الراهب (8)

الرابط : القصة ::
رواية الكاتب: إدوارد فيلبس جرجس – نيويورك  ::
تزاحمت الأفكار في رأس الأب سمعان ، لم يعد قادراً على التركيز ، أغمض عينيه لعله يستطيع أن يحصر تفكيره في نقطة واحدة ليتفرغ لغيرها ، تناهى إلى سمعه مقبض الباب وهو يدور ، رآها تقف كالبدر مكتملاً في صدر السماء ، حملق فيها مندهشاً من جرأة دفعتها لاقتحام غرفته ، تجمد لسانه داخل فمه فلم يستطع أن يتفوه بكلمة واحدة وهو يراها تدخل للداخل وتغلق الباب خلفها وتدير المفتاح في ثقبه ، تحركت يداه تتوسلان إليها ألا تفعل به أكثر مما فعلت ، لم تبال وخطواتها تقربها منه أكثر فأكثر حتى أصبحت بمحاذاة الفراش الذي يجلس عليه ، ارتكزت بإحدى ركبتيها علي حافته واقفة علي القدم الأخرى ، مدت يدها لتتخلل أصابعها لحيته وتمتد لتشمل وجهه بالكامل  وفي عينيها نظرة لا تدع مجالا للمقاومة أثارت فيه اللذة وهو يغوص في أعماقهما ، تبخرت قواه ولم يعد لديه أي أمل الصمود  ، امتدت ذراعه تطوق خصرها جاذبا إياها بلطف يتناسب مع رقتها لتستكين على صدره مقربا وجهه إلى وجهها ليذيب شفتيها بين شفتيه منتشيا برحيق يفوق في سحره سحرالكؤوس ، انزلقت يده علي جسدها الرخص لتجرده مما عليه من غطاء يقف كعزول بينهما ، بدت أمام عينيه كحواء قبل أن تستتر بورق التوت ، ضمها إلى حضنه البكر ثملاً بجسد تذيب حرارته تلال الثلوج ، لكن الزمن يبخل دائما بسويعات المتعة والسعادة ، مد يده ليوقظ الأب سمعان من غفوته وهو لم يزل واقعاً تحت تأثير حلمه . بحثت عيناه حوله وهو يتوقع أن يري جسدها يرقد في استحياء بجانبه ، أو يشاهد ما انتزعه بيديه من ملابسها مبعثرا على أرض الغرفة. من المستحيل أن يكون هذا حلم ، حلاوة قبلاتها لا تزال في فمه ، وملمسها الناعم لا يزال على كفه ، وبالرغم من عدم اعتراضه على حلمه إلا أنه شعر بالارتياح عندما تيقن أن ما حدث لم يكن سوى وهم جسده له عقله الباطن ، تنفس الصعداء وقام مسرعاً إلى الحمام ليغرق نفسه بفيض من الماء ليطهر فكره ، ويطفئ بقية من حريق لم يزل مشتعلا في جسده ، ولم يجد ما يلوم نفسه عليه فهو لا يملك شيئا حيال ما يراه في أحلامه وما هو إلا بشر بكل ما للبشر من أخطاء ومن زلات ،  لم يسع للخطيئة لكن الخطيئة هي التي سعت إليه ، عليه أن يستمد من ضعفه قوة وألا يخور فيقع في خطيئة أكبر، وطد العزم أن يكون صارماً مع نفسه ومعها حتى لو أدى الأمر لزجرها ، أحس بالراحة بعض الشيء تاركا للصلاة تنقية داخله .
