الرابط : اصدارات ونقد (:::)
أحمد المديني – المغرب (:::)
1ـ منذ أن ظهرت الرواية (سواء اتخذنا التاريخ الرسمي 1719الموافق لصدور رواية روبنسون كروزو، أو القرن التاسع عشر كفترة حاسمة لنزول الأعمال الكبرى للنوع) فإن هذا الجنس الأدبي ظل يتميز طوال تاريخ كتابته بالتنوع والتوسع والتجدد.
بالتحول كسمة أساس تبعا للبيئات الاجتماعية والأوضاع التاريخية والمواهب الخلاقة، وما سُميِّ بفن الزمن الحديث إلا لأنه جاء ناطقا بلسانه، مرآة لمختلف ظواهره، في قلبها تجليات سلوك الأفراد والجماعات وبحثها المتواصل عن مكان مناسب في العالم، وباسم قيم ومشاعر متضاربة ومؤمثلة غالبا. لذلك فتاريخ الرواية الحديثة هو إلى حد بعيد تاريخ للزمن الحديث، بعديد وقائعه وتشكلاته، وهذا الزمن هو بالدرجة الأولى غربي، ولذلك، وباختزال، فالرواية أصلا جنس أدبي غربي، وما ظهر في مجتمعات أخرى هو في الآن احتداء لهذا الفن بتساوق مع سعيها للانتقال إلى التقدم والتمدن، ولذلك سيُمسي التفاوت من أقوى المظاهر المائزة بين هذين العالمين، يتجلي في مختلف المرافق، والثقافي الإبداعي من أبرزها.
2ـ لا مناص يصاحبنا هذا التقابل كلما عمدنا إلى الوقوف على مُنجزنا في الميادين كافة، المادي والتعبيري الرمزي خاصة. هكذا، وبالنسبة للرواية تحديدا لا يسع الدارس العربي كلما عالج نصا سرديا تخييليا إلا أن ينظر إليها، إليه، من منظور ثلاثي: كونه ينتسب إلى تراث وينحدر منه، أنه نتاج حاضر، والثالث أنه افتراضا على الأقل يستشرف المستقبل، وهذا يشمل الموضوعَ والرؤيةَ والإنجاز الفني. فالكاتب العربي يكتب في سجل سابق،على طرس مشغول، وبحكم التفاوت الموجود بين الأصل والنسخة، أو لنسمه المنتج المحلي، العربي في حالتنا، واقعٌ لا محالة في مفارقة، كيف يستعمل فنا حديثا لايني يتجدد لاحتواء موضوع أو تيمة تبالت تاريخيا في العالم المتمدن فيما تبدو له جديدة، كما لو أنها عرضت للتو، مما يقتضي طرقها وتصويرها في الشكل المتميز. ولا يُعد مبررا التعلل بأن الشكل هو وعاء خارجي، أداة/ أدوات، فالمضمون القديم، البالي لابد يُعدي طرازه ويتمثل به على نحو ما، وإذن، كيف يمكن والحالة هذه، الانتصار على مفارقة تبدو إشكالية، ويتعذر تجاوزها مثلا باستعمال طرائق تمثيلية أسلوبية مجددة ملائمة، فالقضية، كما نبه لذلك المفكر والأديب المغربي عبد الله العروي منذ ستينات القرن الماضي، في كتابه الشهير’الإيديولوجية العربية المعاصرة’، وهو بصدد الحديث عن الرواية العربية؛ القضية ليست هي وصف حارات القاهرة ولا أسواقها، ومثله عند نجيب محفوظ، بل الموضوع بالمعنى الكبير، أي موضوع؟
