أيها الساده : دون مصر انتم صفر

الرابط : فضاءات عربية (:::)
بقلم : وليد رباح – نيوجرسي (:::)
اثبتت احداث التاريخ دون مجال للشك .. ان كافة الغزوات التى استهدفت الوطن العربى توقفت جميعها على بوابات مصر .. ولم يستطع بعض الغازين ان يتجذروا فى ارض مصر حتى وان احتلوها لبعض الوقت ..
وقد يتسائل البعض عن هذا السر الذى كشفه التاريخ دون ان يغوص المحللون فى دواخله ..ولكن الاجابه عليه فيه من البساطه ما يجعلنا بعيدين عن السطحيه .. وهى ان الانسان المصرى يرفض الاغصان الغربيه التى (تتمعشق) على جذوره .. ويرفضها بكل ما يمتلك من قوة الحق والمنطق.. ويقطع عنها وسائل الحياه فتذوى وتذوب وتموت دون ان تؤثر كثيرا او قليلا فى اعماق ذلك المجتمع الذى وان كان فيه بعض الوهن فى وقتنا الحاضر .. الا انه يحتفظ بكل مقومات الصبر والصمود والحياه.
وعكسيآ لاحداث التاريخ سوف نثبت بالادله القاطعه ان حكام مصر جميعهم بدءا من الفراعنه وانتهاء بكل الدكتاتوريات التى حكمت مصر لم تستطع ان تجعل الشعب المصرى يتعايش مع اغصان غريبه تمعشقت على جذوره ..
فرغم مرور اكثر من اربعين عاما على محاولة التطبيع مع الصهاينه .. ظل المصريون يرفضون هذا الجسم الغريب الذى يريد ان يتجذر فى الارض المصريه .. ولم يستطع نابليون ان يعيش فتره طويله فى اعماق مصر رغم انه جند الاف العملاء الذين كانوا ينظرون لثقافة الغرب فى مصر العريقه .. وتراجع التتار وانخرطوا فى الحياه المجتمعيه الاسلاميه بعد ان هزمهم جيش مصر شر هزيمه .. واصبحوا جزءا من امه الاسلام بعد ذلك .. رغم تخريبهم لمقومات الحياه الاسلاميه فى بلاد الشام والعراق .. وذوى المماليك ومات ملوكهم واحدا اثر الاخر رغم آلة القمع الضخمه التى استخدموها فى اذلال الشعب المصرى ومحاولة ابعاده عن جذوره بحجة اعتناقهم الاسلام ..ولم يستطع الاتراك العثمانيون ان يبنوا سدود العزله بين مصر والعالم العربى رغم استغلالهم كل الادوات الممكنه التى يمكن ان تجعل مصر تابعه للدوله العثمانيه .. ولملم الهكسوس الرعاة بقاياهم وهم يتجهون صوب الارض التى قدموا منها بعد ان حكموا مصر سبعين سنه او يزيد ..ولكنهم فى النهايه طردوا من مصر طردآ منظمآ ولاحقتهم قوات مصر وقضت على عشرات الالاف منهم فى عملية هروب جماعيه لم يشهد التاريخ القديم لها مثيلا ..وجمع الانجليز حوائجهم ورحلوا عن ارض مصر عندما وقع جمال عبد الناصر اتفاقية الجلاء عن مصر .. ولم يتبق بعد كل تلك الغزوات سوى شعب مصر .. ذلك الشعب الذى لم يزل يستخدم النكته اذا لم يعجبه تصرف حاكم ما .. ولم تزل آثاره الفولكلوريه والثقافيه تعيش بل وتزدهر حتى هذه الايام .. حتى ان من عاش قبل خمسة قرون فى مصر يستطيع ان يشهد على نمط الحياه اذا ما عاش فى القرن الحالى .. وهذا يعنى ان الموروث الثقافى المصرى .. موروث عريق لا يمكن ان تنتزعه الاحداث السياسيه الطارئه التى تمر على مصر عبر ولوجها فى بطن التاريخ سواء كان تاريخا ماضيا ام حاضرا .