وعلي نقيض  ما كان يفكر فيه كان تفكيرها ، تأكدت اليوم من أن الوصول إلى غايتها لن يكون ضربا من المستحيل كما صورته صديقتها كريستا ، وأنها أصبحت قاب قوسين أو أدنى من امتلاكه ، فما رأته بعيني أنثى ذات تجارب من الحالة التي كان عليها لمجرد أنها قدمت استعراضا بسيطا لأنوثتها أكد لها أن الطريق إليه سيكون سهلا . وما عليها سوى مواصلة الهجوم دون تردد ، هروبه من الاجتماع إلى غرفته دون محاولة اللقاء بها ثانية أكبر دليل على الصراع الذي نشب بداخله . شعور تملكه بأنه لن يستطيع الصمود أمام عينيها ففضل الهروب على معركة يمني فيها بالخسارة ، لكنه لن يستطيع الهروب طويلاً وما ستواجهه به في المرة القادمة سيكون فوق كل قدراته وسيستسلم لها ولرغباتها

********
مرت الأيام التالية وسوسو تعد العدة لمعركة فاصلة ، الصبر يوشك أن ينفد ، ما تبقى منه لن يساعدها على إطالة مدة الحصار اكثر من ذلك ، لا بد للقلعة الحصينة أن تسقط . بكرت من ذهابها لتقتنص أية فرصة للحديث معه ، لكنها لم تجده في المكان الذي شنت فيه غارتها فى المرة السابقة ولم تهتم لأنها كانت تتوقع هذا ، اتخذت لها مكانا استراتيجياً من المستحيل أن يحيد عنه وهو في طريقه لقاعة الاجتماعات ،لم تخطئ في حساباتها ، رأته قادماً من غرفته ، نهضت معترضة طريقه وفي عينيها نظرة بريئة ، حاول أن يضع علي وجهه قناعاً من الصرامة لم يصمد طويلاً وسقط بمجرد أن وقعت عيناه عليها ، عاندته افكاره وأعادت إليه أحداث حلمه ، لم يستطع السيطرة على نظرة أفلتت تتخلل جسدها وكأنه يريد التأكد من أن هذا الجسد هو نفسه الذي رآه ولامسه في حلمه ، كان هذا ً لينهار خط دفاعه وهذا ما أدركته وأحست به وقررت أن تبدأ الهجوم ، نظرت إليه معاتبة وقالت بلهجة منكسرة :
ـ ألا يؤنبك ضميرك على جفاء لا استحقه وهروبك المقصود بعيدا عني ؟!
قال وهو يحاول التمسك :
ـ أي هروب هذا الذي تتحدثين عنه !!!! .
ـ ليس هناك سوى معنى واحد للهروب ، الهروب هو الهروب من أي شيء ، والشيء هنا هو أنا .،وأنا أريد أن أتحدث معك وأعترف لك .
ـ الاعتراف يجب أن يكون لأب اعترافك فالراهب لا يأخذ اعترافات ، أجاب وهو يعلم بأنها لا تقصد ما قالته حرفيا وأن ما تقصده شيئا آخراًً لكنه أراد أن يهرب من إجابة يمكن أن تدفع به للتورط في حديث لا يريد الخوض فيه ، نظر إليها وهو يبتسم ابتسامته الوديعة قائلا :
ـ إسمحي لي فقد حان وقت الاجتماع .
ـ هل هذه محاولة للهروب أيضا ؟ لكن تفضل وسأنتظرك لأُكمل حديثي معك عقب الاجتماع وأرجو أن تتذكر أن من واجبك مساعدة المحتاج وأنا في أشد الحاجة ل .. ولم تكمل لكن عينيها وشت بما كانت تود البوح به ، ابتعدت مسرعة وكأنها تقطع الطريق عليه لو حاول أن يتعلل بأي سبب لتجنب مقابلتها .
جلست على أحد المقاعد وعيناها لا تغفلان عنه خوفاً من أن تفقده بعد أن أعدت العدة لتنفذ إلى غايتها. وانتهى الاجتماع ، رأته ينهض واقفا وهو يبدو وكأنه يرزح تحت حمل ثقيل ، تقدم نحوها وهو يقدم خطوة ويؤخر أخرى فبدا كتلميذ تكاسل عن عمل واجبه المدرسي ويخشى العقاب ، انتابها وهى تراه على هذا الحال شعور جارف بأنها تريد أن تحتويه بين ذراعيها وتهمس في أذنه بأنها لا تريد به شرا ، وأنها تفعل ما تفعله لأنها أحست من أول وهلة رأته فيها بأنه الرجل الوحيد الذي استطاع أن يغتصب قلبها .. وأنها ستذيقه من كأس الهناء ما لم يسمع عنه بشر ، ويكفيها منه ما سيمنحه لها من حنانه الذي يفيض فيغمر روحها العطشى ، امتلأ داخلها بالهدوء والسكينة وهي تجلس فوق المقعد الذي يجاور مقعده ، نظر نحواه  وشفتاه تحمل نفس الابتسامة الوديعة وقال وكأن صوته وكأنه آت من واد سحيق :
ـ هات ما عندك فأني منصت لك ..
ـ ما عندي نصفه يخصني والنصف الآخر يخصك .. قالت وكأنها تؤكد له بأن الدائرة مغلقة عليهما ، محدقة في عينيه بنظرة أيقظت بداخله ما حاول إخماده منذ أن اتخذ قراره بإلقاء عالم المباهج والملذات خلفه .
ـ لا أظن أن هناك شيئا يخصني فيما ستقولينه .. قال وهو يحاول أن  يهرب بنظراته بعيدا وإحساس يهتف  بأن ما يخصه قد يفوق ما يخصها لكنه يجاهد ألا يستسلم .
ـ أرجو أن تنسي الآن ولو قليلا كونك راهب ، وبأنك تجلس مع امرأة غريبة عنك ، جاهدت أن تقرأ ما  بعينيه لتستشف وقع كلماتها ، رأت ما بث الطمأنينة في نفسها وهي تشاهد  في عينيه نظرة لوم صامتة ، وكأنه يريد أن يقول لها أنك مخطأة في تصورك بأنك غريبة عني ، أشعر بأنك قد تسربت إلى داخلي منذ زمن بعيد ، قد أكون رأيتك منذ فترة قصيرة لكن جذورك تغلغلت في اطناب جسدي وعقلي وروحي ، حتى الحب ذقته بين ذراعيك في حلم لا يفترق عن الحقيقة .
قال الأب سمعان متشبثاً ببعض المقاومة :
ـ ليس هناك فرق أنا والراهب شيء واحد سقوط أحدنا يتبعه سقوط الآخر .
ـ لا أريد أن افقد جمال هذه اللحظة في مناقشة أنت تعلم أنها الوهم نفسه ، فأنا اعتبرت نفسي ملكا خالصا لك منذ أن رأيتك واقفا في العرس ، وأنت تذوقت العشق في أنفاسي وأنا منحنية أمامك في الأسبوع الماضي بل لن أكون واهمة إذا قلت لك أني رأيت نفسي عارية في مرآة عينيك .
قال وشعور بالإستسلام بدا واضحاً في نبرالت صوته :
ـ وأي فائدة ترجي من هذا كله .
قالت بإغراءلتقضي على أي فرصة للمقاومة :
ـ سنقتحم الجنة التي طرد منها آدم وحواء ونقتسم التفاحة سوياً .
ـ لكنهم صلوا علي جسدي صلاة الموتى يوم رسامتي ..
ـ سأهبك حياة جديدة فأن ما بجسدي من حياة كاف لأن يهبك حياة تفوق حياتك الأولي.
ـ وماذا سيكون موقفي أمام الله .. وأمام نفسي .. وأمام الناس .
ـ لا تخش شيئا فالسيد المسيح قال لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضي ، وما أنا إلا مريضة أنهكها الداء .. والدواء بين يديك فلتكن أنت طبيبي ودوائي .
أما خشيتك من نفسك فلا محل لها ، فراحة الضمير التي ستشعر بها لإنقاذك النفس التي كانت ستظل طوال حياتها تتردى من خطيئة لأخرى يفوق كل عذاب للضمير .
أما الناس فعليهم أن يخرجوا الخشبة التي بأعينهم قبل أن يخرجوا القذى الذي بأعين الآخرين .
قال وكأنه يعلن عن موافقته لكل ما قالته :
ـ وعلى أية صورة سنبدأ حياتنا الجديدة .
ـ سنكون أسعد زوجين ، فأنا أريد أن يكون ارتباطنا في النور ويكون لنا عش ككل الأزواج .
ـ قد لا نستطيع الحصول علي موافقة لزواجنا إذا تركت الرهبنة.
ـ هناك من المذاهب ما لا يضيره شيئا من هذه الموافقة ونحن لن نخرج عن مسيحيتنا لو فعلنا هذا فكل المذاهب تتبع لواء الدين المسيحي .
قال يائساً من الصمود :
ـ انت تغلقين أمامي كل طرق الهروب .
قالت بدلال :
ـ حبي لك سيكون هو مفتاح الطريق لسعادتنا .
ـ دعيني أفكر كيف يمكن أن تسير الأمور .. قال وهو ينهض مادا يده لتحتضن يدها مستعذبا بقاءها لبعض الوقت وهي تطلب منه ألا يكون بخيلا في الاتصال بها لتسمع صوته فيكون ونساً لها إلى أن تلقاه.
وإلى اللقاء مع الحلقة القادمة ؛
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف ؛
edwardgirges@yahoo.com