3 ـ وليس الموضوع، ولا التصنيف على أساسه ما يمكن أن يفضّ الإشكالية، ويجعلنا نتقبل منتوج الروائي العربي بالصيغة المعطى بها، ووفق رؤية يعتبر أنها الأنسب، فالتصنيف الروائي حسب الموضوع ليس ناجعا، وهو ما نبهت إليه ببصيرة مارت روبير وهي تضحد أطروحة ألبير تيبودي،عندما قارب الرواية في أطر موضوعاتية هي المغامرة والثقافة والألم والمتعة وعالم البيت، الخ ومثل ذلك من عمَدَ إلى التصنيف الوطني، كالقول بالرواية الإنجليزية والروسية والفرنسية، ونحن أعلننا أن القول بتخييل عربي لا يكفي لحصر خصائصه، طالما أنها تبقى عامة ومنفلتة، وتحتاج إلى تخصيص أدق. وإذ تؤكد روبير على الحرية التي يتمتع بها هذا الفن، أو ما يدعيه له أصحابه من التحلل من أي قيد، بحكم ما عرفه من تنوع نماذجه وتياراته عبر تاريخه، فإنها تعتبر ذلك غير كاف، فلا بد من توفير ما يتميز به، والذي تراه أخيرا في التراوح بين الحقيقة والخيال، وخاصة في التخييل الذي يرتقي الواقع ويمتلك عندئذ حقيقته الخاصة ضمن بنية نصية محددة. وإذن، فالرواية لا يمكن أن تصبح طليقة على هوى من يكتبها ـ تحضرني عبارة طائشة قرأتها في كتاب عربي تقول صاحبتها:’ أنا حرة، أكتب كما اشاء!’ـ ، وإذن، هناك مركز ثقل في كل عمل سردي، وهو يُصنع، وحيث حقيقتُه هي تنامي قدرتُه على الإيهام، وهذا يتطلب من الروائي أن يصنع عمله وفق ضوابط معينة، بقدر ما يخضع النقدُ القارئَ لقواعد محددة، سيما والجنس الأدبي يتمدد في تاريخ متن طويل، تجاورت فيه الأشكال وتضاربت المنظورات، ومفهومه ينبثق من صيرورة كتابته، تولدت شبيهة بالفطرة أو وفق وعي منسق لدى الكاتب.
4 ـ تعني هذه المقدمات كثيرا لمن يقرأ أي رواية عربية كتبت، طبعا، بدرجة من النباهة’واقتضاء الطرز الفني، لمن يسأل لِمَ أدوّن خطابي ذا في هذا القالب، وأختصُّه بهذه الحكاية ويأتي سردُه على منوال مماثل، وهل تنحدر كتابتي من أصل، وماهي درجة تخلقها وبِم أتملّكه وكيف، وأيّ سياق تندرج فيه، لأقول إن موضوعها جوهري، أو هامشي، أو غير ذلك. هي أسئلة وأحيانا تساؤلات تساق في الغالب ضمنيا، إذ لا غني أن يثيرها الكاتب نظريا قبل أن يقدم على ‘ فعلته ‘الأدبية، وكثيرٌ يعمد إلى إثارتها في مذكرات بعدية،أو بمناسبة حوارات، ويبقى الجواب الشافي عنها هو قدرة تمثلها بالكتابة وداخلَها دليل وعي فني كامل. وعندي أن الروائي والقاص رشاد أبو شاور، بين قلة تحضُر في طروسهم هذه الأسئلة، وتُوسوسهم بواعثُ التوجه إلى التعبير السردي، التخييلي والتمثيلي من أجل غايات محددة. أجل، نزوعٌ يصدُق عموما على كل الأدباء الملتزمين، الذين اتخذوا من التزام الكلمة في دفاعها عن قضايا الإنسان وحق وكرامة الوجود رسالة ومذهبا، بينما هو عند كتاب مخصوصين المبدأ الأم والجوهر الثابت، حيث يتماهي الكائن مع كتابته، ولحمة هذه وسداها قرينان بهذا النهج، من غير ما تفريط أو بخس لمقتضى الالتزام الفني، فإن ظهر ثلمٌ على نحو من الأنحاء، فستجده منسجما مع تصور في الكتابة، في نهج السرد ووظيفة الأدب يشفع لصاحبه، طالما أنه مخلص لثابته، وأحسب أن ‘أبو شاور’ سيد في هذا الباب، ومُجيد.
