الرابط : سخرية كالبكاء (:::)
بقلم: محمد هجرس** بمصر (:::)
لم أكن أتوقع أن مزاحاً يومياً، مع صديقي سجدي الروقي، الزميل بجريدة (اليوم) السعودية، سيصبح ذات يومٍ حقيقة، وأنّ ما كنا نتبادله من ضحكات، تندراً على وقع كلمات مثل “شيلوا الميتين اللي هنا”، سيكون مدخلاً مؤلماً وقاسياً لوصف ما يجري بمصر هذه الأيام من كوارث.
في صالة التحرير بالجريدة، ربما كانت حكاية صديقي سجدي، الذي كان يتباهى بأنه يأخذ 500 ريال على “الرأس” ما يزيد دخله، لم تصمد طويلاً أمام أول مشهد حقيقي للموت، دفعه للهرب من الوظيفة الحكومية “على أول خشبة” مطلقاً ساقيه للريح، دونما انتظار لكلمة عزاء في الوظيفة التي طارت، لأن هناك بعض الأحياء لا يستطيعون الثبات أمام الموت، أو أمام وجه ميّت انتقل لرحمة الله حديثاً وينتظر إجراءات “المعاينة” والدفن، فكيف لهؤلاء الأحياء في مصر، أن يقبضوا على قلوبهم، أمام مشاهد الموت الذي يوزع أشلاءه هذه الأيام مجاناً، تحت عجلات قطار، أو عند مزلقان سكة حديد، أو تحت أنقاض عمارة هوت لغياب ضمير، بفعل تلاشي قوة وهيبة دولة بالكامل.
قد يكون سجدي، أحسن حالاً، لأنه في رحلة فراره رعباً، ومضحياً بمئات الريالات، أنقذه سائق تاكسي، وأدخله إلى عالم الصحافة والشهرة، ولكن أين هذا السائق الذي يمكن أن ينقذ المئات من الضحايا، ليظلوا أحياء على الأقل، وليس أن يجدوا وظيفة، وشهرة، واسما يتكرر يومياً، لا أن يذكر للمرة الأولى والأخيرة في صفحة الوفيات.
وإذا كان شاعر العربية الكبير، أبو الطيب المتنبي، قد نعى مصر مبكراً في بيته الشهير :”كم ذا بمصر من المضحكات” فإن الضحك هذه الأيام بات هستيريا، تتأرجح نازفةً حياتها ودمها، بلا أي قيمة، سوى تصريحات حكومية، تكتفي بالتعبير عن عزائها، وإن لم تنس أن تمنّ على الموتى والأحياء ببضع جنيهات، لن تغير من الأمر شيئاً، فلا تعيد الأموات للحياة مرة أخرى، وفي نفس الوقت لا تضمن لمن بقى على قيد الحياة أن يعيش كريماً، أو يموت كريماً أيضاً.
في مصر.. أصبح الموت لا يقل مهانة عن الحياة ذاتها، بل المحزن، أنه أصبح تجارة سياسية رابحة، يرى فيها الناقمون فرصة للانتقاص من السلطة، واتهامها بعجز لن تفلح فيه، كل حبوب فياجرا العالم في أن تمنحها “انتصاباً” سياسياً يرفع رأسها، وفي نفس الوقت، ترى فيه الحكومة، وسيلة لرمي كل إخفاقاتها على عهد سابق أصبح شماعة لكل الأخطاء والخطايا.
ماذا يعني أن يكون هناك قرابة 340 ألف عقار في المحروسة، كلها مهددة بالسقوط على رأس ساكنيها، وعلى أجسادهم، دون أن تتحرك دولة تكتفي حتى الآن، بالتعبير عن الأسف، وكأن هذه الأرواح لا تستحق سوى أن نتأسف عليها، وإن كان هناك، من يرى في هذه الكوارث فرصة للتخلص من آثار عدم “نحديد النسل” رغم تقارير ارتفاع نسب العجز الجنسي.. فمن أين تأتي كل هذه الأعداد الإضافية؟
……………
بعد كل كوارث الموت، التي عشناها خارجياً، بدءاً من حادث العبارة الشهير، إلى قوارب الموت التي جعلت لحم المصري طعاماً لأسماك البحر المتوسط، جاء الدور على الداخل ليثبت أنه ليس أقل ضميراً ولا فجيعة.
جاء الدور على “الوطن” ليؤكد أن لا وطن بالأساس، ولا مواطن بالأصل، إنما سرادق عزاء كبير يكتفي بتشييع الموتى، وما تبقى من أشلائهم التي تعرفوا عليها، في مأتم الإهمال الكبير.
جاء الدور على التجارة الرابحة، التي دفعت الزميل والصديق إبراهيم رضوان، ليقوم بمغامرة صحفية، يشتري فيها ساق أحد الأموات، من المشرحة، كأنه طالب طب، وبعد أن يحملها ويخرج، “يحتاس” فيها، بعد أن اشمأز أهله، وخاف جيرانه، ليلقيها على الرضيف في “شوال خيش” مكتفيا باعتذار لميت لم يجد له كرامة في بلده، فباع ساقه أحد النخاسين، وما أكثرهم الآن.
…………
“الآن دورك ياباحازم :: شيل الميتين اللي عندكم”.
هكذا أرسل لي سجدي الروقي، معزياً بتوريةٍ أفهمها جيداً.. ربما وجدها فرصة للانتقام من سخريتي منه طيلة أعوام كثيرة.
صحيح أني لم أسكت، فأرسلت له :”ماشي.. بس عندنا الموت للأسف ببلاش، الله يرحم واحد صاحبنا، كان بياخد 500 ريال ع الراس” ومع ذلك، ضحكت، وأنا أعبر مزلقان السكة الحديد بالأمس، في حي فيكتوريا بالإسكندرية، نطقت الشهادتين، قبل أسمع رجلاً بسيطاً يصرخ من الجهة المقابلة :”الموووووووووووت علينا حق”.
تذكرت كل الكوارث السابقة والحالية واللاحقة، وهمست في إذن ابني حسام، وأنا أشعل سيجارة.. إييييييييييه دنيااااا.. وحدوووووووووووووووه؟!
نظر لي ثم أردف، وهو يغمز لي بعينيه، في إشارة خبيثة :”شيلوا الميتين اللي هنا”؟!
ـــــــــــــ
** كاتب صحافي مصري
mmhagrass@gmail.com






آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

