شعريار ( او قلب العقرب ) (3)

الرابط : فن وثقافة (:::)
محمد حلمي الريشه – فلسطين المحتله (:::)
“أَتكتبُ غزلاً يَا ولَد؟!”
خمسٌ تَنقصُ إِصبعًا
الحدثُ الأَقسى، بالنِّسبةِ إِليَّ، هوَ قطعُ أَوتارِ الإِصبعِ السَّبَّابةِ فِي يدِي اليُمنى/الكاتبةِ، فِي حادثةِ مساعدةِ صديقٍ لِي فِي مكانِ عملِ أَحدِ أَقربائهِ، بعدَ أَنْ كنَّا قَفزْنا وغيرُنا منَ الطَّلبةِ منَ الطَّابقِ الثَّانِي للمدرسةِ، ثمَّ فرَرْنا مِنها بعدَ أَن همَّ/بدأَ جيشُ الاحتلالِ الإِسرائيليِّ بدهمِها؛ كانَ ذلكَ خلالَ “انتفاضةِ المدارسِ” سنةَ (1976)، والَّتي كتبَ عَنها الشَّاعرُ الرَّاحلُ عَبد اللَّطيف عَقِل فِي مجموعتِه الشِّعريَّةِ: “الأَطفالُ يطاردونَ الجرادَ”، وقدْ كانَ لِي معلِّمًا/صديقًا/أَخًا كبيرًا فِي المدرسةِ الصَّلاحيَّةِ الثانويَّةِ فِي مدينتِي نابُلس، وكمْ كنَّا نتحاورُ حولَ مادَّةِ الفكرِ والفلسفةِ (كانَ مدرِّسًا لَها)، ونتحاورُ، بالطَّبعِ أَكثرَ، حولَ قَضايا الشِّعرِ؛ هوَ المعلِّمُ/الشَّاعرُ، وأَنا التِّلميذُ فِي الشِّعرِ.
كنَّا مشَّائِينَ؛ هوَ وأَنا وقليلٌ مِن الطلبةِ، فِي أَطرافِ ساحةِ المدرسةِ وحديقتِها الفقيرةِ وقتَ الاستراحةِ بينَ الدُّروسِ، وكمْ كانَ ذاكَ المشيُ/التَّصرُّفُ غيرَ مقبولٍ مِن قِبلِ مديرِ المدرسةِ ويغيظهُ جدًّا، وخصوصًا إِذا جعلَ المعلِّمُ/الشَّاعرُ درسَهُ فِي الهواءِ الطَّلقِ وليسَ بينَ أَربعةِ جدرانٍ شاحباتِ!
أَذكُرهُ، الآنَ، بدمعتَينِ، كيفَ بدأَتْ عينايَ تدمعانِ بأَلمٍ شديدٍ كأَنَّ ماءَ نارٍ تُضجُّ فِيهما، وحَلقي يؤلمُ  كأَنَّ شيئًا خشنًا يَعبُرهُ مُرًّا مِرارًا، جرَّاءَ قُنبلةِ مسيِّلةٍ للدُّموعِ/الضُّلوعِ، لها غيرُ مذاقِها المعهودِ، أَطلقَها جنديٌّ صهيونيٌّ، فصارتْ ترقصُ بينَنا علَى إِيقاعِ غدرٍ، وقدْ رأَيتُه (الشَّاعرُ/المعلِّمُ) قبلَ أَنْ يُغمَى عليَّ وغَيري تمامًا، يهرعُ إِلينا باندفاعٍ مِن غرفةِ الدَّرسِ، بعدَ أَنْ شاهدَنا منَ النَّافذةِ، على الرَّغمِ مِن سوءٍ قدْ يَلحقُ بهِ مِن قِبلِ إِدارةِ الاحتلالِ. كمَا أَذكرُ لهُ، بحنينٍ شيِّقٍ، عملاً جميلاً/عذبًا/شاعريًّا؛ هوَ حضورُه مرارًا إِلى بيتِنا، ليُطلَّ مِن شرفتهِ علَى حديقةِ محبوبتهِ، لعلَّهُ يلمحُها، علَى الرَّغمِ مِن أَشجارِها المتقاربةِ! إضافةً إِلى التَّحاورِ المستمرِّ فِي المحبوبِ الآخرِ/الشِّعرِ.