5ـ في عمله الأخير: ‘سأرى بعينيك يا حبيبي’ (دار الآداب،2012) يقدم لنا أبو شاور مثالا أبرز وأجدى لنسق هذه المدرسة وسُننها القولية وطريقتها الأجناسية،ـ من وجهة نظر روائي عربي مشهود له وذي ‘سوابق’ مبرزة، على سبيل المثال:’ البكاء على صدر الحبيب’ و ‘شبابيك زينب’ وفي مجلد الأعمال القصصيةـ وإجمالا كيف يمكن مطابقة الكلام [السردي] لمقتضى الحال. يزيد الأديب والمناضل الفلسطيني إلى سجله السردي بهذه الرواية الرسالية، المحملة بالمقاصد، والتي تعرض مقاماتها البيئية والثقافية والسلوكية والعمرانية والإنسانية بمقالات ومقولات لا يسع قارئها في الوهلة الأولى إلا أن يحكم بتناسبها وتوافقها إلى حد بعيد مع سبائكها اللغوية الأسلوبية ونبرتها الحجاجية، كما تقتضي رغبة التبليغ، وخطة الضحد، في خطاب يتغيّا الانتصار للكرامة والحرية ومواجهة ثقافة الظلام والتعصب، والانتصار لمُثُل حياة حرة ومتفتحة على حقوق الإنسان.
6ـ لابأس، أولا، من تلخيص شديد الاختزال لمحكي هذه الرواية، قوامُه تاريخ عائلة ذات فروع، هي نواة وبؤرة لعشيرة، من ثم تمثيلاتها من خلال البيئة والتقاليد والأعراف والثقافة والقيم والمصالح. هي عائلة لا يسميها الكاتب، ولا يُعين موقعها الجغرافي، كما ينزع عنها ألقابها محتفظا بالأسماء الشخصية الضرورية لسيرها في خريطة جغرافيا الرواية، ولتبين أفعالها، ليمضي المحكي بوضوح. ترشد إشارات بعينها افي طريق القراءة للقارئ إلى أنه في تراب الأردن، وفي بيئة عَبْريّة، أي بين بادية وحاضرة. في الأولى قوم يعيشون على الرعي والزراعة، وبالطبع فأخلاقهم وثقافتهم من جنس بيئتهم، يقابلهم، بالأحرى يُتاخمهم ويزحف عليهم المجتمع الحضري الكاسح ليقضم أرضهم ومعها عالمهم بمكوناته المختلفة التي لا يمكن إلا أن تنهار تباعا وفق مسلسل صراع قوي، متنوع الحلقات، متعدد الأطراف ومتضارب القيم (المعتقد والأدلوجة) والمصالح. يمثل هؤلاء جناحان من أسرة واحدة: أبو حسن، وأبو صخر، وهما أخوان ورثا عن أبيهما ريعا زراعيا ويواصلان العيش إلى جانبه بالرعي، وفي ظروف عيش رعوية، ويحتكمان إلى تقاليد بيئتهما، منها أن بنت الأخ تُعقد من يوم ولادتها لابن عمها، ومن هذه اللحظة يتحدد مصيرها، حكمٌ لا يقبل الاستئناف وإلا تعرضت العشيرة لانفصام لا رأب له: هكذا، رغم اجتيازها لمراحل التعليم الأولى حتى نهاية الإعدادي بتفوق، وطموحها لمواصلة الدراسة الجامعية، ومساندة الأسرة والوسط المدرسي لها، ترغم نجمة على الزواج مبكرا من ابن عمها صخر الفاشل (لاحظوا طباق الإسمين) الذي اكتفى بالتجارة في دكان، وشرع قبل ذلك في التحكم بابنة عمه كأمة له، هو صاحب الأمر والنهي عليها فوق سلطة والديها، وأبيها بالذات المغلوب على أمره بسلطة تقاليد، هي ذاتها ستُرحِّل ابنتي أبي صخر وقد قربتا من العنوسة ليزفا فوق هودجين إلى الفلاة، بينما تبقى نجمة تحت بطش الزوج صخر، قد أجهض حياتها، بل وعيشها