الرابط : دراسات (::::)
د.الطيب بيتي العلوي – باريس (:::)
أفقه الناس وأعقلهم هوأعلمهم بالخلاف”الإمام جعفرالصادق”
الأحكام في قضايا الأمم،يصدرها التاريخ وينفذها من خلال أجياله،فيُعلي من شأو أمم ويُهبط بأخرى…،وعندما تنهارحضارات أوتنبعث أو تُجدد أخرى،فإن التاريخ يعلن عنها بقوانينه بكل لغات الديانات والثقافات والحضارات،بأن غايته هي العدالة والإستقامة وتقويم العِوج،ليعيد موازين الإعتدال طبقا للقوانين الكونية الدورية،مهما تغيرت صفحاته وتنوعت أوتناتجت أحداثه،ولكنها أمورمقضية مهما ثقلت خطواته
وبالتالي فلم يكن إختلاف الناس في قضايا الأمم والشعوب والمجتمعات والأفراد وإختلافهم في النظرإليها،إلا وليدالإختلاف في تحديد أهداف تصورات الموضوعات ومدلول الكلمات ومفاهيم المصطلحات
ومن حق الأفراد في أي مجتمع إنساني،أن يختلفوا فيما تدل عليه المفردات التي صارت مصطلحات،أواصبحت عناوين كبيرة لقضايا مصيرية لأمة أولشعب ما .
ومن حق هؤلاء الأفراد والجماعات أن ينزعوا إلى الإختلاف في فهم قضية سياسية،أوإجتماعية،أو نظرية فكرية،أونص مقدس،أومعلومة كيفما كانت مصادرها،مهما اختلفت مرجعياتهم ،وأن يتأولوها بما تمليه عليهم إنتماءاتهم (الفكرية –العقدية)و طبيعة فهمهم ودرجات إستيعاب إدراكاتهم،حسب ما يمتلكونه من مؤهلات ذهنية اووراثية اوبيئة (ثقافية-إيديولوجية)وحسب ما توصولوا إليه من جمع المعلومات .
ولكن ليس من حق هؤلاء أن يتصدروا مراتب توجيه الناس وقيادة الرأي العام،سواء عن طريق التفكيرالعقدي(المذهبي-الفقهي)أوالإيديولوجي والسياسي والثقافي،وسواءعن طريق الترشيد العام ،او الكتابة اوالخطابة اوالإعلام المرئي أوالمسموع اوالمكتوب،الا إذاوقفوا في دائرة الفكر الموضوعي،وتخلقوا بالموقف الأخلاقي،وتمسكوابمواصفات الحدود العلمية المنفصلة عن الميول الشخصية والأهداف المغرضة بقدرالإمكان ،
ومن هذاالتحديد،فإن الإستظهاربملاحظات تضع في إعتباراتها تلك المعطيات التي تدخل في الإطار المعد سلفا تطبيقا لأغراض مذهب أوطرح،أوتنظيرأورؤية، كيفما كانت مصادرها،ليس إلا ضربا من الخلط والتخمين والسفسطة والتدليس.
