النشل على طريقة القرود

الرابط : فضاءات عربية (::::)
بقلم : وليد رباح (::::)
اتعسنى الحظ عندما قررت فى الستينات ان ازور دوله عربيه كانت على صله بالبهاء والجمال وحسن المعامله .. وكانت سياحتى الاولى فى هذا الوطن الذى يسمونه (الكبير) يمعنى انه يمتد من المحيط الى الخليج .. وكانت على وسع الارض فانها لا تعدو قريه صغيره عندما يتعلق الامر بهذا الوطن .. اذا كانت آمال الوحده والتحرر قد فاقت كل تقدير .. وكنا آنذاك فى ريعان الشباب نرى (الفيل يدخل من خرم الابره) فلا تهمنا تحقيقات المخابرات ولا معتقلات الحكام ولا هراوات الشرطه والعساكر ولا حتى خطابات الوزراء .. نغامر بأنفسنا ونقودنا القليله لكى نتعرف الى هذا الوطن .. ولكن انظر ماذا حدث بعد كل هذا العناء :
رأيت الشرطه فى المطار فقلت لنفسى : سوف يستقبلونى الآن بالترحاب لأنى سائح عربى .. وابتسمت لأحدهم ف (ناولنى) تكشيره على اعتبار اننى متهم .. ولان شكلى لا يوحى الا باننى عربى .. قدمت جوازى للشرطه فقال لى من يقبع فى (الكوخ) قف فى زاويه حتى ادعوك .. ثم جاء من بعدى رجل أحمر اللون فيه بعض النمش ويحمل جوازا اجنبيا فرحب به الشرطى وختم جوازه متمنيا له اقامه سعيده .. وجاءت امرأه اخرى تلبس القصير متبرجه زاهيه فعاملها كما عامل الاول .. ثم جاءت امرأه خلت انها عربيه لانها تلبس الحجاب فبرزت اسنانه وكشر عن انيابه وقال لها بان تقف الى جانبى ففعلت .. ولكننا فى النهايه دخلنا الى ذلك البلد (المضياف)
سائق التاكسى شلحنى ثلاثة اضعاف التسعيره التى هى مكتوبه امامه .. الفندق ذى الدرجه الثالثه الذى اقمت به كانت اسراب الصراصير فيه تسبح ذاهبة آيبه تختار من خبزى القليل ما يعجبها .. عشرات من الشباب والكهول معآ جاءوا ليعرضوا صورا لفتيات كى اقضى ليلة ليلاء مع احدهن .. من كانت تنظف الغرف (ان كان هناك تنظيف) راودتنى عن نفسى مقابل علبه من السجاير..كوب الشاى الذى شربته فى الصباح كان النمل يسبح فيه .. فطور الصباح ازددت فيه (بيضه) فدفعت ثمنها مع ان لوائح الفندق تقول بان الفطور مجانى .. تبرع عامل فى الفندق مشكورا كى يدلنى على مدينة الالعاب فقلت لنفسى : اخيرا وجدت من يساعدنى مجانا .. ولكنه عندما وصل الى المكان وقف الى جانبى فناولته جنيها فكشر عن اسنانه وقال : جنيهان !! .. وجدت فى جيبى رساله من عامله فى الفندق تدعونى لبيتها تلك الليله .. راودنى احد من يقيمون فى الفندق بان احمل له شنطه (لبيروت) محطتى الثانيه لقاء مبلغ خمسمائة جنيه .. خمنت حينها انها تحتوى بعض الممنوعات فرفضت .. جاءنى من يبيعنى سلسله على اعتبار انها ذهبيه وكان يجهل خبرتى بالذهب فاذا بها نحاسيه لا تساوى عدة قروش .. زارتنى المخابرات فى غرفتى بالفندق لكى تعرف كم من الايام بقى لى فى زيارة ذلك البلد .. دفعت رشوه قدرها جنيهان لكى ادخل الى متحف تاريخى .. وفى الداخل دفعت رشوه قدرها جنيهان اخريان لكى اشاهد وجه تمثال قديم .. جلست فى مقهى سياحى كان سعر كوب الشاى خمسين قرشا فاذا بالنادل يطلب منى جنيها لاننى لست من ذلك البلد !! .. ضممت نفسى الى مجموعه من الناس يحكى احدهم عن دواء اخترعه لوجع الرأس ويبيع الزجاجه بقروش عشره .. فاذا بالدواء ماء بعد ان اشتريته ..
كل ذلك حدث لى بل واكثر مما لا استطيع تذكره فى زيارتى لذلك البلد (المضياف) ولكن بيت القصيد ليس كل هذا .. بل اسمع معى هذه القصه الطريفه :
ذهبت الى ساحه مشهوره فى تلك المدينه العربيه الكبيره .. فاذا بالناس يتجمعون حول رجل يحمل ( دفا ) ويعزف به لقرد يرقص وينتقل من مكان الى آخر فى تلك الساحه الصغيره التى يلتف حولها الناس .. ثم يقوم بعد انتهاء رقص القرد بجمع القروش القليله ممن يتفرجون .. ويضع النقود فى داخل الدف .. وكان القرد يطوف على الناس ويضع قائمتيه على اكتاف المتفرجين ويقبلهم بحنان وحب .. وجاء القرد الى فقبلنى كما كان يقبل الاخرين .. غير اننى بعد لأى اكتشفت ان القرد قد سرق منى قلم حبر من نوع (باركر) وكان ذلك القلم غاليا فى مثل تلك الايام .. اذ اتنزعه القرد من جيب قميصى دون ان اشعر .. ولما ابديت استغرابى ولهفتى على القلم وتحدثت الى صاحب القرد لم يعرنى التفاتا .. وفى غمرة حيرتى جاءنى من يهمس فى اذنه انه رجل مباحث .. وانه سوف يعيد الى القلم مقابل جنيه اذا ما رغبت بذلك .. فقلت له بل جنيهان .. فذهب (رجل المباحث) وهمس فى اذن صاحب القرد بان يرد لى القلم .. ثم جاء به اخيرا من جيب سرواله الذى كان يحوى الكثير من (هدايا القرد) واعطانيه فناولته جنيهان .. وهكذا انتهت اسطورة ذلك القرد .
شجعنى على كتابة هذه الكلمه ما رأيته فى قناة الجزيره مؤخرا من برنامج عن السياحه العربيه .. فقلت لنفسى : كان ما عانيته فى الستينات .. وربما كان الوضع فى هذه الايام افضل .. ولكنى بعد ان رأيت وسمعت ما قيل فى ذلك البرنامج فان الامور كانت جميله وجيده فى تلك الايام البعيده .. وان ما يشعر المواطن العربى به فى هذه الايام وما يعانيه اضعاف ما كنا نعانيه فيما سبق .
النشل على طريقة القرد لا يمكن ان يمحى من ذاكرة الانسان العربى سواء كان فى الستينات ام فى التسعينات بل وحتى الالفيه الاخيره .. فالامور فى مجملها تسير من سئ الى أسوأ .. وما ذلك الا لان حكام العرب جميعا لم يتركوا للموظف البسيط ما يأكله وسرقوا كل ما يتبلغ به .. فاضطر لان يقبل الرشوه ويسرق ويتبع الطرق الملتويه لكى يعيش كما يعيش خلق الله ..
السنا بعد ذلك .. لا نريد ان نصم حكام العرب بانهم قرود سارقه .. فالقرد الحقيقى لا يسرق الا بدافع الجوع .. اما الحاكم فانه يسرق بدافع ان يصبح متخما ..

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة