الرابط : القصة (::)
رواية الكاتب: إدوارد فيلبس جرجس – نيويورك (:::)
سارت سوسو إلى منزلها والأب سمعان إلى غرفته تتجاذبهما مشاعر وأفكار شتي ، لا تدري إن كانت وصلت إلى منزلها بالسيارة ، أم سيراً علي الأقدام ، أم سابحة في الهواء ، لا تدري من أمرها شيئاً ، هل تبكي أم تضحك أم تصرخ ، كل ما تدريه أنها امتلكت الدنيا كلها ، ماذا يعنيها في الدنيا سوى حبيب يداوي كل جروحها ، ويملأ فراغ حياتها ويخرج روحها من القفار التي هامت بها منذ أن تفتحت عيناها على الحياة ، ليطوف بها في جنة دنياه يغذيها من حنان سيكون له مذاق خاص بعد جوع سنين طويلة ، لم تطق صبراً واتجهت إلى إلى الهاتف لتزجي بالأخبار إلى صديقتها كريستا ، وبادرتها بصوت يحمل نغمات بهجة لا تسعها الدنيا :
-هل لك أن تهنئيني ؟
قالت كريستا مازحة :
ـ أهنئك علي ماذا .. هل ربحت إحدى جوائز اليانصيب ؟!
ـ لا.. لكني ربحت العالم كله .
قالت كريستا ساخرة :
ـ أتمني أن يكون عالم الواقع وليس عالم الخيال .
قالت كريستا بصوت أضافة له الغرور :
ـ منذ ساعات مضت كنت أعيش في عالم الخيال لكني الآن امتلكت عالم الواقع .
قالت كريستا مجارية في الحديث :
ـ هل لك أن تخبريني بكم اشتريت عالم الواقع .
قالت سوسو مرفرفة :
ـ اشتريته بحب بعد لوعة وروح عطشى للحنان .
قالت كريستا بصوت يحمل الأسف :
ـ الآن بدأت افهم عن أي عالم تتحدثين .
قالت سوسو وكأنها انتصرت في معركة حربية :
ـ أنني أتحدث عن الحصن المنيع ، لم اكن أتوقع أن يستسلم لي بهذه السرعة .
قالت كريستا غير مصدقة :
ـ أظنك تهذين أو تتوهمين شيئا لم يحدث سوى في خيالك .
ـ صدقيني ياكريستا لو لم اكن قد تربعت في قلب الحصن فعلا لظننت أنني واهمة .
قالت كريستا ولا يزال شكها قائماً :
ـ خبريني كيف تم هذا وأنا التي كنت أظن أن المقاومة ستكون عنيفة وستنتهي باندحارك .
ـ ما كنت أزعجتك بحديثي لو لم أر استسلاماً كاملاً ، ورضوخاً لأوامر الحب وظمأ لرشفات من كأس المتعة .
قالت كريستا وشعور بالحزن يملأها :
ـ إذا كان الأمر هكذا فلا داع لأن نلوم آدم وحواء على عصيانهما.
ضحكت سوسو عندما سمعت تعليق صديقتها ، وأنهت حديثها لتقف أمام المرآة وتنضو عنها كل ثيابها لتستعرض أسلحتها الفتاكة مبتسمة لنفسها وهي تردد وقد تملكها غرور الواثق من نفسه ، لم يولد بعد من يستطيع الصمود أمام هذه الفتنة ،أطفأت الأنوار وألقت بنفسها فوق الفراش كما هي لتطلق لسعادتها العنان تجوب بها العالم كله .
