الرابط : فن وثقافة (:::)
محمد حلمي الريشه – فلسطين المحتله (:::)
سِيرةٌ شعريَّةٌ
إِهداءٌ
إِلى (شِعرَزاد)مِن قبلُ، الآنَ، ومِن بعدُ..
(شِعرَيار)
إِشارةٌ لاَ بدَّ مِنها
هذهِ “السِّيرةُ الشِّعريَّةُ” ليستْ سِوى ومضاتٍ ممَّا أَمكنَ للذَّاكرةِ أَن تستحضرَهُ آناءَ إِضاءَتِها/ كتَابتِها، لذَا فهيَ لاَ تُغنِي عنْ قراءَةِ أَعمالي الشِّعريَّةِ، وكتَاباتي الأُخرى، والحواراتِ الَّتي تمَّتْ مَعي، إِضافةً إِلى القراءاتِ، والمقارباتِ، والدِّراساتِ النَّقديَّةِ، الَّتي أُنجزتْ عنْ تجربتِي الشِّعريَّةِ.
مدخلٌ معذِّبٌ قليلاً/ كثيرًا
كنتُ، فِي كلِّ مرَّةٍ أَعودُ لأَبدأَ هذهِ الكتابةَ/السِّيرةَ الشِّعريَّةَ، فلاَ تَحدثُ؛ إِذْ تتقافزُ الذَّاكرةُ بمكنُوناتِها مضيئةً/مشتعلةً أَنَّني كتبتُ مِنها أَشياءَ عبرَ/فِي قصائدَ/حواراتٍ/شهاداتٍ أَدبيَّةٍ. هذَا مَا يَجعلُني أَتردَّدُ فأَتوقَّفُ، حيثُ أَشعرُ كأَنَّني سأَدخلُ متاهةً مهُولةً، كمَا لَو أَنِّني فِي حالةِ شعرٍ- هذهِ لذَّتهُ الأُولى، لاَ أَعرفُ إِلى أَينَ تُفضِي بهِ وبِي معًا.
“لَمْ أَكتبْ قصيدةً وأَنا أَعلمُ بمَا ستنتَهي بهِ. كتابةُ القصيدةِ اكتشافٌ.” (رُوبرت فْروست).
أَأَسيرُ بخطواتٍ حذرةٍ/محسوبةٍ، لاعتباراتٍ شائكةٍ شخصيًّا، وثقافيًّا، وتتعلَّقُ، أَحيانًا عديدةً، بآخرينَ، كأَنَّها خطواتٌ فوقَ ذرَّاتٍ مدبَّبةٍ/متحرِّكةٍ لطميٍ حارٍّ؟
تساءَلتُ، وفِيَّ غبطةٌ وغصَّةٌ فِي آنٍ، أَنَّ المبدعينَ- مِن غيرِنا- لدَيهم حرِّيَّةُ الكتابةِ عنْ ذواتِهم، وغيرِهم، وأَشياءَ، وحوادثَ، ووقائِعَ، شكَّلتْ مفاصلَ مُهمَّةٍ لِـ/فِي حيواتِهم، وإِبداعاتِهم، دونَ حساسيةٍ مريضةٍ منهُم. لاَ أَقصدُ/أَدعو، عربيًّا، أَنْ نصلَ إِلى مُستوى كتابةٍ افتعاليَّةٍ/انفعاليَّةٍ/مضلَّةٍ، تَعنِي المساسَ بمَا يمكِنهُ أَنْ يسبِّبَ اشتباكًا سلبيًّا/صِرَاعًا عقيمًا بدونِ جَدوى، إِنَّمَا أَعْنِي؛ روحًا فسيحةً/قدرةَ استقبالِ صدقٍ/نقدٍ موجَبٍ/حقيقةٍ نقيَّةٍ/كشفٍ مهمٍّ عنْ مسائلَ لَها أَثرُها الخاصُّ والعامُّ، فِي المشهدِ الجمعيِّ، بشفافيةٍ ثقافيَّةٍ أَنيقةٍ، لأَنَّ كثيرًا منَّا ليستْ لهُ تلكَ الرُّوحُ، وكذلكَ لأَنَّنا مَا زلنَا أَبطالاً، ولَو مِن ورقٍ، فِي سِيَرِنا الذَّاتيَّةِ وغيرِها.