كله، رغم قبولها به، تتقبل مهانته له هو وأمه تعيّرها بالعقم، فيما العقم منه حسب فحص الطبيب، ومن هنا تحول حياته إلى جحيم، سيفضي به إلى تحول جذري يقوده إلى التزام الأصولية اعتقادا وسلوكا، فيهجر أهله وتجارته، وينقلب إلى أسوأ مصير بانتهاج خطة العنف كما تؤمن به جماعته بعد أن خسر زوجته،أولا، تُطلق منه خُلعا، فتستعيد حريتها تفتح لها مجددا طريق الجامعة، بل واسترجاع حبيب، فاستئناف حياة كانت من قبل قد أفلت مثل أفول نجمة؛ ثم يخسر صخر بسبب تشدده الأصولي، المنبثق من بنية حاضرة في المجتمع، أختَه وطفاء ستتمرد على سلطته، فتهجر بيت العائلة البدوي، الرعوي، بعد وفاة والديها، فتحقق حلم الجامعة، طالبة ثم معيدة، فدكتورة، ومحبة، خطيبة لدكتور في الجامعة، لتصبح عضوا في نادي المجتمع الحضري، قد انتصرت بعد امتحان شاق أدت ثمنه تشوّها جسديا ودمويا بتدبير من أخيها، هو تعبير عن ديّة تدفعها لمجتمع التعصب الديني المناهض لحرية التعدد والاختلاف، وحق المرأة في الإختيار. بالمقابل هناك صورة المجتمع الحضري، المديني، في الحاضرة، لتكن عمان، أو دمشق، أو بغداد، حيث تسرد الرواية حكايات في شرايين وأوردة، ومحكيات شذرية، عيشَ شخصيات بعضُها من أصل رعوي، إخوة نجمة ووطفاء وغيرهما، يتقلبون في أوضاع المدينة الحديثة ومطامح ساكنتها وتناقض أخلاقياتها، زيادة على تقابلات وتعارضات ،أي طباقات أخرى، بين عيش الداخل (الوطن) والخارج (الغرب(.
7ـ قلنا إنه تلخيص مختزل، وهو كذلك، لأنه مبني على اختزال سابق، ما قام به الكاتب نفسه، إذ أراد تلخيص صورة مجتمع بأكمله (في 302 ص من القطع المتوسط) عبر نمذجة شمولية، تبرز عنده في الآن عينه تمثيلات هذا المجتمع على الأصعدة كافة، وبأبعادها السوسيو ثقافية خاصة، وفي لوحة بيانية مرسوم عليها بوضوح لا مزيد خطوط الماضي والحاضر، بين منحنيات الصعود والهبوط والثبات، وخط المستقبل أيضا، هنا حيث تظهر عبر هذه الخطوط مجتمعة رؤية للعالم مركبة،تارة، متجاورة تارة أخرى، متقاطعة، متناقضة، قد تشبعت وصدرت عن واقع بعينه، على صورته، من منظور واقعية حَرْفية، خارج نصية، وعن واقع منغمر في النفوس، مكبوح ومنسحق تحت ثقل ما فوقه، لذلك ماديتُه مهدودة، وطاقته محدودة، مثل كرامته مهدورة، فيحيا في النفوس، ويستكين إلى المشاعر، هو الحب والألم والرومانسية فطريةً أو رثّة، سيّان، فهذا أيضا واقع، تنقله العين الروائية كما تظنها تراه، وبما يخدم رؤية العالم الأهمّ التي ينتصر لها الكاتب حقا، ويريد أن تسود، استشراف المستقبل، بانتصار القيم الصاعدة وقوى التغيير على أصنام الجمود، وهو منظور طبيعي من قِبل كاتب من عيار رشاد أبو شاور، ونهجه المنوه به، ليس في اعتناق الالتزام، بل وفي جعله المدخل والمسار الذي يجدر بالأدب، والكتابة عامة أن تتخذانه مسلكا أو عدَما، وبه يتحقق للكاتب (الروائي) منجزه الوجودي، وهويته الوطنية، وأفقه الإنساني .