********
دلف الأب سمعان إلى غرفته وهو يحمل شعور التائه الذي وقف عند ملتقى الطرق . لا يدري أي طري يسلك بعد أن اختلط كل شيء في ذهنه ، وتشابك النقيضان .. السماء مع الأرض، العالم مع الآخرة ، العفة مع الشهوة ، الملائكة مع الشياطين ، الزهاد مع العلمانيين ، الفضيلة مع الانحطاط ، والطهارة مع النجاسة ..كل شيء تشابك مع نقيضه ، وكيف يمكنه أن يفصل بينهما فهو أولا وأخيرا بشر من نفس الطينة التي خلق منها آدم ، ولم يسلم آدم من الوقوع في الخطيئة والبشر كل لحظة يقعون في الخطيئة ، وهو أخطأ وقدماه تجرانه لخطيئة أكبر ، من الصعب عليه أن يفصل بين المتناقضات ، فهو لا يستطيع أن يفصل بين نقيضي نفسه ، غير قادر أن يحدد الطريق الذي يجب عليه أن يسلكه ، أنه ليس بأقوى من آدم خليقة الله نفسه ولم يستطع الصمود أمام تفاحة حواء، . وليس بأعتي من شمشون الذي انتزعت دليله قوته ، وليس أشد بأسا من داوود الذي طار صوابه أمام الجسد العاري لزوجة أحد قواده ، انه ليس بأفضل من كل هؤلاء ، أنه بشر حاول أن يسلك طريق الزهد لكن حواء أخرى فتنته وسلبته لبه وقدمت له تفاحتها ، وليس عليه إلا أن يقضمها ويتمتع بها ، قاوم كثيرا من قبل ، قاوم مباهج الحياة ، قاوم كل مطامع الدنيا ، قاوم جمال ابنة عمه ودموعها التي سكبتها على حبها المذبوح ، كان من الممكن أن يتمتع بها وبجمالها دون أن يقع تحت طائلة اللوم وعذاب الضمير بل كان سيبارك حبه الجميع ، لكنه بشر على قدر ما تدفعه عزيمته على المقاومة يمكن أن يقع فريسة لضعفه وينزلق إلى النقيض الآخر بقوة صخرة هوت من أعلى الجبل ، أنه بشر كمن سبقوه أوقعته فتنة لا تقاوم وسحر طاغ ، وإغراء يمكنه أن يشعل النار في تلال الثلج ، لقد حاول بشتى الطرق أن يمحي عن ذهنه ما رأته عيناه عندما انحنت أمامه لكنه فشل ، هاتف يصرخ بداخله بأن ما رآه قليل من كثير سينكشف أمام عينيه ويصبح تحت أمره ، وهو بشر والبشر ضعيف أمام نزواته ولن يلومه أحد ففتنتها طاغية . ولن يستطيع الصمود أمام إغراء تفاحتها فليقضمها حتى وإن كان ثمن هذه القضمة هو الموت نفسه . فجأة أحس بقشعريرة شديدة تهز كل جسده عندما قفز ذكر الموت إلى ذهنه ، وفي أقل من لحظة انفصل النقيضان وتباعدت الحياة عن الموت وكأن ذكر الموت كان باعثا له لأن يعيد لعقله التوازن ، فالموت يعني انتهاء الجسد ومن المفروض أنه مات عن كل ما يربطه بالعالم ، يوم أن وقف أمام أباء الدير وهم يصلون عليه صلاة الموتى ، فما بال جسده يستيقظ بكل شهواته ونزواته ورغباته المحرمة ، أليس من المفروض أن يكون كل هذا قد دفن مع جسده الذي أماته بكامل أرادته ، ليس أحد في الحياة يرحب بالموت لكنه هو الذي صنع نعشه بيده ، حين تخلى عن كل شيء في العالم ليصبح راهبا ، كل البشر جبلوا على الخوف من الموت لكنه هو سعي إلى الموت ليخلص روحه من أعباء جسده .
