جائزة مزينة بالحق وهي باطله

 

الرابط : اراء حرة (::::)

تميم منصور – فلسطين المحتله (::::)

ربما تكون هذه من المرات الأولى التي يحصل فيها مواطن عربي اسرائيلي وهو الشيخ رائد صلاح على جائزة من دولة عربية لها مركزها الإقليمي والعالمي، ومهما كانت قيمة هذه الجائزة المادية أو الرمزية إلا أنه يبقى لهذا الحدث شقان يرافقهما العديد من التساؤلات. الشق الأول هل هناك مصداقية لأي مواطن قبول جائزة من أية دولة عربية أو غير عربية مهما كانت خدماته التي قدمها، حتى لو كانت هذه الدولة تحاصر سكانها وتفرض عليهم أحكاما استبدادية، حكامها ينهبون ثروات شعبها، حالة المرأة فيها لا تختلف عن معاملة النساء في العصور الوسطى؟ لا أحد يرفض الجوائز التقديرية وشيخنا الجليل يستحق مثل هذه الجوائز ولكن يجب أن نتساءل من قدّم هذه الجائزة؟ وما هي أهدافها؟ وهل حال كل الذين يقفون وراء تقديم هذه الجائزة وهم جزء من النظام السعودي أفضل في نواياهم وأعمالهم وعدالتهم من الحاصل على هذه الجائزة وغيرها؟ إن قبول مثل هذه الجوائز يستخدم من قبل من يقفون وراءها للتغطية على جرائمهم بحق شعبهم والمقاومة وكل الأطر والأحزاب التقدمية والليبرالية في العالمين العربي والاسلامي. لا يمكن قياس قيمة أية جائزة بوزنها الكمي أو النوعي أو المادي، بل تبقى قيمتها الحقيقة وتخليدها مرتبطا بالجهة التي قدمتها والأيادي التي حملتها قبل وصولها إلى من يستحقها والأهداف الظاهرة والمخفية التي تقف وراء تقديمها. في رأيي أن أية جائزة من دولة مثل السعودية تقف على رأس طوابير العرب الذين يركعون دائما أمام محراب واشنطن، مثل هذه الجائزة مرفوضة ولا تشرّف الجهة التي تحصل عليها، بل تثير حولها التساؤلات واللوم والعتب، إن منح هذه الجائزة لشيخنا الفاضل فتح بابا جديدا من أبواب التواصل بين النظام السعودي الوهابي السلفي وبين القوى والأطر الاسلامية من العرب في اسرائيل، وبالتأكيد فان هذا الباب سوف يتسع أكثر وتدخل من خلاله شخصيات أخرى في طريقها إلى لقاءات ومؤتمرات ومناسبات سعودية كثيرة، سيكون لهذا النوع من التطبيع لون وذوق آخر، وسوف يضاف إلى مجموعة أبواب التواصل التي سبقته بين العرب في اسرائيل والعديد من الأقطار العربية، وإذا قرأنا في سجلات تاريخ أبواب التواصل هذه نجد بأن أطولها زمنا الباب الذي يرتبط بدروب الحج والعمرة، ما يميز هذا الباب الواسع هو الجدل الذي يدور حول القائمين على فتحه واغلاقه من لجان الحاج المهتمين بالفساد وعدم توفير الحد الأدنى من الخدمات اللازمة لخميرة ضحايا فسادهم وهم الحجاج والمعتمرون، لقد عادت إلى الأذهان المقولة المعروفة عن الحجاج عبر التاريخ (الرايح مفقود والراجع مولود). الباب الذي تلاه منذ التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد واتفاقية وادي عربة هو باب السياحة، في رأيي أنه لا يوجد وزن أو قيمة سياسية  أو وطنية لهذا النوع من التواصل مع الأقطار العربية، خاصةً مصر والأردن، لقد استغل المواطنون اليهود بتوجيه من السلطات أبواب السياحة مع الأقطار العربية جيدا. السلطات نجحت بزراعة خلايا جاسوسية في غالبية الدول العربية تحت غطاء السياحة، خاصةً الأردن ومصر ودول الخليج والمغرب وتونس، كما تمكنت من ارسال بعثات تعليمية باعتراف من