الرابط : الجريمه (:::)
كتب : هيثم زعيتر – فلسطين المحتله (::)
الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لم يكن شخصاً عادياً، وإنما كان بإجماع عربي ودولي، زعيم تاريخي وقائد مسيرة النضال الفلسطيني، والمتمسك بالثوابت الوطنية الفلسطينية..
فقد كان الزعيم الفلسطيني الوحيد القادر، حتى من وجهة النظر الإسرائيلية، على عقد اتفاق سياسي إستراتيجي مع «إسرائيل»، ولذلك استندت الحرب «الشارونية» التي كانت بأوامر من رئيس الحكومة – آنذاك – آرييل شارون إلى ثلاثة أذرع، هي:
– الجدران.
– عملية الاستيطان التي لا تتوقف.
– الحرب التي كانت تحمل اسم «الإصلاحات»: الإصلاحات في السلطة، وتعني استبدال عرفات، وهو الشرط الذي حدده شارون لأي تقدم سياسي، لأنه أدرك أنه إذا ما نجح بتحطيم عرفات، فإنه سينجح في تحطيم العمود الفقري للشعب الفلسطيني لسنوات طويلة، يستطيع خلالها إغراق الأراضي الفلسطينية بالمستوطنات وضمها إلى «إسرائيل»..
وترك استشهاد الرئيس عرفات (11 تشرين الثاني 2004) بطريقة مموّهة، الكثير من علامات التساؤل عن ملابساتها، والجهود المنصبة منذ ذلك التاريخ حتى الآن لكشف حقيقة الاغتيال..
واعترفت «إسرائيل» بعد 8 سنوات على استشهاد «أبو عمار»، وللمرة الأولى بضلوعها في عملية الاغتيال التي استهدفته، وجاء ذلك على لسان الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز، الذي قال: «ما كان ينبغي اغتيال ياسر عرفات، وأظن أنه كان بالإمكان التعامل معه، ومن دونه، كان الوضع أصعب وأكثر تعقيداً»..
هذا الاعتراف الصريح لبيريز، وفي هذا التوقيت يأتي في ضوء سلسلة من التطورات تطرح العديد من الأسئلة، ومنها:
– إذا ما كانت فيها مصالح إسرائيلية داخلية لتبرئة ساحة بيريز.
– قبل إجراء انتخابات الكنيست الإسرائيلي المقررة بتاريخ 20 كانون الثاني الجاري، والتي يُعتبر المرشح الأقوى للفوز بها رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو، الذي لم يكن حينها رئيساً للوزراء الإسرائيلي.
– بعد أخذ عينات لرفات الشهيد ياسر عرفات من قبل فريق خبراء فرنسي وروسي وسويسري (27 تشرين الثاني الماضي) من دون أن يتم رفع الرفات من الضريح، لتحديد أسباب الوفاة.
هذا ما يفتح الباب مشرّعاً وبعلامات استفهام كبيرة، حول خفايا هذا الاعتراف الذي يدين «إسرائيل» صراحةً؟ وما هي المكاسب التي سيحققه مثل هذا الاعتراف لـ «إسرائيل»؟
وتعيش الساحة الفلسطينية صورة شبيهة لذات الأحداث التي سبقت اغتيال الرئيس «أبو عمار» وتدنيس شارون لباحات المسجد الأقصى (28 أيلول 2000)، وما تلاها من اندلاع «انتفاضة الأقصى» بتاريخ 28 أيلول 2000، وما يحصل اليوم من قيام المتطرّف أفيغدور ليبرمان باقتحام الحرم الإبراهيمي الشريف والبلدة القديمة بعد زيارته مستوطنة «كريات أربع» في مدينة الخليل – جنوب الضفة الغربية (14 كانون الثاني 2013)، وهو الأمر الذي حصل بعد دخول فلسطين إلى «الأمم المتحدة» – عضو مراقب..
هذا الواقع يطرح تساؤلات، هل يعني أن ذلك هو استهداف لحياة الرئيس الفلسطيني محمود عباس؟ حيث ترى الحكومة الإسرائيلية أن الرئيس «أبو مازن» ليس الرجل الصالح للدخول بالتفاوض، لأنه مضى على الخطوات الثابتة التي خطّها «أبو عمار».