وقد يتسائل البعض عن هذا السر العميق الذى يجعل الانسان المصرى يرفض الاجساد الغريبه الخارجه عن موروثه الثقافى .. وكما كان الجواب بسيطا عن سر تراجع الغزوات على ارض مصر ..فان الجواب الثانى سيكون ابسط مما نتوقع .. فمصر من اقدم الحضارات على وجه هذه الارض .. ومصر يوم كانت امريكا واوروبا حلمآ فى اذهان ساكنيها كانت تزود محيطها بالغذاء والماء والطعام حسب ما ورد فى الكتب السماويه .. وما هجرة يوسف واخوته اليها الا احدى الصور التى وردت فى كافة الكتب السماويه .. ومصر التى بنت الاهرامات التى لم تزل اعجوبة العصور المتفاوته قد اتت بالاحجار الضخمه من بقاع العالم فى وقت كانت الخيمه والقش وسعف النخيل هى الحضاره الاسمى لاوروبا وحضارة الهنود الحمر والرعاع فى كل بقاع العالم .. ومصر هى التى اكتشفت الذهب وصدرته لهذا العالم .. ومصر هى التى اخترعت العملات وصرفها بدلا من مقايضة البضائع .. ومصر هى التى اختزنت فى باطنها الحياه حتى بعد موت العظماء فيها .. وما الاثار التى تكتشف الا دلائل على ما نقول .. ومصر هى التى انجزت بناء الانسان المصرى فى العصر الحاضر بعد ان كان العالم العربى نائما فايقظته من سباته ووفرت له سبل الاعتزاز باسلامه وقوميته .. ومصر هى التى تحمل على كاهلها هموم المسلمين والعرب منذ بزوغ فجر الاسلام وحتى يومنا الحاضر .. ولا يعنى بعض الهزائم العابره فى تاريخها انها ركنت الى الهدوء والسكينه ..
اما على صعيد عظماء هذه العالم .. فمصر هى التى انجبت جمال عبد الناصر ..وطه حسين .. وسعد زغلول .. وتوفيق الحكيم .. ونجيب محفوظ .. واحمد عرابى .. ورأفت الهجان .. وام كلثوم .. ومحمد عبد الوهاب .. ورفاعه الطهطاوى .. وقاسم امين ..ويوسف شاهين.. وكليوباترا .. واحمد زويل ورمسيس الاول والثانى .. والشيخ الشعراوى ..والشيخ شلتوت .. وعبد المنعم رياض .. واحمد حمدى .. ومحمود ابراهيم .. والاف غيرهم اثروا ثقافة هذا العالم فى كل المجالات سواء كانت سياسيه او اقتصاديه او عسكريه او وطنيه او دينيه ..
ومصر هى التى خاضت معركة الفالوجه .. ومعركة القناه .. ومعارك حرب الاستنزاف ..ومعارك حرب 73 ..والجيش المصرى هو الذى حطم خط بارليف المنيع .. وخاض معارك عين جالوت وحطين بعد ان وحد الجيش العربى تحت لواء صلاح الدين ..وجيش مصر هو الذى أسر لويس التاسع عشر بكل عنجهيته واساطيله .. والجيش المصرى هو الذى وقف سدآ منيعآ امام توسع البرابره من التتار والمغول وكسر شوكتهم وانقذ الوطن العربى من العبث فى كل تواريخه المتعاقبه ..
وتبعا لكى ذلك التاريخ الثرى .. فان الموروث الثقافى المصرى انغرس فى اعماق ذلك الانسان لا ليحتفظ به فى داخله فقط .. بل ليصدره سواء عن قصد او دون قصد الى اطراف هذا العالم مما رسخ فى يقين الانسان المصرى انه طليعة يتعامل مع الاحداث الانيه بصوره مستقبليه .. ولذا فان من الصعب ان يعيش الجذر الغريب بين ثنايا عقلية الانسان المصرى بفعل موروثه الثقافى الضخم الذى يغذى حياته وحياة الاخرين ممن حوله بغنى هذا الموروث واصالته .
وقد يتسائل البعض عن سر قوة الموروث الثقافى كل هذه السنين التى مضت والتى تقدر بالاف السنين .. واعنى هنا الحضاره الغنيه بالموروثات وليست حضارة الهامبورغر والهوت دوج والبيبسى والكولا .. انها حضارة الانسان الذى يبنى حياته من اجل يومه وغده وليس من اجل حاضره فقط ..