8ـ تبرز هذه النمذجة التمثيلية في شموليتها من خلال واجهتين،وكل واجهة تؤثتها معروضات تحدد نوعها، ومعتقدها،عقليتها، وثقافتها، وذوقها، وهي مجتمعة بنية تتعالق فيها العناصر التي تشكل مجتمعا بخصائص متطابقة، تسمح بتسميته وتحديده، وهذا كله أو جله عبر سير شخصيات تبدو كأنها فردية، وما هي إلا تنزع من شخصية واحدة ثابتة،أي نمطية،مستنسخة، وهي لا يمكن أن تكون إلا كذلك لتأتي منسجمة مع البنية التي تعلن عنها وتشخصها، ولتحضر بدقة في المقعد الأجناسي المحجوز لها في جنس الرواية، لأن الرواية منذ بدأت، وإلى الآن ليست واحدة، وهي واحدة في ضبطها لقواعد لعب لا مناص منها،لا حرة بإطلاق: الواجهة الأولى، تنضوي في مستوى’المجتمع البدوي’،والثانية في مستوى ‘المجتمع الحضريّ’، وأحيانا تتقاطع البنيتان، أو تتخلخلان باقتحامات دخيلة ونافرة علي أي واحدة منهما، فينتج عن التداخل ضرب هجين’ المجتمع البدوْـ حضري’، في ما يسمى بالمدن المُريّفة، أو ترييف المدن، نمط حاصل ومسلسل متصل لا توصيف قدحي البتة، بشهادة خبراء هذا الحقل، يسمى بالفرنسية في تركيب مزجي R’urbanisation
8ـ1ـ في الواجهة الأولى تتشكل معالم البيئة والحياة والمنافع والعلاقات السائدة في بادية الشيخ أبو حسن والشيخ أبو صخر، بعائلتيهما، امتداداتها إلى المحيط حولهما، زوجا ونسلا ومرعى، يتاح لنا أن نتعرف عن كثب على البيت الداخلي، والمطبخ وكيفية إعداد (الطبّون) وحلب الدواب الخ، زد عليه خدمة الزوجة لزوجها، وطقوس الذكور والإناث، في مجمل صور قابلة لأن تحيل على ملامح الرواية الإتنوغرافية، كان الأجانب قد برعوا فيها وهم يقدمون لقرائهم في البلدان الأصلية صورة عن المجتمعات المستعمرة. بيد أن الصورة هنا مرسومة هنا ومنتقاة بيد رسام، روائي عربي، لبني جلدته، لقراء إما ينتمون إلى هذه البيئة فهم خبيرون بها، وإما انسلخوا عنها، فيُخبرون بها، وفي الحالين فإن كلا الطرفين معنيٌّ لأن من شأن الرواية، خطبَها وخطابها، بعد رسم هيكل التقابل وأشكاله النمطية، هو خلق الإحساس بالتناقض والمفارقة بين عالمين متصارعين ومتضاربي المصالح والإيديولوجيا، رغم تماسّهما الجغرافي، تساكنهما الوطني، أي رؤيتين مختلفتين للعالم، تبقى مهارة الكاتب مسؤولة عن الكيفية التي يمكن بها تدبّر رؤيته الخاصة هو، فنا لا جدَلا.
8ـ2ـ في الواجهة الثانية، تتشكل معالم حياة المدينة: شوارع، عمارات، شقق عصرية، مقاهي ومطاعم، جامعة ومدارس عصرية، مرسومة، أو مطروحة بانبهار، بالأحرى بعين الريفي، الدخيل على المدينة، يقرأها بعين الفرق والمفارقة، وغير قليل من الغرابة، فيؤكد مرة أخرى الطبيعة الإتنوغرافية للعمل، من الجانب المقلوب، وهو يعطي قفا الصورة. لكن المدينة، الحاضرة، ليست معمارا حسب، ولا طوطما، إنها علاقات حية، العلاقات المدينية، أي التاريخ، أي ليست قشرة ترسم عليها أصباغ وخطوط حناء، بل رخام قابل للنحت، لا معبر تحضر إليه من خارج فتعتقد لمجرد الدخول أنك صرت في الداخل، في المجتمع الحضري، الذي يتطلب، مثل الرواية بالضبط، شروط وقواعد وجدلية تكونه وصيرورته. إن انتقال نجمة ووطفاء وسعيد وعصام من باديتهما لا يعني بالضرورة نهاية رعويتهما، وما نراه، نُعلم به ينتقل هو الفكرة، المعتقد (الدوغما) لا نسقٌ حياتيّ، مشخَّصٌ وحيوي، وهذا طبيعي بالنسبة لعمل، لكتابة، تنهض على المقولات والأطروحة. أما مدينية سلمى ويونس ومن في طرازهما كشخصيات شبحية،فهي بدورها علامات،عناوين لأفكار وصيغ متسرعة يفترض أن تنوب عن التحقق في الواقع بأدواته لا بالتصريح اللفظي، بالرواية لا بالشعار.