حادثةُ قطعِ أَوتارِ الإِصبعِ؛ كانتْ آ نَها طعنةَ إِحباطٍ/انكسارٍ ثانٍ فِي كبدِ رغبةِ الكتابةِ، بعدَ أَنِ استعادتْ حيويَّتها فيَّ، وبعدَ اقترافِي قهرًا إِثمَ الحريقِ! شعرتُ بأَنَّ حادثةَ قَطعِ الأَوتارِ ستؤدِّي إِلى قَطعِ الحبلِ السُّرِّيِّ بينَ الكتابةِ وبينِي، وَلكنَّ هذَا لَمْ ينجحْ هذهِ المرَّةَ؛ كانتْ رغبةُ الكتابةِ/الشِّعرِ فيَّ أَمكثَ أَكثرَ مِن ذاكَ الجرحِ البليغِ. تدرَّبتُ أَنْ أَكتبَ بيدِي اليُسرى ولَمْ يُفلحْ هذَا. عدتُ، بعدَ تخفيفِ دوائرِ الضَّمادةِ الجافَّةِ، إِلى تكرارِ محاولةِ الكتابةِ بأَصابِعِ اليدِ اليُمنى الأَربعِ، وكَمْ كنتُ فرِحًا لتمكُّني أَخيرًا منَ استرجاعِ وسيلةِ الكتابةِ الأُولى، بلْ وأَكثرُ مِن هذَا؛ فقدْ تدرَّبتُ، بِتلكَ الأَصابِعِ المنقوصِ أَهمِّها، علَى إِتقانِ أَنواعٍ مِنَ الخطِّ العربيِّ، بإِلحاحِ المثابرةِ والشَّغفِ.
كمْ كنتُ أَشعرُ بأَنَّ مدادَ الكتابةِ يُضخُّ منَ القلبِ عبرَ شرايينِ اليدِ إِلى القلمِ الَّذي يجعلُها تستلقِي علَى الورقةِ بانطباعِ نشوةٍ!

جرادةُ فِعْلِ “الأَنا”
التهمْتُ كثيرًا مِن دواوينِ الشِّعرِ العربِيِّ ومجموعاتهِ؛ ابتداءً مِن جاهليَّتهِ إِلى مَا كنتُ معاصرًا لهُ، مِن مكتبةِ البيتِ، ومكتبةِ المدرسةِ، والمكتبةِ العامَّةِ، وكثيرًا منَ الأَعمالِ الأَدبيَّةِ، والثَّقافيَّةِ، والفكريَّةِ، والنَّفسيَّةِ، والفلسفيَّةِ.
أَذكرُ أَنَّني كنتُ تعلَّقتُ جدًّا، ولاَ إِرَادِيًّا (نعمْ؛ لأَنَّي شعرتُ بميلٍ قِرائيٍّ/برغبةٍ جَارِفَةٍ إِليها)، بكُتبِ الكتَّابِ الوجوديَّينَ: (كِيركيغارد. جَان بُول سَارتر. كُولن وِلسون. أَلبير كَامي)؛ ربَّما لأَنِّني كنتُ فِي سنِّ المراهقةِ، وفِعلُ “الأَنا” لهُ حضورُه/سطوتُه فِي تلكَ المرحلةِ علَى المتمرِّدِ/الرَّافضِ/الفائرِ… الشَّاعرِ!

الشَّغفُ والمثابرةُ
سِيَرُ الشُّعراءِ، والمبدعينَ عمومًا فِي كلِّ الأَنواعِ الإِبداعيَّةِ، أَمدَّتني وشَحنتني بطاقةٍ غيرِ عاديَّةٍ/مذهلةٍ منَ الصَّبرِ/التَّحمُّلِ، وبقدرةٍ علَى الاعتكافِ/العزلةِ/النَّشاطِ/العملِ فِي صومعةٍ صنعتُها لِي، “الشَّاعرُ قِسُّ اللاَّمرئي.” (وَالاس سْتيفَنس)، حيثُ غسلتْ، إِلى حدٍّ مَا، آثارَ الأَسفِ/النَّدمِ/الجريمةِ الكاملةِ.