أَتساءَلُ أَيضًا: لأَنَّهُ صَعبٌ الإِحاطةُ بكلِّيَّتها/بِشواردِها، فهلْ أُركِّزُ علَى/أُبرزُ أَهمَّ محطَّاتِها الَّتي شكَّلتْ فواصلَ حاسِمةً؛ داخليَّةً/خارجيَّةً، فِي التَّجربةِ الشِّعريَّةِ، أَم أَسيرُ خلفَ حبرِ السَّردِ يَمضِي بِما تشعُّهُ الذَّاكرةُ آناءَ الكتابةِ؟ لاَ أُخفي هُنا أَنَّ فكرةَ الصِّياغةِ الرِّوائيَّةِ راودَتْني مِرارًا، لكنِّي خشيتُها جدًّا، وعِفتُ الفكرةَ نهائيًّا؛ ربَّما لشعورِي الخاصِّ بضعفِ القدرةِ علَى إِنجابِها، خصوصًا أَنَّني أَشتغلُ لاَ شعورِيًّا، حتَّى علَى غيرِ الشِّعرِ، باللُّغةِ المكثَّفةِ، وهذهِ مغايرةٌ تمامًا للُّغةِ الرِّوائيَّةِ. لاَحظتُ عددًا منَ الشُّعراءِ العربِ هجَروا الشِّعرَ، وتحوَّلوا إِلى كِتابةِ الرِّوايةِ، أَو كتبُوا روايةً وأَكثرَ، إِضافةً إِلى كتابةِ الشِّعرِ، أَو تقليصهِ كثيرًا أَو قليلاً.
سَأَلني محاوِرٌ: هلْ كتابةُ السِّيرةِ الشِّعريَّةِ ضروريَّةٌ لمعرفةِ مَساراتِ القصيدةِ واللُّغةِ عندَ الشَّاعرِ؟
لستُ أَعرفُ، علَى الرَّغمِ مِن أَنَّني فكَّرتُ مرارًا بِها، ورغِبتُ بالمحاولةِ، إِلاَّ أَنَّني لَمْ أَجدْ وقتًا، لأَنَّ الموضوعَ ليسَ يسيرًا، وهوَ، بالنِّسبةِ إِليَّ، يشبِهُ حالةَ الكتابةِ الشِّعريَّةِ، وهوَ استعادةٌ مِن بعيدٍ؛ عالٍ، وعميقٍ، وأُفقيٍّ ممدودٍ فِي آنٍ، كأَنَّهُ كلُّ الوقتِ الماضِي، وكأَنَّهُ الأَمسُ، وكأَنَّهُ الآنَ، وكأَنَّهُ غدًا، وكأَنَّهُ لَمْ يكُنْ!
هذهِ إِحالةٌ/حالةٌ تنتابُني حينَ أُحاولُ استعادةَ مِشوارِي الشِّعريِّ، وبالتَّأْكيدِ؛ سأُصابُ بِها لَو شَرَعتُ بكتابتِها، وإِذا كانَ الشَّاعرُ صَلاح عَبد الصَّبور عنونَ كتابَهُ “حيَاتي فِي الشِّعرِ”، فأَنا أَعتقدُ أَنَّ أَنسبَ عنوانٍ لسيرتِي الشِّعريَّةِ هوَ “حيَاتي الشِّعرُ”، لأَنِّي كرَّستُ جُلَّ حيَاتي لهُ حتَّى بلغتُ، أَكثرَ مِن مرَّةٍ، حافَّةَ اللاَّجدوى مِن شدَّةِ اعتِناقي لهُ، وخَوفي عليهِ، فِي هذَا الزَّمنِ العربيِّ المُبتلَى بكلِّ شيءٍ.
إِنَّ كتابةَ السِّيرةِ الشِّعريَّةِ بصدقٍ، وأَمانةٍ، وبوحٍ مريحٍ/شفيفٍ، وإِيجابيَّاتِ التَّجربةِ وسلبيَّاتِهَا، ودونَ بطولةٍ ثلجيَّةٍ، إِضافةً إِلى حواراتِ ومقالاتِ وكتاباتِ الشَّاعرِ الأُخرى، وقراءَاتٍ/مُقارَباتٍ إِبداعيَّةٍ لآخَرينَ مبدعينَ، وغيرِها، لاَ شكَّ أَنَّها تشكِّلُ عتباتٍ، ونوافذَ، ومعابرَ ولُوجٍ للنُّصوصِ الشِّعريَّةِ، علَى الرَّغمِ مِن أَنَّ كلَّ هذَا لاَ يُغنِي عنْ قراءَةِ النَّصِّ ذاتهِ قراءَةً إِبداعيَّةً مِن قِبَلِ قارئٍ مبدِعٍ، لأَنَّ القارئَ خلاَّقٌ آخرُ.”