8ـ3ـ أما في الواجهة الثالثة، فتصطفق الإثنتان، فتغدو الفضاء الأجدر في العمل، ومجلى الصراع بين عالمين وثقافتين، وقدْح زناد رؤيتين للعالم متناقضتين جدا، وفيها يعلن التحول عن أسمائه وأشكاله وألوانه، وعبر مشاعر الشخصيات وسلوكها، ولنا عشرات الأمثلة تُلتَمسُ منها الوحدات المسوغة، نقف عند بعضها لغرض الإبانة في الآتي: فالمدينة موصوفة بأنها ‘تسكنها عائلات لا تربط بينها قرابة، ولا معرفة سابقة، فيها شوارع تضاء ليلا، وواجهات محال تجارية ضخمة تلتمع فيها الأضواء، وتغص بأنواع البضائع'(25)؛ ‘قطعت السيارات المارقة هدوء المكان، ونقلت المسافرين من المدينة إلى القرى التي اعتاد أهلها التنقل على البهائم'(28)؛’راحت أيام زمان، لم يبق شيء على حاله. ها هم أبناؤنا يستبدلون البهائم بالدراجات، ومن يدري فقد يستبدلون الدراجات بالسيارات؟'(30)؛ ‘راحت أيام الرعي والبداوة يا صاحبي. لا يبقى شيء على حاله ونحن صرنا أشباه فلاحين’؛ ‘راحت أيام اللحم الحقيقي، لحم العجول، والأغنام، والخراف الطازجة الشهية’ (37)؛’ أيام الطابون اقتربت من الأفول، فها هو فرن في رأس الشارع قد افتتح، وهو ما سيريحها[أم حسن] من همّ النار، والعجن، والاستيقاظ المبكر'(40)؛ ‘كنا نقضي أوقاتنا متنقلين شتاء على تخوم الصحراء، وربيعا في المراعي، لأن الأرض أرض الله.. ‘ والرعاة يحملون الترانزستور وهم يقودون القطعان؛ ‘حياتنا لم تعد تناسب أبناءنا وبناتنا يا أخي، الدنيا تغيرت.. نحن في بيوت تضيئها الكهرباء، وفيها تلفونات، والماء يسيل من الحنفيات، فزوجاتنا ما عدن يشقين في نقل القرب على ظهورهن’ (43). زد على هذا حديث النسوة: ‘يا امرأة عمي نحن لم نعد بدوا، نحن نعيش في المدينة[ التي ليست مدينة، في الأطراف] والبنات لابد أن تراهن الجارات، فقد يخطبنهن لأبنائهن. لا بد من أن تلبس البنات لباسا مناسبا، لباسا يبرز جمالهن، وليس ثيابا سوداء كئيبة ‘ (84). مقابل أن الراديو:’عين الحرام، فهي[ المرأة] ستسمع أصوات رجال غرباء، وأغاني خليعة، وكلاما يخالف شرع الله، الراديو رِجْسٌ ولذا حرّمه شيخُنا'(121) يحتج صخر المتصخِّر ضد رغبة زوجته. زد عليه قانون الذبح والقتل الذي:’ يقطع رأس الفتاة لأنها تحب، وتجلس مع شاب في مكان عام(…) شابان يدهم حلمهما شخص يحمل خنجرا ويذبحهما ذبحا.. أهو شقيقهما أم ابن عمها؟'(22). مسك ختام هذه الاستشهادات عبارات غرضها تركيب العالمين في صورة الهجنة التي يندغمان فيها على نحو يثير اشمئزاز من يعيشها، بما يعني الجفوة والانفصال: ‘نعيش في بلدة تدعي أنها مدينة، ولا أثر للمدينة فيها، يغرقها الغبار صيفا، وتفيض مجاريها شتاء من زخة مطر واحدة(..) لا أفق لشيء..غرباء..غرباء'(229) كجناز أخير.
