من ذكريات سندباد العصر : موستار – مدينة التاريخ في يوغوسلافيا

الرابط : فن وثقافة (::::)
كتب : يعقوب شيحا – واشنطن (:::)
أكثر ما يلفت نظرك وأنت تدخل مدينة موستار الواقعة وسط الجمهورية الإسلامية للبوسنة والهرسك بجمهورية يوغسلافيا الإشتراكية هي كثرة المآذن المنتشرة هنا وهناك. ويخترق مدينة موستار نهر نيريتفا، وعلى ضفة هذا النهر كان الرئيس الراحل تيتو يملك فيلا خاصة به يتردد عليها من حين لآخر وخاصة خلال فصل الصيف، وعلى ضفاف النهر من الجانبين أقيمت الفنادق وأماكن السياحة والمنتديات والمنتزهات، كذذلك أقيم جسر كبير للعبور عبر الضفتين.
وتنقسم مدينة (موستار) إلى قسمين منذ الإحتلال التركي والنمساوي، وأحدهما مازال يحمل بصمات الإحتلال العثماني حيث الأرض المبلطة مثل شوارع القدس القديمة والاستانة واستنبول، وهناك 47 جامعا ما زال معظمها مغلقا ما عدا اثنين فقط، ومن الذكريات التاريخية التي ما زال السكان المسلمون هناك يذكرونها يوم جاء الرئيس الراحل جمال عبدالناصر برفقة صديقه الرئيس تيتو وبينما كان الموكب يسير فوق الطريق وإذا بسائق السيارة يقف فجأة، فالناس كلهم نيام فوق الطريق، وحين توقف الركب، سألوا ما الأمر، فنهض الجميع ليطلبوا من الرئيس الراحل جمال عبدالناصر أن يصلي بهم إماماً، وفتح المسجد هناك لأول مرة وانطلق الآذان.
ونأتي إلى القسم الثاني من موستار، فما زال يحمل بصمات الإحتلال النمساوي حيث الطريق المعبدة والأشجار على الجانبين عمرها مئات السنين، وحول المدينة تنتشر كروم العنب الكثيرة، ولن أنسى أبداً ذلك اللحم المشوي المضمخ بالليمون بمذاقه الغريب. وقد ذكر لي شاب عربي… في حديث عابر عن المسلمين في هذه المدينة.. بأن المتقدمين منهم في السن هم  – فقط – الذين ما زالوا متمسكين بتعاليم وقيم واخلاقيات الدين الإسلامي الحنيف وهم لا ينسون تلك الزيارة التي قام بها مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني إلى تلك المدينة حيث أنه كان قد اتفق مع هتلر بمساعدته بتجنيد عدد من المسلمين للوقوف في وجه القوات البريطانية وبالتالي يساعده هتلر في التخلص من الإستعمار البريطاني في فلسطين!
ونتيجة لذلك صدر الحكم بالإعدام على مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني ولكن لم يستطع المستعمرون القبض عليه في ذلك الوقت، ومن المعروف أن قطاعاً كبيرا من المجاهدين اليوغسلاف كان يعمل مع الحاج أمين الحسيني في فلسطين حيث كانوا يدربون الشباب العربي كيف يصنعون الذخيرة والسلاح لهم..
وقبل أن أغادر المدنية نصحني أحد الأصدقاء اليوغسلاف أن أشاهد أهم معالمها السياحية.. وذهبت إلى أعلى ذلك الكوبري القديم جداً .. والذي بناه الأتراك عام 1566. كان المشهد هناك رائعا حقا.. حيث يمكنك أن تشاهد من فوقه النهر الذي يشطر المدينة إلى قسمين.. وحيث الروابي الخضر والجبال وحيث تنتقل عيناك من ابداع كبير إلى ابداع أكبر حتى تتعب عيناك من الجمال… والمدينة ذاتها تمتاز بزحمة لا في البشر .. ولكن في مشاهد الزهور التي رصعت الشوارع برشاقة وجمال وعناية شأنها شأن كل المدن اليوغسلافية..
هذه هي موستار .. مدينة ما زال يفوح منها رائحة التاريخ الإسلامي وسط دولة اشتراكية أوروبية .. وهذه الصفة تعطي لها طابعا ومسحة معينة داخل الجمهورية الإسلامية للبوسنة والهرسك … في أنحاء جمهورية يوغسلافيا الإشتراكية .