ومن هذا الإعتبار،فانه من حق العرب –نخب ومفكرون وسياسيون ومثقفون وعلماء دين وباحثون ومبدعون وفنانون –أن يختلفوا في شأن الربيع العربي ،وإن يتخذ البعض منه موقفا محبذا ومدعما،وأن يقدح فيه البعض الآخر،أو أن يقف حياله آخرون موقفا نقديا تحليليا ومشككا أومحايدا، فالإختلاف من طبيعة عقول البشر،وان “أعقل الناس وأعلمهم هوأدراهم بالخلاف -خطاب الامام جعفر الصادق –سيد فقه أهل البيت -للامام ابي حنيفة النعمان رائد فقه الرأي في فقه السنة -، والإختلاف إذا خرج عن الشطط والتشنج والشطح والتعصب والإنفعالية والتحايل وقذى اللسان، صار ثراء ومنفعة ومشروع حل،وحسن مخرج لمشاكل الناس
غير ان الإقتصارعلى الحديث عن الربيع العربي بإعتباره “المعلمة التاريخية العربية”الكبرى،كما يتفاءل بذلك ويكرر بعض القوميين والعروبيين /أوالصحوة الإسلامية العظمى- كما يروج بعض الإسلاميين وخاصة من دعاة “الخلافة” من السلفيين المشبوهين –….،أوالنظر إليه”كظاهرة”صحية”في التاريخ العربي”–كما يظن بعض “التنويريين” من اللادينين -…..،أوإعتباره”ظاهرة متفرد ةفي”التاريخ العالمي المعاصر–كما شطح حالمون آخرون-،وعلى أنه “ظاهرة بريئة وعفوية وإيجابية”-كما يردد رومانسيون – ،فإذاً فالربيع العربي مقبول على علاته وعواهنه ،ولا يحتاج الى إعمال عقل أو تفكير،لأنه ينشد”التغيير” من أجل التغيير، ويهدف إلى تشريع “ديمقراطية السوق” لتنهمر على الشعوب العربية كل الخيرات مدرارا من السماء ،دون التطرق إلى ما للربيع العربي من علاقات بعوامل أخرى مسكوت عنها ومطمورة ،أومندسة ومدسوسة،فهوعمل غيرمستساغ أخلاقيا وغير مقبول موضوعيا ومنهجيا وأكاديميا،
كما أن محاولة البعض تفسير ظاهرة الربيع العربي بالمعطيات (الأركية-المتحفية)-( السوسيو-أنثروبولوجية) المؤلهة في العالم العربي ،ذات الإصول الإفتراضية والمعين”اللايقيني” لمعطيات علوم أناسة القرن التاسع عشر التي فقدت مصداقيتها وثبوتيتها – التي تم تجميلها بمساحيق ورتوش ما بعد الستينات بالمعالجات”السوسيولوجية-الدراورينية”اللعوبة ،والتي لم يعدلها ذكر في الغرب من سيدني إلى برشلونة، سوى في ذهنية مستحمقي السوسيولوجيون العرب – بعد أن نعاها كل عقلاء الغرب وخاصة من متمردي التفكيكيين أمثال:(فوكو-دريدا-ليوطار-دولوز) حين أعلن”ميشيل فوكو”في اوائل الستينات:”بأن أركان العلوم الإنسانية الغربية قد تهاوت كلها ، بعد أن وقفت على أرضية هشة لأزيد من قرن” –انظرLes Mots les choses/M/Fouaut –على سبيلالمثال لا الحصر-
اومحاولة إخضاع “الربيع” لقواعد علم الإجتماع الغربي -الذي هو في الأصل وُضع إستجابة لمصالح الرجعية البورجوازية لغرب اوروبا المحافظة في القرن التاسع عشر–كما حدد الهيغلي المتمرد”هربرت ماركيوز”-أنظركتاب” الطريق المسدود”…،اوكما فسر “أوغيست كونت”نفسه بوضوح كواضع للفكرالوضعي” حين حدد “بان لفظ “الوضعي”الذي كان يصف به فلسفته وفكره،يتضمن تعليم الناس ان يتخذوا موقفا ايجابيا من الوضع السائد،وقبول الأمرالواقع”…..،