تأتي هذه المواقف، في ضوء مواصلة سلطات الاحتلال الإسرائيلي، تهويد القدس، ومصادرة الأملاك، وبناء المزيد من المستوطنات، حيث لم يستجب الاحتلال للضغوط الأجنبية من أجل وقفها، معتبراً أن ذلك تدخّل داخلي بشؤونه، فيما لم يحتمل الاحتلال مشاهدة «مخيم باب الشمس»، الذي أقامه ناشطون فلسطينيون في منطقة E1 بين الضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلتين، حيث نصبوا 20 خيمة، وهو مكان قرر الاحتلال الإسرائيلي بناء مشروع استيطاني فيه، فعمد إلى اقتحام المخيم من قبل المئات من أفراد الشرطة الإسرائيلية..
والرد الحاسم على كل المحاولات الإسرائيلية، يكون بإنجاز بنود المصالحة الفلسطينية..
ضغوطات على «أبو عمار»
بعد مباحثات «كامب ديفيد» 2000 و«طابا» 2001، بدأت الدوائر الأميركية وأوساط من الحكومة الإسرائيلية وبعض السياسيين الإسرائيليين القول: «إن عرفات لم يعد يُعتد به» – بمعنى عدم جدوى التفاوض معه.
في هذه الأثناء، ازداد العنف، والعنف المضاد، ووقعت عدة عمليات فدائية أسفرت عن مقتل كثير من الإسرائيليين، وعلى الرغم من شجب عرفات واستنكاره الواضح لهذه الأعمال، إلا أن شارون، الذي كان على عداء مرير مع «أبو عمار»، بدأ بتحميله مسؤولية ما يحدث.
كذلك، منعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي «أبو عمار» من حضور قُداس الميلاد في بيت لحم ليل 24-25 كانون الأول 2001، فوضعت كوفيته على كُرسيه في الكنيسة، وحينها قال البطريرك ميشال الصباح ناظراً إلى الكوفية: «أنت حاضر «أبو عمار» أكثر من أي وقتٍ مضى».
بعدها مُنع «أبو عمار» من مغادرة رام الله، لذلك لم يحضر «مؤتمر القمة العربية» في بيروت (26 آذار 2002) خشية ألا يسمح له بالعودة إذا غادر الأراضي الفلسطينية. وعقدت القمة برئاسة الرئيس اللبناني العماد إميل لحود، ولم يُسمح للرئيس الفلسطيني بتوجيه كلمة إلى المؤتمرين، ما أعتبر رفع غطاء سياسي عربي عنه، وذريعة للاحتلال الإسرائيلي، الذي أعطى الضوء الأخضر لقواته، فقامت بمحاصرته (29 آذار من العام نفسه) داخل مقره في المقـاطعة مـع 480 من مرافقيه ورجال الشرطة الفلسطينية.. وهكذا بدأت حالة من المناوشات التي يقتحم خلالها الجيش الإسرائيلي ويُطلق النار هنا، ويثقب الجدار هناك، بينما كان عرفات صامداً في مقره متمسكاً بمواقفه.
في تلك الفترة، بدأ يتقاطر على مقره بالمقاطعة مئات المتضامنين الدوليين المتعاطفين معه. كذلك تعرّض عرفات من قبل الإدارة الأميركية و«إسرائيل» لحملة بهدف إقصائه عن السلطة أو إبعاده عن مركز القرار فيها، بدعوى تحميله مسؤولية ما وصلت إليه الأوضاع في أراضي «السلطة الوطنية الفلسطينية» من تدهور.
وبتاريخ 24 أيار 2002، طلب الرئيس الأميركي جورج بوش تشكيل قيادة فلسطينية جديدة.
بتاريخ 12 تشرين الأول 2004 ظهرت أولى علامات التدهور الشديد لصحة «أبو عمار»، فقد أصيب كما أعلن أطباؤه – بمرض في الجهاز الهضمي، وقبل ذلك بكثير، عانى من أمراض مختلفة، منها نزيف في الجمجمة ناجم عن حادثة طائرة، ومرض جلدي (فتيليغو)، والتهاب في المعدة أصيب به منذ تشرين الأول 2003، وفي السنة الأخيرة من حياته تم تشخيص جرح في المعدة وحصى في كيس المرارة، وعانى ضعفاً عاماً وتقلباً في المزاج، نتج عنه تدهور نفسي وضعف جسماني.
تدهورت الحالة الصحية للرئيس الفلسطيني تدهوراً سريعاً في نهاية تشرين الأول 2004، قامت على إثره طائرة مروحية بنقله إلى الأردن، ومن ثم أقلته طائرة أخرى إلى مستشفى «بيرسي» في فرنسا، وظهر الرئيس على شاشة التلفاز مصحوباً بطاقم طبي، وقد بدت عليه معالم الوهن مما ألمّ به. وفي تطوّر مفاجئ، أخذت وكالات الأنباء الغربية تتداول نبأ موت عرفات في فرنسا، وسط نفي لتلك الأنباء من قبل مسؤولين فلسطينيين.