9ـ جناز أخير، نعم، إنما يحرص أبو شاور أن لا يتلى بدون إشارة واضحة إلى غربة الفلسطيني التراجيدية والخصوصية. أجل، لا نستبعد الفضاء الفلسطيني عن فاعلية الرواية، لكن معضلة الفلسطيني أعمق، فإضافة إلى هجنة المحيط، وتنازع الثقافة والهوية، يبقى جرحه الأول، التاريخي هو فقدان الوطن، لذلك لم يفت (أبو شاور) إرسال إشارات بهذا المعنى بتلميح وذكاء، فالفقد عام، وتيمة هذا العمل إحدى عناوينه، بل شخصيات الرواية فلسطينية، ما أحجم الكاتب عن ذكره: تخاطب سلمى الصيدلانية صديقتها نجمة لا تعرف حلا لوضع ابنيها في المانيا: ليتزوجا كما يشاءان، ولنعد انا وفوزي لنموت هنا، أو هناك في الغربة، لا فرق، ما دمنا لا نموت في مسقط رأسنا الذي لم نعش فيه’!'(261) أو حين تذّكر أخاها سامي:’ نحن مشردون حيث كنا، ومحاصرون، ومهددون..'(272)خلافا لجمال ناجي الذي يبقي الفلسطيني في مركز هذه المعضلة بشخصيته المعلنة هي ومساراتها المتحولة في التخطيط ذاته،ملحا على الجرح الوطني، في روايته: ‘غريب النهر’ (2012).
10ـ إن ما يحقق للرواية انتماءها الفني هو علاقتها بجنسها المخصوص، ونوعية هذه العلاقة، وكيفية تدبير الانتماء بالأدوات الفنية الممكنة، وبما يحقق فعلا التناغم بين الشكل والمضمون. بوسعنا جعل هذه التركيبة النظرية التي كانت تصلح أيضا مدخلا لمقالتنا، حُسن انصراف ووسيلة للتخلص من أي حكم قيمة على كتابة سردية بمثابة شهادة على حقيبة تاريخية، في إطار زمكاني فضفاض، وتنتصر لقيم ضد أخرى، جهرا جهيرا، فرشاد أبو شاور اختار بالفعل شكل الرواية الرعوية قالبا لحكايته، هي ذلك النوع الذي ظهر في نهاية القرن16، يؤهل الحب، حسب (بافل(، قانونه الجوهري، وحتمية التفاوت بين المثال والسلوك، أبطاله رعاة وراعيات، ويتضمن في الآن مبدأ الفصل ومبدأ الاندماج. إنه نوع ما قبل روائي، قياسا بنظام الرواية الحديثة ومشاغلها، التي من المسلم أنها بنت العالم الحضري ومعضلاته الخصوصية، مصائر وأزمات، بنت المدنية الحديثة وتستمر، وهو ما يدعونا إلى التساؤل إلى أي حد توفر لعمل كاتبنا هذا التحول كلما انتقل بقصته وشخصياته من باديتهم وأطرافهم، إلى المدينة أو شبهها، وهو ما لا نلحظه إذ نرى طرازها السردي وإوالياتها واحدة في الحالين، ما يدفع إلى سؤال ثان مقولُه هل من الممكن الجمع بين مقاربتين فنيتين ذاتي مرجعيتين مختلفتين في جنس واحد متناغم ومعبر عن وعيه بعمق، أم أن هُجنة المادة، لأسبابٍ وعِلل، لا تسمح بدورها تحقيق المبتغى، وبالتالي نبقى محرضين بهاجس الرواية التي تسائلنا، تسائل الكاتب المعني، لماذا وكيف، ونحو ماذا نستعملها لنكتب بها هذا المعنى ونروج لهذه الفكرة أو نناهض تلك الأدلوجة؛ أجل ما هي الرواية العربية اليوم ولماذا؟
