من ذكريات سندباد العصر : رحله الى لارنكا

الرابط : فن وثقافة (:::)
كتب : يعقوب شيحا – واشنطن (:::)
لا تكاد الطاشرة تهبط إلى مطار لارناكا حتى يخرج  القادمون متجهين نحو المدينة مارين ببحيرة تشتهر باستخراج الملح منها، وعلى الجانب الآخر يلاحظ المارة وجود مئذنة ومسجد له قبة تلك هي تكية “خالة سلطان” وهذه التكية تضم رفات أول شهيدة مسلمة استشهدت فوق أرض قبرص وذلك أثناء أول فتح إسلامي لقبرص عام 28 هجرية 648م. ويقع هذا الضريح قرب مدينة لارناكا، أما خالة سلطان فهي أم حرم بنت ملحان التي ركبت البحر في زمن معاوية بن أبي سفيان، وصرعت على دابتها حين خرجت من البحر فاستشهدت عام 28 هـ، وأم حرام بنت ملحان هي إحدى خالات النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالرضاعة.
وتعتبر تكية “خالة سلطان” شاهدا حيا على الروابط المتينة التي تربط قبرص بالعالم الإسلامي، وتحتل هذه التكية مكانة عزيزة في قلوب مسلمي قبرص عامة، كما تعتبر من أقدس الأماكن الإسلامية في الجزيرة. وقد سقط هذا الضريح المقدس بيد القوات الرومية في عام 1964 ومازال تحت سيطرتها ويقال أن منطقة الضريح أعلنت بالإضافة إلى المناطق المحيطة بها منطقة عسكرية، أما محتويات الضريح والجامع والتي تحمل أهمية تاريخية لا تقدر بثمن فقد نهبت جميعا.
وتعبر بنا السيارة إلى أعماق المدينة حيث تنام على الشاطيء الجنوبي من قبرص، وهي تبعد مسافة نصف ساعة بالسيارة من نيقوسيا، وكذلك أبعد بقليل عن ليماسول، وهي كباقي مدن الجزيرة مليئة بالأساطير والتاريخ.
ومدينة “لارناكا” مبنية على موقع إحدى المدن القديمة الملكية والتي تعرف باسم كيتيون، وتقول إحدى الأساطير أن كيتيون أسسها خيثم حفيد نوح.
وقد برهنت الحفريات الحديثة أن كيتيون قد بدأت كمدينة مكدونية – وأنها أبرزت أحد أكبر المفكرين في العالم زينو مؤسس المدرسة الزينونية للفلسفة في أثينا.
وفي التاريخ الحديث حصلت لارناكا عل ميناء حديث وحوض بحري ومطار الجزيرة الرئيس الذي يمكنه أن يستقبل جميع أنواع الطائرات.
ومن أشهر الأماكن في المدينة كنيسة القديس لازاروس، وتقول أسطورة أخرى من أساطير لارناكا أن القديس لازاروس جاء إلى قبرص بعد أن أحياه المسيح من الموت، وأصبح هنا أول أسقف لأبرشية كيتيون وأن القبر الذي وجدت فيه آثاره ما يزال موجودا في الكنيسة إلى الآن.
ومدينة لارناكا اليوم مدينة هادئة ذات مظهر حضاري حديث، إلا أنها مازالت تحمل بصمات الأمس العتيق، وأكثر ما يميزها حدائقها العامة وخاصة أشجار النخيل الممتدة على طول الشاطيء والذي تحول بدوره إلى أحضان دافئة تستقبل المصطافين من جميع أنحاء العالم بكثير من الوداعة والحب حيث تنتشر الزوارق الصغيرة ذات الأشرعة الملونة.
وإذا جئت إلى قبرص ووددت الرحيل من مطار لارناكا، فإنك ولا شك قبل وصولك للمطار سوف تشاهد في البحيرة المالحة ذلك الطائر الأبيض الطويل ذا السيقان الطويلة والذي يطلق عليه اسم اللقلق أو “أبو سعدة” وهو عادة يتواجد مهاجرا ما بين ديسمبر إلى مارس من كل عام، مما يضفي على المكان جمالا بالإضافة إلى  سماء لارناكا الزرقاء المرقطة بالغيوم البيضاء الجميلة. ويبقى الرحيل إلى لارناكا هو الرحيل إلى جزيرة السلام الذي مازال البريطانيون يجلسون بعيدا عنها يراقبون بالرادار ما يدور حولها من مؤامرات وعلى بعد أميال منها قليلة يقبع أعداء السلام في الوطن المحتل بفلسطين .