“لعلَّها الصُّدفةُ المحنَّكةُ تلكَ الَّتي قادَتْني، بعدَ حينٍ مِن “حَبوِي” الشِّعريِّ، إِلى معرفةِ الشِّعرِ بطريقتِها الَّتي تعتنِقُها؛ تلكَ الَّتِي قادَتني إِلى “قلعةِ آكسل” لِـ (إِدموند وِلسون)، عبرَ ممرِّ كتابٍ سِيَريٍّ نقديٍّ (…)، علَى الرَّغمِ منَ الكمِّ الكبيرِ مِن جرعاتِ النُّصوصِ الشِّعريَّةِ/ الأَدبيَّةِ المدرسيَّةِ الَّتي مقتُّ الكثيرَ مِنها، والَّتي كانتِ السَّببَ فِي تحوُّلي مِن كليَّةِ الآدابِ إِلى كليَّةِ الاقتصادِ، حينَ رأَيتُ أَنَّ المدرسةَ كانتْ فِي الجامعةِ أَيضًا (…)، وإِلى أَرففِ مكتبتيِّ البيتِ والبلديَّةِ، وما زلتُ أَذكرُ، بفخرٍ أَخضرَ، نصيحةَ أُستاذي الشَّاعرِ عَلي الخَليلي فِي سنةِ (1976) أَن أَقرأَ كتابَ “الإِشارات الإِلهيَّة” لِأَبي حيَّان التَّوحيدي، وأَذكرُ كيفَ قرأْتُ إِبَّانَ المرحلةِ الثَّانويَّةِ الكتابَ الضَّخمَ “الوجودُ وَالعدمُ” لِـ(جَان بُول سَارتر)، و”العالمُ إِرادةٌ وفكرةٌ” لـِ(آرثر شُوبنهاور)، و”قصَّةُ الحضارةِ” و”قصَّةُ الفلسفةِ” لِـ(وِل ديُورانت)، ومعظمَ كتبِ (كُولن وِلسون) وأَبرزَها “الشِّعرُ وَالصُّوفيَّةُ”، وغيرَها الكثيرَ، خصوصًا دواوينَ الشِّعرِ العربيِّ.”
كنتُ أَقرأُ امرئَ القيسِ إِلى جانبِ (وليم شيكسبير)، وأَبا حيَّان التَّوحيدي إِلى جانبِ (آرثر شُوبنهاور)، وابنَ خُلدون إِلى جانبِ (ويل ديورانت)، وأَبا تمَّام إِلى جانبِ (آرثر رامبو)، وسَلامة موسَى إِلى جانبِ (جَان بُول سَارتر)، وبدرَ شاكر السيَّاب إِلى جانبِ (ت. س. إِليوت)، ونجيبَ سُرور إِلى جانبِ (راينر ماريا ريلكه).. هذهِ أَمثلةٌ ممَّا تبِيحهُ الذَّاكرةُ الآنَ، وطبعًا الشِّعرَ الفلسطينيَّ آنذاكَ.
لاَ أَزالُ أَذكرُ، وأَنَّى لِي أَنْ لاَ أَذكرَ، تأْثيرَ سيرةِ الشَّاعرِ الإِيطاليِّ (فرَانتشِيسكو بِتراركا 1304-1374)، وأَنا ما زلتُ فِي رجفاتِ البداياتِ، وهذَا المهمُّ/الأَهمُّ.
لقدْ أَحبَّ حبًّا مستحيلاً دامَ إِحدى وعشرينَ سنةً، وعاشَ وماتَ فِي منفًى بعيدًا عنْ وطنهِ؛ حبٌّ مستحيلٌ/منفًى/شعرٌ. هذَا الحبُّ هوَ امرأَةٌ لمحَها فِي كنيسةٍ، ذاتَ صباحٍ مِن شهرِ نيسانَ. “نيسانُ أَقسى الشُّهورِ” (إِليُوت) علَى معظمِ الشُّعراءِ. امرأَةٌ تموتُ، بعدَ لمحةِ العينِ تلكَ، بعدَ انقضاءِ إِحدى وعشرينَ سنةً بالتَّمامِ. لَمْ يرَ وجهَها، حَيثُ كانَت تغطِّيهِ ببُرقعٍ، والأَغربُ أَنَّه لَمْ يَرهُ حيًّا طوالَ ما بقيَ لهُ مِن حياتِه! لكنَّهُ رآهُ مرَّةً واحدةً، وهيَ مسجَّاةٌ فِي قبرِها بعدَ دفنِها، إِذْ ماتتْ بالطَّاعونِ فِي (بَارما)، حيثُ وجدُوا، وهمْ ينبشونَ المقابرَ لأَجلِ نقلِ الرُّفاتِ إِلى مكانٍ آخرَ لتوسيعِ الشَّارعِ، السُّوناتا الأَخيرةَ الَّتي كانَ وضعهَا الشَّاعرُ علَى صدرِها جهةَ القلبِ، حيثُ قامَ بنبشِ قبرِها، بعدَ وقتٍ قصيرٍ مِن دفنِها. إِنَّها (لاَورا مينيأَتُورا)؛ تلكَ الَّتي كانَ كتبَ لهَا أَكثرَ مِن (1400) سُوناتا، بدونِ أَنْ تَعرفَ بحبِّ الشَّاعرِ لهَا!
