الرابط : دراسات (::::)
د. علي حسون لعيبي – العراق (::::)
لا شك أن الحوار و التفاوض السياسي يشكلان الحلقة الأساسية لمستقبل ناجح للعلاقات الدولية بين الشعوب والأمم، وهي عملية يقوم بها الإنسان في معظم حياته، ونحن نتفاوض في اليوم الواحد عدة مرات، وفي عدة موضوعات فعلى سبيل المثال عند شراء سلعة نتحاور ونتفاوض مع أسرنا وفي مؤسساتنا. ولأن عملية التفاوض والحوار تؤدي بالنهاية إلى إزكائها وتنميتها، وعليه فإن الحوار والتفاوض هما النقاش الإيجابي القائم على أسس سليمة وجيدة معتمدة على أصول وفنون خاصة بهما والتي منها اختيار الأجواء المناسبة للحوار ومراعاة عنصر الهدوء والسكينة ومراعاة الظروف النفسية والاجتماعية للطرف الآخر وعليه أيضاً الفصل بين الفكرة وصاحبها لأن الاختلاف في الرأي لا يفسد العلاقة أو الود، وكذلك حسن الاستماع فقد قيل في الأمثال أن كل متحدث بارع هو مستمع بارع. فهناك فرق بين النقاش وتبادل الآراء، والاستبداد بالرأي، الذي يعد إجهاض وإسقاط لمجمل عملية الحوار أو التفاوض، والمفاوض الناجح هو الذي يبحث عن النقاط المشتركة ويجعلها بوابة الدخول في موضوعة الحوار لما يحدثه من تقريب لوجهات النظر لأن الحوار هدفه العام التفاهم والحفاظ على الثقة وتوحيد الآراء قال تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَبَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴿٦٤﴾ وهذا يكون على المستوى الفكري والعقائدي، فما بالنا نحن البشر نلتقي في نقاط مشتركة عديدة وأهداف تربطنا وأساسها عالم بلا حروب وعلاقات دولية متماسكة والسعي لتقديم إضافات حضارية في النسيج الإنساني العام.( )
في نشأة وتطور الحوار والتفاوض نشأ وتطور هذا العلم في مختلف الحقب التاريخية التي مرت بها الإنسانية على مر العصور، ونحن بني البشر جميعاً ننتمي لهذه الأمة أو تلك ولا خيار لنا في اختيار هذه الأمة أو تلك، فهي «مكتوبة» لنا أن نولد في هذه الأمة أو تلك وهذا الأساس الطبيعي للقومية( ) والأمة والدولة هي المسؤولة الأولى عن الحوار أو التفاوض بحكم انتمائنا إليها..
نشأة الحوار في االعصور القديمة ومن دون التقليل من أهمية دور الفكر السياسي في حياة شعوب الشرق (من السومريين، والبابليين، والآشوريين، والفينيقيين، والهنود) فأن الفضل يعود للإغريق في الارتقاء بالفكر السياسي إلى مستوى المنهج العلمي( ). ففي القرن السابع قبل الميلاد صاغ سولون مبدأ «حق الجماعة» واعتبر أفلاطون أن نشوء الجماعة كان وليد حاجة التفاوض بين الناس( ). اعتبر الرومان أن الدولة هي نتاج للتطور الطبيعي لحياة الأفراد في المجتمع وهم أول من جاء بفكرة سيادة الدولة وكونوا العقد الحكومي، أحال بموجبه الشعب سلطته إلى الحاكم، دون أن يكون للشعب حق انتزاع السلطة منه( ). وهذا يعني أن التفاوض والحوار كان من ضمن صلاحيات الحكومات حصراً في إطار العلاقات الدولية. وأيضاً هناك نقوش تعود لعصر الدولة القديمة في مصر. فمنذ عصر الدولة القديمة في مصر نقرأ في النقوش المصرية القديمة إشارات تدل على جيران مصر على حدودها الشرقية والجنوبية والغربية وأن ثمة علاقات قامت بين مصر وجيرانها من الليبيين والنوبيين والآسيويين، وتفاوتت تلك العلاقات قوة وضعفاً، سلماً وعداء فتارة نجدها علاقات سلمية تؤدي مصر فيها دوراً أساسياً وحينا نجدها علاقات فاترة، وثالثة تكون علاقات عدائية يهدد فيها أولئك الجيران أمن مصر ويغيرون على قوافلها وتجارتها( ). وتصور النقوش