11ـ إذا ما سعينا إلى التركيب، فها نحن مع عمل تبدو حكايته في الظاهر فقط بسيطة، ساذجة، أي مبذولة ككثير من المعاني في الطريق، عن مجتمع يعيش ثنائية بيِّنة، متناقضة، متعايشة، ومتصارعة في آن. مجتمع تذهب إليه الرواية لترصد ثنائية تشكّله البدوي ـ الحضري، وتُحيي بما وَسِعها ظواهر التمثيل لها بما قد يبدو أيضا مُعطىً سلفا، وساذجا، ولكنه ضروري، نظرا لأنها ترصد ما هو في طريق الزوال، الذي سيمكث في النص وحده، وما يفترض أن الحاضرة يتخطاه وهو يطويه، بينما هي تستعيده ويصبح ضِعفها، وبين الحالتين ـ الوضعين، يرتسم عالم المابين. السؤال الآن، وبصيغة مختلفة عن الفقرة السابقة،هو كيف تستطيع الرواية،وبعد أن تجاوزنا رؤية الكاتب الرسالية ـ المُثُلية، الملتزمة، لا جدال حولها، أن تصوغ على مستوى الصناعة و البناء، أن تقترح لنا التركيب الفني التخيييلي، يقنعنا، كما فعلت الرواية الغربية بالضبط، بأن السرد الحديث هو جزء من حركة التحول المجتمعي،وبناء المنظومة الحديثة للقيم، لا صدى حنين، وتروبادور لرواية رعوية، ولا واقعية تظلُّم في زمن مظلم، حسب. في مذهبي أن الوعي بقيمة الأدب متصل بنُبل القيم جنبا إلى جنب مع رفعة الفن، وكل قراءة نقدية هي محاولة لضبط إيقاع التوازن أو وقع الخلل من هذه الزاوية. إنما، وهذا هو المعضل حقا، كيف يمكن التوفيق بين منطقين: أخلاقي، مذهبي، بل إنساني، ومنطق ـ منطقنا ـ يعتبر الجمال قيمة كلية لا تحتمل التفريق، أي تعتبر المدنية كلاًّ لا جزءا، ولا نصفا، شكلا ومضمونا. وإذن، لنعذر الروائي (مطلقا) فهو ضعيف الحيلة أمام هذا المأزق، أكبر دليل أن المدينة العربية الحديثة لا تكفّ عن التراوح، مثل السياسة والثقافة والنمو والديموقراطية، تذهب، تجيء كالأرجوحة، والرواية الغربية نفسها بعد أن جربت آفاق شاسعة من مدنيتها تكاد تيأس منها، وتجديدها هو اجتراح ما هو أبعد عنها، شأن رواية أمريكا الجنوبية، هي نفسها اخترقت جلد مدنيتها ونراها، لمن يتابعها، تتبدد سحريتها، نقيض أطروحة الواقعية الكلاسيكية، وتبحث عن بديل. رشاد أبو شاور ينظر إلى بعيد، يبحث بدوره عن بديل، وهذا العمل جزء آخر من مسيرة بحثه. وفي نصه الأخير يريد منا أن نرى بعيني الدكتور يونس، عينيْ حبيبِ وطفاء في ما لو أصابها العمى، بعد عدوان الظلاميين والغاشمين. بعد هذا وذاك فإن جوهر اللعبة يقع في بؤبؤ العين،كيف، ومن أي منظور ترى؛ أثمّة أبصر من الرواية وأحذق وأذكى حين يكون لـ’البرّاق’، للروائي،عينا ؟’!
_____________________________________________________
* الدكتور أحمد المديني: روائي، قاص، ناقد..أكاديمي عربي مغربي.






آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

