بالامس ودعناه : فلنحفظ وصاياه

الرابط : فضاءات عربية (:::)
امديرس القادري – فلسطين المحتله (:::)
كم هو مؤلم وصعب أن تكتب بالقلم عن الشهيد القائد الدكتور جورج حبش وأنت لا تمسك بين يديك بالبندقية التي من دونها لا يمكن أن تخط كلاما يليق بالحكيم ، وكم هو مؤلم أيضا أن تحل ذكراه ولا نسمع فيها صوتاً لرصاص الحق وهو ينطلق على الأعداء الصهاينة ، كيف يمكن أن تعطي للحكيم بعضا من الحق والدين المعلقان في رقاب كل الذين ساروا على دربه ولا يزالون أحياء من غير رصاص .
في مدرسة الحكيم التي تعلم فيها الألاف ما كان بالإمكان أن تتعلم حرفا من علوم الثورة من غيررصاص ، فالسياسي مقاتل ، والمقاتل سياسي ، وهذا هو الجوهر الذي كانت تقوم عليه أفكار وآراء ورؤى وإرشادات ونصائح الحكيم القائد ، وإذا كنا قد ودعناه بالأمس وقبل خمس سنوات فهل يمكن لنا على الأقل أن نحفظ له وصاياه ؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن يطرح على ما تبقى من منظمة التحرير الفلسطينية ، وعلى السلطة الوطنية ، وعلى كل الفصائل التي لا تزال ماضية على الدرب الوطني ، وأخيرا على الجبهة الشعبية قلعة الحكيم الخاصة التي نشأ وترعرع بداخلها .
هذا هو السؤال الذي يمكن أن يرتاح لسماعه جسد الحكيم المسجى في التراب الأردني الغالي والعزيز على نفسه ، فالتراب واحد ، في فلسطين ، وفي الأردن ، وفي كل بلدان العالم عند الحكيم الذي اختار النضال العالمي والأممي فكرا ، ونهجا ، ودربا ، نعم ، كانت فلسطين وإغتصابها من عصابات الصهاينة هي هاجسه الأول ، ولكن التحديد الدقيق لمعسكر أعداء الثورة الذي كان يتمسك به حكيم الثورة والجبهة فرض عليه أن يضع أيضا توصيفا دقيقا أيضا لمعسكر قوى أصدقاء الثورة وعلى الصعيدين العربي والعالمي ، والذين كان يسعى لإقامة أوسع وأعمق العلاقات معهم حيثما كانوا فبدونهم لا يمكن أن تتحرر فلسطين .
الراحل الكبير قال : إن مجابهة ” إسرائيل ” والإنتصار عليها ، هي مهمة من مهمات الثورة الوطنية الديمقراطية العربية ، فهل سيثبت هذا الربيع العربي أنه على مستوى التحدي على هذا الصعيد ؟ وقال أيضا أن ” إسرائيل ” ليست أقوى من أمريكا ، والشعب الفلسطيني ليس أصعف من شعب فيتنام ، وهذا صحيح يا حكيم ، ولكن أغلب القيادات التي تتحكم اليوم بقرارنا الوطني تريد لهذا الشعب أن يكون ضعف دائما ، وذلك تنفيذا للإملاءات الصهيونية المفروضة عليها والتي أصبحت تتساوق وتتعاون معها .
في كتاب التنحي عن الترشح لمنصب الأمين العام للجبهة الذي تقدم به لمؤتمرها في عام 2000 قال: ” إن فريق أوسلو يمثل قيادة منهارة على صعيد برنامجها السياسي ، وما قاموا به هو إنقلاب على البرنامج التحرري وإنخراط في مشروع التسوية الأمريكي الصهيوني ، وما كان لذلك أن يتحقق لولا هذه المتغيرات الطبقية والفكرية وحتى المعنوية التي طرأت على بعض هذه النخب القيادية التي استولت على قرارنا الوطني ، وبالرغم من ذلك ، فإن علينا دائما الإمساك بخيط الأمل ، فالهزائم والإحباط مهما امتدت زمنيا فإنها تبقى مؤقتة وعابرة ” . وفي ذلك وضوح ما بعده وضوح ، ولكن ماذا عسانا أن نقول ؟ في الوقت الذي تقوم أغلب قوانا الوطنية بمد الأيدي والجسور مع هذه القيادات وتتعاون معها بل وتسعى لتبرير سياساتها المنهارة .
وقال أيضا في ذات المحطة : أن ” الشعوب هي صاحبة الكلمة الفصل وهي قادرة على أن تطلق أحلامها وآمالها مقاومة وصمودا ودفاعا عن أهدافها ومصالحها ، وشعب فلسطين سيكون شعب المستقبل وشعب الحياة بعمقه العربي والحضاري ” .  دقة ما بعدها دقة ، لأننا لا نزال وبالرغم من كل متغيرات هذا الربيع أمام قيادات ترفض الإنصياع لهذه الحقيقة بل وتقفز عنها ولا تريد أن تتعامل على أساسها ، وما نشهده من استمرار للتصادم مع هذه الجماهير في هذه العاصمة أو تلك هوخير شاهد وأقوى دليل على أن إدارة الظهر للشعوب والإلتفاف على مطالبها لا يزال يتسيد الموقف .
لا قيمة للشعارات ما لم ترتبط بشروط نجاحها وبوجود الأداة الحاملة لها والساعية لتحقيقها ، ولن يكون في الساحة العربية والفلسطينية سوى خندقان لا ثالث لهما ، الأول  خندق أمريكا الإمبريالية والصهيونية العالمية المعادي لهذه الشعوب ، أما الثاني ، فيتمثل في خندق مصالح وأهداف الجماهير الفلسطينية والعربية ، وهذا هو خندق الصمود والمقاومة ، خندق قوى الثورة التي تؤمن بأن الدولة وتقرير المصير والعودة ما هي إلا أهداف مرحلية وليست نهاية المطاف على طريق إقامة المجتمع العربي الجديد .
هذا بعض مما أراده الحكيم ، وهذا ما رحل وهو قابض على جمرته ، فهل لا تزال الجبهة الشعبية تمثل قضية وتحتل مكانة مرموقة في وجدان وتاريخ الشعب الفلسطيني ؟ هذا سؤال يجب على الجبهة اليوم قيادة وقاعدة الإجابة العملية عليه ، فالحكيم لم يغادر ، ولا يزال يتطلع إلى ترجمة ما آمن به ، فهل لا نزال نحفظ له وصاياه ؟ وهل سنساهم بمسؤلية وطنية في تنفيذها ، هذا ما يجب أن نقوله فعلاً ونضالاً في ذكراه الخامسة والسادسة وحتى يأتي اليوم الذي سيحمله رفاقه ليعاد دفنه من جديد في اللد حيث ولد .
د.امديرس القادري