(لاَورا)؛ هيَ مُعادِلُ/مَا سمَّيتُه “القصيدةَ المستحيلةَ” الَّتي يظلُّ يطاردُها الشَّاعرُ، طوالَ شِعرهِ، ولكنْ بدونِ أَنْ يتمكَّنَ منْ جعلِها تَسترخي، ولَو بغيرِ هدأَةٍ، فوقَ بياضهِ اللاَّينتهي!
“إِنَّني لاَ أَعرفُ أَنْ أَكتبَ قصائدَ، ولاَ أَعتبرُ نفْسي شاعرًا، ولاَ أَجدُ شعرًا فِي قصائِدي بالضَّرورةِ، ولستُ أَوَّلَ مَن يقولُ ذلكَ.
الشِّعرُ، سواءٌ أَكانَ حالةً جذليَّةً، أَمِ ابتكارًا، أَمْ موسِيقى، يمكِنُ أَنْ يُوجدَ فِي كلِّ شيءٍ؛ توسُّعٌ مفاجئٌ للعالمِ. يمكِنُ أَن يتحقَّقَ، أَكثرَ كثافةً وقوَّةً، فِي لوحةٍ، أَو صورةٍ، أَو كوخٍ. ومَا يزعجُ فِي القصائدِ هوَ نرجسيَّةُ الشُّعراءِ؛ هذَا البحثُ لديهمْ عنِ الطُّمأْنينةِ (وكلاهُما أُفقانِ مَسدودانِ)، وتحنُّنهمْ أَمامَ عواطفِهم نفسِها، ومَا أَسوأُ مِن هذَا كلِّه؛ الجانبُ المقصودُ فِي العمليَّةِ الشِّعريَّةِ.” (هِنري مِيشو).
أُشيرُ إِلى اندهاشِ/استغرابِ رئيسةِ “جمعيَّةِ فْرانتشيسكو بِتراركا” فِي إِيطاليا، وقدْ كنَّا التقينَا صدفةً، هناكَ، ضمنَ لقاءٍ ثقافيٍّ دَعتْني إِليهِ “جمعيَّةُ الزَّيتونةِ الثَّقافيَّةُ” في (سَان فِيتو دِي كادُوري)، مِن أَنِّي أَعرفُ عنِ الشَّاعرِ (فْرانتشيسكو بِتراركا) منذُ سنةِ (1977)، وأَنِّي كنتُ كتبتُ قصيدةً بعدَ فترةٍ مِن قراءَتِي لسيرةِ حياتهِ، وطريقةِ حبِّهِ العصيَّةِ الوصفِ! لدرجةِ أَنَّني أَطلقتُ اسمَ حبيبتِه (لاَورا) علَى الزَّميلةِ الجامعيَّةِ/المحبوبةِ (فَاتِن)، والاسمَ (فُتُون) كذلكَ، فِي قصائدِي إِليها، لضرورةِ الحرصِ الكبيرِ، والكبيرِ جدًّا، الِّذي نَعرِفُ اجتماعيًّا؛ إِذْ كنتُ أَدرجتُ/قرأْتُ اسْمَ محبوبتهِ هكذَا (لُورَا) فِي سيرتِه آنذاكَ، وتمَّ تصويبُ اسمِها لِي خلالَ اللِّقاءِ، والَّذي قرأْتُ فيهِ قصيدَتي “لاَورا”.. اللُّغزُ المبتسمُ غموضًا”، معَ مصاحبةِ ترجمةٍ لَها باللُّغةِ الإِيطاليَّةِ. أَقطفُ مِنها آخرَها:
“وَتَـمُرُّ سُنُونٌ أُخْرَى..
يُكْتَشَفُ القَبْرُ وَ”لاَوْرَا” قَابِعَةٌ فِيهِ
بِعَظْمٍ وَرَمَادْ
وَالشَّمْعُ الأَخْضَرُ حَوْلَ الرِّقِّ
يَضُمُّ الفَكَّ الذَّهَبِيَّ، وَ”سُونَاتَا” عِشْقٍ
تَتَحَدَّثُ عَنْ رَوْعَةِ “لاَوْرَا”..
سَتَظَلُّ إِلَى الأَبَدِ اللُّغْزَ المُبتَسِمَ غُمُوضًا
بِالفَكِّ الذَّهَبِيِّ الهَامِدِ وَسْطَ رَمَادْ.
(… … …)
“لاَوْرَا” الثَّانِيَةَ أَنَا فِي الظَّمَأِ المُجْدَبِ كَالعُقْمْ
مُدِّي الكَأْسَ إِلَيَّ مَلِيئَةْ
كَيْ أَجْرَعَ كَفَنَكِ وَالعَظْمْ.”