مَا شعرتهُ، ولاَ زلتُ؛ أَنَّ هذهِ الكتابةَ/السِّيرةَ الشِّعريَّةَ لنْ تكُونَ تحليقًا بجَناحيِّ الذَّاكرةِ المُنتبِهةِ والمخيَلةِ التَّأْويليَّةِ، كمَا اقترافُ الشِّعرِ، بلْ هيَ استرجاعٌ/تأْريخٌ/إِعادةُ اكتشافِ الدَّهشةِ/الذُّهولِ/الجُنونِ! أُعرِّفها مُحاولةً، غيرَ يائسةٍ تمامًا، لاحتواءِ الأَسفِ/الهباءِ/الجُفاءِ. لنْ تكُونَ سهلةَ الإِحاطةِ بكلِّ شيءٍ، إِذْ أَتمنَّى أَنْ أَقولَ كلَّ شيءٍ، أَو شيئًا مِن كلِّ شَيءٍ.
أَعرِفُ، هُنَا، أَنَّ هذَا التَّمنِّي درجةٌ مِن درجاتِ الاستحالةِ، ولكنْ لاَ بأْسَ منَ المحاولةِ/التَّجريبِ، حتَّى وإِنْ أَودَتْ/أَدَّتْ إِلى محوِها كاملةً كأَنْ لَمْ تكُنْ!
وجدتُني، فِي حزيران /يونيو (1990)، أُحاولُ أَن أُدوِّنَ، شِعرًا، سيرةً ذاتيَّةً مُستقبليَّةً، كمَا لوْ أَنَّها استشرافٌ/قراءَةٌ/تخيُّلٌ، فِي قصيدةِ: “سيرةٌ ذاتيَّةٌ لِـمَا لمْ يأْتِ بعدُ”. الآتي مقطعُها الأَخيرُ:
“عِنْدَمَا أَبْدُو سَمَاوِيًّا
طَرِيقًا لِانْفِجَارِ النَّارِ فِي صَدْرِ النَّشِيدِ
عِنْدَمَا يَنْسَابُ هذَا القَوْلُ مِنْ ظِلِّ النِّهَايَاتِ البَعِيدَةْ
وَأَرَى فِيمَا أَرَى؛
نَهْرًا مِنَ البِلَّوْرِ يَسْرِي
فِي التِصَاقِ الْفَجْرِ بِالحُلْمِ الجَدِيدِ
وَأَرَى فِيمَا أَرَى؛
بَحْرًا مِنَ الأَسْرَارِ يُخْفِي حُزْنَهُ فِي
مِعْطَفِ الأَمْوَاجِ.. يَدْعُونِي
لِآفَاقٍ مِنَ البَرِّ الأَكِيدِ
وَأَرَى فِيمَا أَرَى؛
زَهْرَةَ الأَغْصَانِ تَحْنِي هَامَةَ الرِّيحِ قَلِيلَا
تَرْفَعُ الأَكْوَابَ فِي مَدْحِ الغِنَاءْ
مَدْحًا عَلِيلَا
يَجْرَعُ النِّسْرِينُ.. يَشْدُو عَزْفَهُ عَزْفًا بَدِيلَا
وَأَرَى فِيمَا أَرَى؛
حُلْمًا أَرَى فِي الجَفْنِ.. هَلْ يَأْتِيهِ صِدْقٌ
ثُمَّ.. هَلْ يَبْقَى طَوِيلَا؟
عِنْدَمَا أَبْدُو سَمَاوِيًّا؛
تَدْخُلُ الأَيَّامُ فِي عُمْرِي
تَخْرُجُ الأَوْرَاقُ مِنْ سَطْرِي
وَقَدْ أَلْقَى سَبِيلَا.”
