ذكرياتهما  تبقي محفورة  لا تنسي , لا تمحي من الذاكرة, من التاريخ ؟ والافطار الرمضاني يزين مائدتهما , بما كانت تحبه جدتها , سبحان الله قالت الهام ,  أكيد جدتي شعرت بما نشتهيه عمادالدين , هي كريمة جدا , ورائعة , رمضان كريم ؟!

* كاتب وروائي وصحفي مصري abdelwahedmohaned@yahoo.com