إذا فالموت ليس شراً ، وفي مثل حالته قد يكون كله خيراً ، قد يكون هو الحل الذي ينهي عذابه وحيرته، قد يكون هو الحل للهرب من خطيئة يندم عليها طوال عمره ويرزح تحت ثقلها ، كل الخيوط تنتهي إلى الموت ، تحولن رأسه إلى دوامة من الفكر ، يشعر به وقد تحول لقطعة من الحجر ودوار يلف كل أجزائه ، أغمض عينيه وفكره كله منحصراً في فكرة الموت . انتصب فوق قدميه وفكرة الموت تهيمن على كل حواسه ، جثا فوق ركبتيه أمام صورة المسيح المصلوب المعلقة علي جدار الغرفة وصرخ بصوت عال ، لقد قبلت الموت بمحض إرادتك من اجلي وسأذهب للموت بمحض اختياري للمحافظة على اسمك ، وفي اقل من لحظة أحس بأنه تخلص من كل الأحمال التي جثمت فوق كتفيه منذ أن دغدغت حواسه رائحة الكرز الناضج في المنديل الذي حمل بصمة شفتيها إلى مساء هذا اليوم وهو يشعر باللذة عندما لمست كفه نعومة يدها ، سار إلى باب الغرفة ، فتحه وهمَ بالخروج لكنه عاد أدراجه واقتطع ورقة بيضاء وكتب عليها ، حكمت على نفسي بالشنق لأني خُنت سيدي وخيانتي لا تقل عن خيانة يهوذا الذي أسلمه لصاليبه بثلاثين من الفضة ، شبك الورقة على صدر جلبابه ، خرج إلى الحجرة التي تستغل كمخزن وانتقى منها حبلاً واتخذ طريقه إلى مجموعة الأشجار القريبة وهو يجر خلفه أحد البراميل المخصصة للقمامة ، وضعه أسفل شجرة ضخمة ، قفز معتليا سطحه ثم ربط أحد أطراف الحبل في غصن قوي وجذبه بشدة ليتأكد من متانته ولف الطرف الآخر حول عنقه وعقده ولم يبق أمامه سوي الخطوة الأخيرة ، دفع البرميل بقدمه فتدحرج بعيدا ، تعلق جسده بين الغصن والأرض لتخرج حشرجة الموت من بين أسنانه . فزع الأب سمعان ليجد نفسه منطرحا فوق الأرض بعيدا عن المقعد الذي كان جالساً فوقه قبل أن تغفو عيناه ، أمسك بعنقه يتحسسه وهو يظن أن الحبل لا يزال ملتفاً حوله ، لم يتمالك نفسه فانخرط في البكاء وسالت دموعه غزيرة تبلل لحيته وتتساقط علي أرض الغرفة ونظر إلى صورة المصلوب وسمع صوته :
دموع بطرس الذي أنكرني ثلاث مرات هي التي ستقودك لطريق التوبة ، وليس مشنقة يهوذا التي تقود للهلاك ، فاضت دموعه بغزارة،دموع حارة أتت من نبع القلب ونظر إلى المصلوب ثانية يناجيه منتحباً.
ـ لماذا تركتني ؟.
ـ لم أتركك ، عيني عليك من أول العام لآخره ، لكن أنت الذي تحاول الابتعاد عن حضني .
ـ حاولت أن أسلك طريقك .
ـ وفي أول منعطف قادتك قدماك لطريق آخر .
ـ إنني بشر وأنت تعلم من أي جبلة خلقتنا .
ـ هناك إناء للكرامة وإناء للهوان والاثنان صنعا من الخزف .
ـ لقد اخطأ آدم وتلاه كثيرون حتى الأنبياء أخطأوا.
ـ أنا علي الصليب من اجل خطيئة آدم ، فلا تختار رجالاً وَهَن إيمانهم للمقارنة فهناك الكثيرون قبلوا الموت فرحين من أجل اسمي.
ـ هل اطمع في مغفرتك ورحمتك.
ـ لن تكون اقل من اللص اليمين .
نهض الأب سمعان وهو يرى الغرفة تسبح في نور لم تر عيناه مثله من قبل ، وصفاء في داخله افتقده طوال الفترة الماضية ، لجأ إلى فراشه بعد أن تخلص تماما من شذى عطرها الذي غلف عقله وتركه يتأرجح بين الوعي واللاوعي ، استسلم للنوم ولأول مرة منذ فترة طويلة ، عندما استيقظ في الصباح اختلى برئيسه ، ووضع نفسه أمامه دون إغفال لأي شيء ، رجاه أن يسمح له بالعودة إلى الدير ليكون مقره حتى آخر يوم من عمره ولم يكن أمام رئيسه بدا من الموافقة ، لم يمض يومان إلا وكان الأب سمعان يطأ ارض الدير الذي كرس حياته للخدمة به ، خالجه إحساس بأنه ولد من جديد وكان أول ما فعله هو الاختلاء بنفسه داخل صومعته ليجثو أمام المصلوب مناجيا بصوت تخنقه الدموع .. لقد عدت يا سيدي فأغفر لي طعنتي التي أسالت دمك الطاهر.
وإلى اللقاء مع الحلقة الأخيرة ،
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف ؛ .
edwardgirges@yahoo.com






آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