وقد أعلن التلفزيون الإسرائيلي (4 تشرين الثاني 2004) نبأ «موت الرئيس عرفات سريرياً، وأن أجهزة عرفات الحيوية تعمل عن طريق الأجهزة الإلكترونية لا عن طريق الدماغ»، وبعد مرور عدة أيام من النفي والتأكيد للخبر من مختلف وسائل الإعلام، تم الإعلان الرسمي عن وفاة الرئيس ياسر عرفات (11 تشرين الثاني 2004). ووُري جثمانه في مبنى المقاطعة في مدينة رام الله، بعد أن تم تشييعه في ثلاث قارات لثلاث دول، هي: فرنسا – باريس (أوروبا)، مصر – القاهرة (أفريقيا)، وفلسطين – رام الله (أسيا)، وذلك بعد الرفض الشديد من قبل الحكومة الإسرائيلية أن يُدفن جثمانه في مدينة القدس كما كانت رغبته.
وبعد أكثر من ثماني سنوات على رحيل الرئيس عرفات، ما زالت تتكشف العديد من تفاصيل «اللغز» حول الظروف التي أودت بحياته في «مستشفى بيرسي العسكري» في باريس (11 تشرين الثاني 2004)، بعدما تدهورت حالته الصحية في مقر المقاطعة في رام الله خلال حصار الاحتلال الإسرائيلي له، وخاصة أن التحاليل التي أجريت له في باريس لم تتوصل إلى تحديد نوع السم الذي أدى إلى وفاته.
وأُعيد تسليط الضوء على أسباب الوفاة، خاصة بعد الفيلم الوثائقي الذي بثته «قناة الجزيرة الفضائية» القطرية (3 تموز 2012)، بعدما استغرق إعداده 9 أشهر، خلص إلى أن «معهد الأشعة الفيزيائية» في لوزان عثر على «كمية غير عادية من البولونيوم» بعد تحليل عينات بيولوجية من الأغراض الشخصية لعرفات سلمها المستشفى الفرنسي إلى أرملته سهى، وهو الأمر الذي يجزم التدبير الإسرائيلي وتورطه في عملية الاغتيال..
لكن المسؤولين الفلسطينيين وأقارب الرئيس الراحل، التي لم يقنعهم جواب المستشفى بأن عينات الدم العائدة للرئيس قد تم تدميرها، معللين «عادة بالنسبة لشخصية مهمة مثل عرفات عليهم الاحتفاظ بآثاره، ربما لا يريدون التورط في الأمر»، الأمر الذي عزز الشكوك لدى كثيرين ممن لا زالوا يُطالبون حتى اليوم بالكشف عن الوفاة الغامضة للرئيس الرمز.
ونتيجة لتلك الشكوك، اتخذت جهات متعددة إجراءات للكشف عن الأسباب الحقيقية للوفاة، حيث قامت «قناة الجزيرة الفضائية» بالبحث عن مواد مُسمّة في مقتنيات شخصية للرئيس عرفات استعملها قبل فترة وجيزة من وفاته، وذلك بعد فحوصات أجراها «معهد الفيزياء الإشعاعية لوزان» في سويسرا.
ورحّبت «السلطة الوطنية الفلسطينية» بفتح هذا التحقيق، وقال كبير المفاوضين الفلسطينيين الدكتور صائب عريقات: «نحن نرحّب بهذا القرار، وكان الرئيس محمود عباس قد طلب رسمياً من الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند مساعدتنا في التحقيق في ظروف استشهاد الرئيس الراحل ياسر عرفات».
هذا فضلاً عن أن الرئيس عباس قد طرح قضية استشهاد الرئيس عرفات، أمام «جامعة الدول العربية» للتحقيق في مُلابسات الاستشهاد، حيث قررت إنشاء لجنة للتحقيق في الأمر، وفي ضوء المداولات لتي أجراها المجلس في هذا الشأن.
ولكن مع كل ذلك، تبقى رفات الرئيس عرفات الدليل القاطع لقطع الشك باليقين، إلا أن ذلك، حيث وافقت القيادة الفلسطينية على ذلك، حيث كان مطروحاً نقل الرفات إلى خارج الضفة الغربية.






آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

