أعيني جوادا ولا تجمدا


الرابط : فضاءات عربيه (:::)
طلال قديح   * – الرياض (:::)
ألمٌ شديدٌ يعصف بالفؤاد ، وحزنٌ أشدُّ يحرم العين الرُّقاد فيستبدّ بها السُّهاد  وتذرف الدمع المدرار .. أجل.. أجل ، حزنٌ لا يُحتمل ،عمّ السهل والجبل  ..أخ عزيز قد وافاه الأجل وغادرنا وارتحل.. وفي النفس غُصّة وفي القلب حُرقة ..إنه أمرٌ جلل لا يُحتمل..لكن هذا قدر الله وما شاء فعل..
عرفته منذ نصف قرن في عام 1962 م حينما التحقت بجامعة بيروت العربية وكان قد سبقني إليها بعامين..وله الفضل في تشجيعي أنا وأخي محمد قديح للالتحاق بالجامعة والسفر إلى لبنان..فقد كان المألوف والمعتاد أن يقصد طلاب غزة للالتحاق بالجامعات المصرية فهي الأقرب والأقل كلفة وكانوا يتمتعون بمزايا متعددة أغرتهم بالدراسة هناك..
ولكن شاء الله أن نتعرف على الأستاذ إبراهيم أبو دقة الذي كان حينذاك أنهى السنة الثانية في قسم الفلسفة والاجتماع، وكان أيضاً تربطنا بعائلة “أبو دقة” علاقة قرابة وجيرة ونسب ، نتقاسم السراء والضراء وكان الأهل يتزاورون فيما بينهم ويعرف بعضهم بعضاً.
وكان له الفضل في استقبالنا في بيروت وأنزلنا في ضيافته حتى استأجرنا بيتا مستقلا..غمرنا بكرمه ومعاملته الطيبة وتوجيهاته التي أعانتنا كثيراً في التغلب على الصعاب التي واجهتنا في بيئة جديدة لا نعرف فيها احداً سواه، فكان المرجع والناصح والموجه لنا..فجزاه الله خير الجزاء وجعله في ميزان حسناته.
تخرج في الدفعة الأولى من كلية الآداب قسم الفلسفة والاجتماع الذي لم يكن معه فيه إلا زميل واحد وحصل على درجة الليسانس.. ثم سافر على المغرب ليعمل مدرساً بمدرسة النهضة الثانوية في مدينة سلا..
وكان بيننا مراسلات استمرت سنوات ثم انقطعت.. وشاء الله نعالى أن أسافر إلى غزة/ عبسان الكبيرة ، في صيف عام 2010م بعد غياب طويل استمر أعواماً.. وعرفت أنه جاء من المغرب لزيارة أهله وبسرعة اصطحبت أخي “محمد المختار” للذهاب سوياً للسلام عليه.. والتقينا لقاء مؤثراً اختلطت فيه دموع الفرح بدموع الفراق.. جلسنا نتجاذب الذكريات  ..ذكريات الجامعة وزملاء الجامعة نتذكر اسماءهم..وأين هم ؟ وما مراكزهم التي وصلوا إليها؟ ومنهم من نبوأ أعلى المراكز وتسلق سلم المجد.. حتى أصبح يشار إليه بالبنان.
حقاً لقد خرّجت جامعة بيروت العربية كفاءات في كافة المجالات..في السياسة والاقتصاد والآداب والعلوم ما تفخر بهم أمتهم العربية، وما جعل أسماءهم تسطر في صفحات التاريخ بأحرف من نور تهثدي بها الأجيال. ولا ننسى هنا فضل أساتذتنا الكبار الذين تميزوا بغزارة العلم وبصدق العطاء والإخلاص في العمل، وهم من العلماء الأجلاء الذين أنجبتهم مصر ولبنان، وكان لهم السبق في كل ميدان ، فكانوا شامة في وجه الزمان.
وفي يوم 28 ديسمبر 2012 وقبل بدء عام جديد فوجئت بنبأ وفاة أخي العزيز الأستاذ إبراهيم أبو دقة في المغرب ..أذهلني الخبر وأبكاني لأن للفقيد مكانة كبيرة في قلبي وله فضل في عنقي لا أنساه ولا أنكره..رحت أسترجع الذكريات وأعيشها كأنها حدثت للتو..رحمك الله يا أبا حسام رحمة واسعة وأسكنك فسيح جناته مع الشهداء والصدّيقين، وحسن أولئك رفيفا.. “القلب يحزن والعين تدمع وإنا لفراقك لمحزونون يا إبراهيم”.
وهنا تحضرني بضعة أبيات قالها أحد زملائنا بالجامعة- رحمه الله- وكأنه يتنبأ بما آلت إليه حال زملاء الدراسة فشرقوا وغربوا ..فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا..
يا نفس ذوبي جوى ويا أدمع انسكبي    حان الفراق وحانت سكتة الطرب
اليوم تجمعنا جدران جامعة              من طبعها الجمع والتوحيد في العرب
أما غداً فأيادي الدهر تنثرنا               نثر الكواكب في مستوطن الشهب
يحمّل الطير زفراتٍ ليرسلها          لمن قضى زمناً في معهد الطلب
إن كان موعدنا بُعداً غداة غدٍ      قفي برب الملا يا شمسُ لا تَغِبِ
تذكروا ماضي الأيام أن تقفوا    يوماً على شرفات المجد والقبب
وهكذا نثرنا الدهر في أصقاع المعمورة ولم نعد نلتقي.. سقياً لأيام الدراسة التي جمعتنا على الحب والألفة..
قضى الله علينا بالفراق فافترقنا    فعسى باجتماعنا سوف يقضي
•كاتب ومفكر فلسطيني