واذا كان المثل المصرى الذى يقول ( ع الاصل دور ) لا يعنى بمفهومه العميق اصل عائلة الانسان فقط .. بل يتعداه الى جذور الحضاره التاريخيه .. فقد الغى هذا التعبيير كليا من اصول الموروث الثقافى الحديث .. فعلى سيبل المثال لا تجد امريكيا واحدا يقول لك هذا المثل او يعمل به .. لان اصوله اذا ما بحثنا عنها فان نتيجة البحث ستكون مأساويه .. اما اصول الانسان الاوروبيه فهى اصول يكتنفها الظلام والظلم والعبوديه .. ومعلوم تماما ان الامثال الشعبيه هى امتداد للموروث الثقافى الذى تتناقله الاجيال حفاظا على الجذور وحفظا للنوع والتصاقا بالحضاره.
ونحن لا ننكر مطلقا ان حضارات اخرى فى هذا العالم مثل الحضارتين الهنديه والصينيه لهما امتداد عميق فى التاريخ .. وان حضارة حوض البحر الابيض المتوسط مثل حضارة الفينيقيين والكنعانيين والعمونيين والاشوريين وغيرهم اصولها راسخه ومتجذره .. ولكن دخول الحضاره السريعه التى تستهدف الحياه المرفهه والكسب السريع والغزوات المتعدده التى مرت قد جعلت تلك الحضارات تتجه فى مجرياتها نحو التحديث ونسيان الاصول ..
الا الحضاره المصريه فقد حافظت على جذورها عميقه فى الارض المصريه وعلى جوانب النيل وصحراء مصر العريقه . لذا فانك لو بحثت عن اصول الامثال الشعبيه فانك تجدها تمتد لالاف من السنين خلت دون تغيير او تبديل .
عندما ارادت امريكا ان تصنع عملية السلام بين اسرائيل والعرب فى عهد كارتر .. ورأت فى ذلك استعدادا لدى الرئيس المصرى انور السادات .. كان التوجه الذى ابداه كيسنجر ان خروج مصر من دائرة العرب سوف ينهى القضيه دون جدال .. ولكن كيسنجر لم يفهم ولن يفهم عقلية الشعب المصرى ولا دوافعه الانيه .. فقد اعتمد فى مقولته على الحاكم دون النظر الى الموروث الثقافى المصرى .. وظن ان القسر والقوه يمكن ان تجلب السلام لمنطقه متفجره ترفض الجسم الغريب الطارئ الذى قدم اليها .. ونحمد الله على ان كيسنجر قد عاش ليرى الشعب المصرى وهو يخرج بالملايين فى شوارع القاهره والاسكندريه وحتى الريف المصرى لكى يعلن تمرده على الاوضاع القائمه فى فلسطين .. فلم يستطع كيسنجر ولا اتفاقية كامب ديفد ولا الوعود بتحسين الاقتصاد ان تجعل الشعب المصرى يتقبل الجسم الغريب بتك السهوله ..
ان مصر بكل ما تمتلكه بكل موروث ثقافى هى الامل الذى يمكن ان يعطى الامه العربيه دفعات الى الامام ..وتجاهلها او خروجها من المعركه يعتبر خساره كبرى لكل العرب والمسلمين ليس فى منطقتنا فحسب .. بل فى كافة انحاء العالم .. لان ما يجرى هنا ينعكس هناك .. فقد اصبح العالم كله قريه صغيره تتأثر اطرافها بالاخرى .
دون مصر لا تساوى المنطلقه العربيه سوى صفر .. فبالاضافه للموروث الثقافى هناك المخزون الاقتصادى الضخم .. وهناك العنصر البشرى المتميز .. وهناك التدين المنغرس فى داخل الانسان سواء كان تدينا اسلاميا او مسيحيا مما يجعل التمسك بالحق نبراسا .. اكثر من ذلك .. هنالك الانسان الذى يتقبل ويؤمن بالاخوه الصادقه والمصير المشترك الذى يربطه اقليميا مع الانسان العربى .. وانسانيا مع كل ما يدور للانسان فى هذا العالم .