بمعنى أن اية محاولة لتفسير أحداث الربيع العربي منذ بداياتها إلى كتابة هذه السطور،بمعطيات علم الإجتماع الغربي المحنط ، ضرب من التحايل والجهل ونزوع نحو الإمعية،مادامت علوم إلاجتماع الغربية ولدت في الأصل أسيرة (التركيبية التضليلية) و(الدفاعية التبريرية) للدفاع عن”الأنا الغربية”الإستعمارية،وتقلباتها (السوسيو-سياسية) المستجيبة لأهدافها الفورية 0(حاشية توضيحية) مما أسقط علوم الأناسة كلها بعيد الحرب العالمية الأولى مبكرا في التخبط والإجترار،بسبب تعملق المعطيات الإجتماعية المتسارعة وتفاقم الأزمات الاوروبية والعالمية الخانقة،التي تفرزها الاخطاء الغربية المتكررة ،مع تزئبق الحلول المناسبة ،وتراجع المناهج”الثبوتية”الغربية عن يقينياتها الكبرىبسبب أركيتها ومتحفيتها ،وغياب إدعائيات”الرؤية”الغربيةvision “الإستبصارية “التي تتشظى باستمرارعلى رأس كل مرحلة من مراحل الغرب الإنتقالية الذي لا يستقرفي رؤاه (الفلسفية-السياسية)على قرار، حيث تلازم الرؤى الغربية التدليسية منذ الستينات”لخبطات”التصورات وتوالد”الأفكار”المستحدثة المولدة “للأفكار”البراقة الجديدة التي تجب ما قبلها –والغرب ولاد افكارعشية كل مساء حسب تعبيرهيدغر”(بحيث لا يجد الغرب حلا مناسبا لازماته الإجتماعية الداخلية سوى قبولها بإشاعتها مثل “الهوس المرضي “لاعنف الكروي او ظاهرة تعاطي المخدرات او تفشي الدعارة والشذود الجنسي او لوطية الأطفال(التي هي ظاهرة فوقية تتطال معظم كبار السياسيين ورؤساء الأحزاب والوزراء) كما ان الغرب لم يحل قط معضلة إجتماعية أوروبية مستفحلة سوى بالحروب الداخلية الأوروبية/الاوروبية، أوتصديرها بإشعال حروب كونية او بالحروب الاستعمارية الخارجبية-فأضاعت علوم الاناسة الغربية”الإنسان”وخلفته وراءها وتناسته من كثرة اللهث وراء”التفكيك”من اجل التفكيك والتحليل،-حسب تعبير”فوكو”ولم يعد يجد اليوم ديناصورات الأحياء من عمالقة الإبيستيمولوجيا والأنثروبولجيا والسوسيولوجيا ما يفككون او ما يحللون، فقد قضي الامرالذي فيه يستفتون،
اما الفرجة”السياسيوية” التي أفرزها المشهدالعربي في منقبة”ربيعه”فهي كالتالي:
-علمانيون”متنورون”:ما يزالون يلعقون قيئ الأفكارالغربية بالإستمرارفي الانبهار”بالمتحفيات الغربية الفكرية”بالإجترار،وقراءتها بالأعين الضريرة، وإستيعابها بالعقول المتحجرة،وتأويلها بسلوكيات صعلكة الشطاروعقليات البلطجة
-قوميون: يغرفون من اطروحات القوميات الأوروبية”البيسماركية”(الجيرمانية-النمساوية) “والغاريبالدية”-الماتزينية”الإيطالية ،وهي كلها قوميات شوفينية محلية أوروبية، تستجيب لأغراض محدودة –في الزمان والمكان -لتجمعات بشرية في بلدان اوروبية محددة،لا تعني باقي البلدان الأووبية، فما بالك أن تسري ببلاهة على الإثنيات الساكنة على الجغرافيا العربية،علما بان الغرب قد قبر أطروحات قومياته الى غيررجعة، منذ نهاية القرن الثامن عشرعندما أطل القرن التاسع عشر :عصر الأيديولوجيا والتفلسف والثورات والكولونياليات،والتغييرات،فلم تعد مفهمة”القومية”تهزاعطاف أي اوروبي من لشبونة الى هلسنكي،ولم يعد يتلفظ بها اليوم أي مفكر او سياسي غربي على المشهد الأوربي المنخنق بأزماته،حيث ما فتأت المعضلات البشرية تتفاقم،بعد أن أقحم الغرب فيها الإنسانية كلها بسلطته الابيسية وإرهابه الفج،وتغرطسه الباطولوجي، فلم يتبق للمستضعفين في الارض-وخاصة من العرب والمسلمين- سوى مطالبة الغرب ب”الرحيل” عن موقع “ترشيد” البشرية و”تحضيرها” قبل أن تستفيق شعوب العالم لقلب الطاولة على”السيادة “الغربية عقوقا لأبويته”المقدسة”وإنعتاقا من عبوديته السرمدية ،ورفضا”لوصايته”على مصائر البشرية،