الصحف الاسرائيلية إلى أكثر من دولة عربية لأهداف استخباراتية تحت غطاء دراسات ميدانية جيولوجية. هناك نوع آخر من التواصل وهو عبارة عن زيارات خاطفة غالبا ما تكون بعيدة عن عيون وسائل الإعلام يقوم بها بعض رموز الأحزاب وعناصر من لجنة المتابعة، يحطون في قطر للتبرك من قاعدة “عديد” الجوية الأمريكية ومن مؤسسة اصدار فتاوي الفتن واغتيال علماء المسلمين واستيراد الجواري من سوريا، لكن يبقى التواصل الذي عبّد دروبه شيوخ القومية الزائفة أكثر أنواع التواصل سوادا في تاريخ العلاقات بين العرب في اسرائيل وبين الأقطار العربية، لأنه كشف عن الوجه الحقيقي لفئة مارقة وقعت في شباك سماسرة الفتنة والتآمر فاستبدلوا عباءة حماة الديار بعباءة نواطير أمريكا في الخليج العربي، لقد اساءوا من خلال هذه المراهقة والسقوط السياسي إلى كافة الجماهير العربية داخل اسرائيل. أما الشق الثاني وانعكاساته من قبول هذه الجائزة السعودية فهو يتعلق بموقف وتصرف شيخنا الفاضل الذي حصل عليها، لقد كشف قراره المتفق عليه مع السلطات السعودية بالتبرع بنصف قيمتها المالية إلى نساء وأطفال سوريا، عن هوية هذه الجائزة الحقيقية، كما شكك في طهارتها وشرعيتها وبأنها ليست مالا حلالا لأن الأطفال والفقراء والجياع بالسعودية ممن يعيشون داخل عشوائيات شاهدها الجميع هم أحق بأموال هذه الجائزة، إن الملك فيصل قد نهب ما فيه الكفاية من أموال الشعب السعودي في حياته، واليوم يستمر نهب الأموال باسمه وهو ميت. القاصي والداني يعرف ما هو موقف علة العرب السعودية من الأحداث في سوريا اليوم، وما خطوة شيخنا الفاضل بالتبرع بنصف الجائزة المادي إلى الفئات الضالة التي تزرع الدمار والخراب داخل الوطن السوري سوى دعم لهذه الأعمال ومجاراة للموقف السعودي التآمري، هل كان باستطاعة شيخنا الفاضل التبرع بقسط بسيط من هذه الجائزة إلى المقاومة اللبنانية أو إلى حركة الجهاد الاسلامي في قطاع غزة أو حتى أضعف الإيمان  أطفال المخيمات في قطاع غزة  الذين يبكون الآن بسبب قيام وكالة الغوث بقطع المعونات عنهم؟ ومما زاد من إثارة الشبهات حول الموقف بكامله هو استجابة وتناغم قادة عصابات الارهاب في سوريا مع أنغام هذه الزفة الإعلامية التي انفردت بها فضائيات الدس وزرع الفتن وفي مقدمتها قناتا العربية والجزيرة المشبوهتان، لقد شوه ما يسمى الائتلاف الوطني السوري المدعوم من السعودية وقطر وأمريكا واسرائيل التاريخ من خلال تهليله لخطوة التبرع التي قام بها شيخنا الفاضل، فقد اعتبروها حبل تواصل بين القدس ودمشق مع أن القدس والمسجد الأقصى براء منهم لأن قدسية الأقصى لا تقبل جرائمهم التي يقومون بها بقتل العلماء وتدمير الأماكن الدينية في سوريا من مساجد وكنائس وتدمير الدولة السورية وتفتيتها الى دويلات، كما أن كافة مدن الرباط الفلسطيني في الضفة الغربية ترفض أن تكون طرفا في جرائم هؤلاء السفاحين وما ذكر الشيخ عز الدين القسام سوى خدعة وتشويه للواقع والتاريخ لأن الشيخ عز الدين القسام كان سيحاربهم لأنهم اعداء الله وأعداء الدين وأعداء الحق وأعداء العروبة. حبذا لو رفض الشيخ رائد صلاح هذه الجائزة أسوة بالعظماء الذين يرفضون دخول التاريخ المشوَّه عبر جوائز من جهات مشبوهة لا قيمة فيها للإنسان بل القيمة الكبرى للتآمر والخداع.