المصرية القديمة منذ عصر الأسرة الخامسة أسرى بلاد اليونان مما يشير إلى أن علاقات مصر في ذلك الوقت قد امتدت إلى تلك البلاد عبر طريق البحر الأحمر وهو طريق الاتصال الوحيد بين مصر وبينها. كذلك تدل بعض النقوش أن علاقات سلمية، وتجارية قامت بين مصر وجيرانها من الليبيين، وأن المصريين كانوا يحصلون على زيت الزيتون من هناك. وأن كنا نرى في تلك الفترة السحيقة ملامح علاقات دولية بين الدول في العالم القديم، فأننا سوف نراها أكثر وضوحاً بين تلك الدول في العصور التالية. ذلك أنه في عصر الدولة الوسطى مثلاً نجد أن هناك علاقات سياسية واقتصادية تربط بين مصر وبين غرب آسيا، كما كانت سمعة ملك مصر ومهابته وصلت إلى سوريا، وجابت الوفود والبعثات المصرية تلك البلاد، ووردت منتجات آسيا إلى مصر، ويحكي لنا الأدب السياسي المصري القديم أحوال تلك البلاد، من بين ذلك ما كتبه سنوهى المحارب الذي صاحب سنوسرت في أواخر عهد الملك امنمحات الأول، ثم انتقل بعد ذلك إلى آسيا وظل ينتقل بين القبائل القاطنة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط الشرقي حتى وصل إلى دمشق. أشارت الوثائق التاريخية ما يؤكد أن العلاقات كانت وطيدة بين مصر وبيلوس حتى أن موظفاً مصرياً حكم على فينقيا فترة ما، حقيقة أنه ليس مؤكداً مدة سيادة مصر على فينقيا في تلك المرحلة، إلا أن بعض النقوش تؤكد ما ذهبنا إليه( ). كما أن العلاقات بين مصر وجزر البحر الأبيض المتوسط وخاصة جزيرة كريت تمتد إلى عصر الأسرة السادسة ذلك أن أختاماً مصرية كشف عنها في كريت بل وفي بعض المقابر الإيطالية، كما عثر في مصر على كثير من الفخار الكريتي. وتلك النماذج إنما نوردها هنا لنؤيد ما ذهبنا إليه من أن العلاقات الدولية والارتباطات المختلفة بين المجتمعات الدولية والكيانات السياسية المختلفة التي تعاصر بعضها بعضاً تمتد جذورها إلى العصور القديمة وأن ثمة تقاليد وأسس ومبادئ محدودة واضحة حكمت تلك العلاقات. وتزايد حجم العلاقات بين مصر وجيرانها، بل أن حدود مصر وصلت إلى الضفة الغربية لنهر الفرات. وكان ملك مصر يخرج لتفقد حدود بلاده. وتحفظ لنا نقوش المقابر من الدول الحديثة مناظراً لأمراء وأفراد يمثلون البعثات السياسية من كريت. ويمكننا أن نتحدث عن قضية التوازن الدولي في الشرق الأدنى القديم خاصة في عصر تحتمس الثالث ملك مصر بين القوى السياسية المختلفة في المنطقة مصر وميتاني والدولة الحيثية والدولة الآشورية بحيث جمعت بينهم علاقات دولية من طراز متقدم. وتزداد العلاقات وتتوثق بين البلدان خوفاً من بطش القوى فيها، وكانت مصر هي أقوى تلك الدول في ذلك الوقت، فاستطاعت أن تسيطر على بلاد الشام، وعلى شمال السودان، وليبيا وبلاد بونت وقبرص. وتحدثنا نصوص الكرنك أن الرؤساء كانوا يأتون إلى ملك مصر وجزيتهم فوق رؤوسهم عسى أن يمنحهم جلالته نسمة الحياة. ولتوضيح تطور العلاقات السياسية آنذاك تدرج لهم نصوص. أول معاهدة في التاريخ 1978 ق.م( ) بعد أن انتصر رمسيس الثاني على ملك الحيثيين طلب الحيثيون عقد معاهدة سلام بين البلدين وكان في السنة الحادية والعشرين من حكم رمسيس الثاني، ويصفها المؤرخون بأنها أول معاهدة من نوعها في تاريخ البشرية. وقد أرسل خانوسيل ملك الحيثيين إلى رمسيس الثاني مبعوثيه لوضع الصيغة النهائية لها، وبعد الإتفاق على موادها وضعت على لوح من الفضة.
د.علي حسون لعيبي – العراق





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