-عروبيون: لا يدرون أية عروبة يبتغون،أهي أعرابية الجاهلية الاولى المعتدة بأخلاقيات الإغارات القبلية والسطو والسبي والكر والفر،وعشائرية الوديان والصحاري والبوادي والبراري؟ أم عروبية إثنية مزركشة رومانسية مؤدلجة، بدون أي عمد معجمي يسند طرحها…؟.،ام البحث عن مشتركات عروبية اللسان، ونبالة الروح ومكارم الأخلاق، والتاريخ المشترك ،والأرض الواحدة والآمال العريضة المشتركة، يتبناها أعراق ساكنة الجغرافية العربية –من كل أطيافهم وعرقياتهم- “كإيديولوجية” وضيئة -غير شوفينية- تكون رسالتهم للعالم الخارجي دعما للإخوة الإنسانية من المستضعفين في الارض من البشر،ومَعبرا يجمع ما بين القاصي والداني،و ما بين العربي والمستعرب،والبدوي والحضري،ومذهبا جامعا يؤاخي ما بين السني(من كل المذاهب والشيعي(من كل المدارس) والإباضي المعزول من اهل السنة والجماعة ومن الشيعة،ويوحد ما بين المسلم والنصراني -واليهودي الموسوي- (إقصاء للتلمودي–الصهيوني-الأشكنازي الإستأصالي)
-إسلاميون: مشتتون متناحرون مكفرون بعضهم البعض ،يسجعون في الربيع العربي أسجاع كهان التوراتية، ويعملون في الاسلام عمل كهنة ورجالات الكنيسة في القرون الاوسطية،لم يألوا جهدا في سبيل لوي نصوص القرآن، واللغو فيه ب”التيميات الكلاسيكية” والإجتهادات “الفقهوية-السلفوية”الوهابية،عملوا كل ما في وسعهم وتحت أقدارهم في تشتيت الدين وتفريق أمرالمسلمين بتحريف الكلام عن موضعه،فتكلفوا –في سبيل ذلك -من الأمورالخطيرة اللاأخلاقية واللاإسلامية،لحيازة السلطان، عبرتصريحاتهم الوقاحة الرعناء، وفتاويهم الممسوخة الحمقاء،ركبوا في سبيل تحقيق ذلك كل مركب صعب،وإرتكبوا من اجل ذلك كل الفوارق المبيرة،ليحوزوا الفلج والظفر،ونيل المراد،إرضاء لحب السلطة والجبروت والمال ،لا لمرضاة لله
ليبراليون “قزحيون”إنتقائيون مهرجون، لم يفهموا من لفظة “الليبرالية” liberal أو liberalisme غير معناها المطاطي النصبي التحايلي اللاهدفي-الذي يعني إيتيمولجيا بالمعتى المعجمي الغربي “التحرر من” se liberer de،تسويغا لتحللهم من كل ثوابت الأمة وهواجسها “بالتحرر” من كل الضوابط و المعايير لأخلاقية والأعراف والمبادئ-التي من أجلها تم وضع المصطلح في نهاية القرن التاسع عشر‘ستجابة للطلبات الفورية والآنية لصعود الفئات البورجوازية المتنمرة لتحل محل الفئات التي قضت عليهم الثورة وأفرزتهم ظروف لصوصيات المرحلة الكولونيالية- ، حيث يمارس هؤلاء الليبراليون العرب الجدد شتى التلونات اللامرئية والقردانيات السيركية،إستجابة لكل قذرات المشاريع الغربية في المنطقة –فكرا وتمويلا-
وبالتالي، فقدأفرز لنا الربيع العربي مفاهيم ومصطلحات دوارة، وبالكاد نستطيع ان نحصيها لكثرتها وغثاثها وغلاظتها، حتى اصبح المشهد العربي-في ربيع العرب- المحاصر ما بين شعارات هؤلاء ،وخطابات أولائك، كمن يزين جبين الحمار بالمرجان، ويكسوالقرد بالديباج ،ويطوق عنق الكلب بالعاج ،ويبقى الحمارحمار،والقرد قرد، والكلب كلب
وكم شهد العالم العربي منذ”نهضته”في أوائل العشرينات ،من حركات “إنبعاثات” (حاشية توضيحية) وغليانات “صحوات”،وفورانات”قوميات”،وثورات”عروبية”شوفينية صغرىوكبرى مشبوهة ،بعد ان أزال الغرب عن كاهل العرب”وطأة العلوج الأتراك”- لعجز العرب عن أزالة العثمانيين لازيد من قرون بكل الوسائل بما فيها”الثورات”-فجاءت كل تحولات العرب على جغرافيتهم- التي يسمونها إستحمارا”ثورات”- متسربلة بكل لبوسات الخطابات العربية والمستعربة والمتغربة :”هاشمية شريفة”اوقومية اوقطرية اوعلمانية،اوعلى شكل إنقلابات عسكرية، فكذبتها شواهد الأيام،فذابت كلها كما يذوب الملح في الطعام






آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