فِي البَدءِ.. كانتِ القِراءةُ
كنتُ تلميذًا فِي الصفِّ السَّادسِ الابتدائيِّ آنذاكَ، حينَ أَجبرَتنا المدرسةُ، فِي آخرِ يومٍ منَ السَّنةِ الدِّراسيَّةِ، علَى شراءِ مجلَّةٍ لِلفتيةِ كيْ نَقرأَها فِي العطلةِ الصَّيفيَّةِ، إِذ كانَ علَى كلِّ تلميذٍ أَنْ يشتريَها حتَّى لَو كانَ غيرَ راغبٍ بِهذا، وربَّما ليسَ لِهذا الهدفِ المعلَنِ، لكنَّهُ كانَ بالنِّسبةِ إِليَّ فاتحةً لِـمَا سيأْتي منذُ حينِ تلكَ الحادثةِ/المجلَّةِ إِلى الآنَ. هكَذا وجدتُني، فجأَةً، أَنشَدُّ إِلى القراءةِ، علَى الرَّغمِ مِن أَنّنَي شغوفٌ باللَّعِبِ، فلَمْ أَكنْ أَقرأُ، عَلى مَضضٍ، إِلاَّ دُروسي (تُعلِّمُنا المدرسةُ القراءَةَ والكتابةَ والحسابَ) الَّتي سرعانَ مَا أَقرؤُها سَلْقًا، لأَخرُجَ مِن ضيقِ المسافة، بينَ العينينِ الشَّغوفتينِ والدِّراسةِ المعتمةِ، إِلى مدَى اللَّعبِ، حتَّى وإِنْ كانَ مدَاهُ شارعٌ ينحَنِي مُتواريًا، بعدَ عثراتِ/عشراتِ الأَمتارِ، كفتَاةٍ تحثُّ الخُطى إِلى بيتِها إِذِ الرِّياحُ (غيرُ اللَّواقحِ) تحاولُ المرورَ مِن بينِ ساقَيْها وهيَ تضغطُ علَى فستانِها القصيرِ بيدَيْنِ ماكرتيْنِ. كنَّا نرَى الفَتيات يفعلنَ هكذَا، وهكذَا الشَّارعُ فِي عينيِّ تلميذٍ لعوبٍ، فمَنْ يُحاكي مَن؟
قرأْتُ المجلَّةَ مرَّةً/مرَّاتٍ: مَا الَّذي يَحدثُ لِي؟ لِمَ صرتُ أَبحثُ بشغفٍ عنْ مجلاَّتٍ وكتبٍ أَدبيَّةٍ وغيرِها، وأَهجرُ اللَّعبَ- هوايَتي الوحيدةَ المفضَّلةَ دائمًا- تدريجيًّا؟ أَنا الَّذي كنتُ مولَعًا جدًّا باللَّعبِ، لدرجةِ أَنَّ أُمِّي (رحمَها اللهُ) قالتْ لِي مرارًا: “إِنَّكَ لاَ تريدُ أَنْ تكبُرَ أَبدًا!”.
كيفَ صرتُ أَقضِي ساعاتِ مَا بعدَ الدَّوامِ المدرسيِّ فِي المكتبةِ العامَّةِ قارئًا نَهِمًا حتَّى انتهاءِ دوامِها، بلْ وأَتأَبَّطُ كتابينِ مُستعاريْنِ مِنها لأَستمرَّ ليلاً فِي هذَا الفعلِ المدهشِ/السَّاحرِ/السَّاهرِ إِلى مَا بعدَ بعدَ منتصفِ السَّوادِ؟ هذَا الفعلُ الَّذي وضعَ، مبكِّرًا، إِطارًا يحيطُ قطعتَيْ زجاجٍ قِبالةَ عينيَّ علَى مسافةٍ قريبةٍ جدًّا، وقدْ شعرتُ أَنَّ النَّظَّارةَ كانتْ كأَنَّها نقلةٌ عمريَّةٌ؛ منَ المراهقةِ إِلى الرُّجولةِ، علَى جناحَيْها اللَّذينِ جعلاَ ساقيَّ تَثبُتانِ طويلاً فِي جلوسِي علَى مقعدٍ، مقابلَ سَيرِي الرَّاسخِ/ الحثيثِ/ الصَّبورِ بِعينيَّ فوقَ حليبِ السُّطورِ الشَّهيِّ، علَى الرَّغمِ مِن جفافهِ، بعيدًا/ عميقًا/ برِّيًّا، لدرجةِ أَنَّني كنتُ أَنسى المكانَ/الزَّمانَ/ الطَّعامَ/الشَّرابَ/الوُجودَ/الحياةَ!
إِذا كانتِ القراءةُ أَهمَّ مَا حدثَ فِي حياةِ الرِّوائِي (ماريُو فارجَاس يُوسا)، وقدْ جعلتِ الأَحلامَ حياةً، والحياةَ أَحلامًا، وأَنَّ القراءةَ، كالكتابةِ؛ احتجاجٌ علَى نقصانِ الحياةِ، فمَاذا بوسعِي أَنْ أَقولُ أَنَا عَنها/فِيها؟






آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

