فشل الحكم الديني

 

الرابط : اراء حرة (:::)

ماجد الشّيخ – لبنان (::::)

لم يكد يمضي عام واحد، حتى كانت الصورة السلطوية في مصر قد أسفرت عن وجه قبيح لحكم المرشد الإخواني ولسلطة الإخوان التي أخذت بالتآكل يوما بعد يوم، جراء الأخطاء والخطايا التي ارتكبت، وحولت مصر من دولة وطنية إلى دولة فئوية خاصة بالجماعة، فكانت “الأخونة” هي السبيل الوحيد للسيطرة على مقدرات شعب مصر واقتصاده الوطني، ولم يسجل لحكم الإخوان طوال عامهم الأول في السلطة سوى المزيد من الإخفاقات والفشل، على كل الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حتى باتت الأمور أوضح ما تكون: فصورة الحكم الديني لا يمكنها أن تظهر سوى سلطة احتكارية مستبدة، تريد الهيمنة على مقدرات وطن وشعب ومجتمع وطني، تتناقض مصالحه وتطلعاته، مع كل ما أرساه حكم “الإخوان”، من مفاهيم وتطلعات فئوية خاصة بهم، لم تكرس سوى الحفاظ على مصالح النخب القليلة التي انتمت وتنتمي للجماعة، والتزمت وتلتزم توجيهات ورؤى المرشد الخاصة؛ حتى بتنا أمام مشهد “ولاية فقيه” أخرى، تكرر مهازل الحكم الاستبدادي الديني بأفقر مفاهيم ايديولوجيا التسلط والتغول السلطوي، المعادية لمصالح وتطلعات الأغلبية من الناس، الذين طحنتهم وتطحنهم هيمنة نخبة أو نخب لا علاقة لهم بالناس.

لقد أهدر “الإخوان” شرعيتهم الإنتخابية، والدستورية فيما بعد، بمراكمة المزيد من عوامل الفرقة والانقسام في صفوف الشعب المصري، وكأنه يمكن لحكم كهذا أن يواصل تصديه لمشكلات السياسة والاقتصاد في بلد عظيم كمصر، عبر تلك السياسات التي استخفت بإرادة الناس، وجعلت منها مطية للوصول إلى الغايات الخاصة “بأخونة” السياسة والاقتصاد وحتى الوظائف العامة؛ ولهذا كان لا بد من ثورة؛ ثورة تواصل التصدي لذات المهام التي انطلقت من أجلها ثورة 25 يناير، التي جرى سرقتها والاستيلاء عليها من قبل أولئك أنفسهم، ممن لا يمكن احتسابهم على الصف الوطني أو الثوري الهادف للتغيير والتنوير والتحديث، بل هم الكتلة الرئيسة المحسوبة على قوى النكوص والثورة المضادة، ولا فرق هنا بين قوى معتدلة وقوى متطرفة أو أكثر تطرفا، ما دامت مرجعياتها في الحكم والسلطة واحدة، ومفاهيمها ومعاييرها واحدة، وما داموا جميعا يسعون لاستملاك سلطة “لا ناقة ولا جمل لهم فيها”، فبحسب اعتقادهم “هي من عند الله” أو من عند “صندوق الانتخاب”؛ وهي من حقهم، لا من حق غيرهم؛ “شاء من شاء وأبى من أبى” ولا فائدة ترتجى من الجدل والنقاش معهم في هذه المسألة.

إن انزلاق الحكم الديني نحو الفشل، لم يكن وليد الظروف والمعطيات التي أحاطت صعود نجم “الإخوان” في الواقع المصري، أو صعود أشقائهم في بلدان أخرى، من قبل أو من بعد، كالصعود الانقلابي لحركة “حماس” في غزة، أو الصعود الانتخابي لحركة “النهضة” في تونس؛ إنه الانزلاق الملازم والدائم لكل حكم ديني يمتطي السياسة ويخلطها أو يمزجها مع مفاهيم التسلط الديني، ليغدو كل نقد له نقدا للدين، وكل نقض لسياسته نقض للدين أيضا، فأين هو الفضاء العام، وأين هو الفضاء الخاص في هذه الحالة؟ إنه الخلط المقصود والمخطط له من لدن كل أولئك الذين يرون في ذواتهم “خلفاء الله في أرضه”، ورغم ذلك لا يختلفون في مسلكياتهم وأساليب حكمهم عن أولئك الفاسدين و”الزنادقة” من بني البشر. لذلك هم يفشلون كما يفشل آخرون، بل إن فشلهم مضاعف من حيث ادعاء التطهر والنزاهة والتقية الزائفة؛ ما يثبت أن الإنسان هو الإنسان، بلا رتوش أو إضافات.. لا دينية ولا غيرها.

وفي مطلق الأحوال لا السياسة يمكن أن تتماثل مع الدين، ولا الدين يمكنه أن يتماثل مع السياسة. فلماذا تلك المكابرات الزائفة والعنعنات التي لم تعد تقنع عاقل، في أن الدين يمكنه أن يكون كل الدنيا كذلك، أو أن الدنيا يمكنها أن تكون “غنيمة الدين” ومن يشتغلون في نطاقاته، ليكونوا وتكون السلطة غنيمتهم الخاصة؛ الغنيمة التي تنتفي في ظلها كل حقوق المواطنة والإنسان، حيث ينحط الناس في عرفهم إلى ما دون مستوى العبيد، وتلك أبرز كوارث الحكم الديني ومآسيه.

وبعد.. بات من الملح بعد عام من تجربة “سلطة الأخونة”، وفشلها الذريع في بناء سلطة تشريع شرعية، وسلطة تنفيذية تستجيب للبرامج والسياسات الاقتصادية والاجتماعية اللازمة لإدارة أي دولة، بات عليهم الاستماع لصوت الشعب وصوت العقل، والنزول عند رغبة الأول وضرورة الاحتكام إلى الثاني، وذلك لإنقاذ مصر كدولة وطنية من الانحطاط إلى ما تحت درك تحولها إلى “دولة دينية”، قد تتحول مع الأيام إلى “لا دولة”، قوامها حروب أهلية متواصلة، تُعلي من شأن الفتن الطائفية والمذهبية ليس إلا.

لقد فاض الشعب كما يفيض النيل، ولم يعد أمام ظلام “الأخونة” وظلامات سلطتهم، إلا أن تختفي وتخلي مكانها لفجر الشعب الذي ينبغي أن يستعيد ثورته. ففي هذه اللحظات الحاسمة، لم يبق أمام العقلاء سوى رفع الصوت عاليا قبل أن تغرق مصر في دم أبنائها: أعيدوا للشعب ثورته المسروقة، أعيدوا لمصر دورها الحضاري ووطنيتها الناصعة، أعيدوا لمصر وجهها المدني الواعد. وكفى عبثا بمصائر الناس ومجتمعاتها وأوطانها.